LOGINالرجل الذي يفقد إمبراطوريته لا يفقدها في لحظة واحدة. يفقدها كما يفقد الإنسان ذاكرته؛ ببطء، قطعة قطعة، حتى يستيقظ يوماً ويجد أن كل شيء كان هناك لم يعد موجوداً. مرت ثلاثة أسابيع. كنتُ أراقب. هذا كل ما فعلتُه في تلك الأيام؛ أذهب للمختبر، أنتج الدفعات المطلوبة، أحضر الاجتماعات، وأراقب. كنتُ أراقب فيكتور بعيون رجل يعرف ما يبحث عنه، ويرى التغيرات الصغيرة التي لا يراها غيره. في الأسبوع الأول، ألغى بوريس اجتماعاً في اللحظة الأخيرة. قال فيكتور إنه انشغال عادي. لكن عيونه حين قالها لم تكن مقتنعة بما قالته شفتاه. في الأسبوع الثاني، تأخرت شحنة من موسكو أربعة أيام دون تفسير. أرسل فيكتور رسائل لم تُرد بنفس السرعة المعتادة. في الأسبوع الثالث، اتصل أندريه باجتماع طارئ ثم ألغاه في نفس اليوم. كان فيكتور يشعر بشيء ما. كنتُ أرى ذلك في الطريقة التي بدأ يحمل فيها هاتفه أكثر من المعتاد. في الاجتماعات التي صارت أقصر وأقل كلاماً. في عيونه التي باتت تسأل بدلاً من أن تُخبر. لكنه لم يستطع تحديد ما يشعر به. وهذا كان أقسى شيء يمكن فعله برجل اعتاد أن يرى كل شيء. في نهاية الأسبوع الثالث، جاءت الرسالة التي
في سيبيريا، القرارات الكبيرة لا تُتخذ في النهار. النهار هنا قصير وخادع، يمنحك وهم الوضوح. أما الليل فصادق؛ يجلس معك ويجبرك على مواجهة ما تفكر فيه حقاً. كانت الساعة تقترب من الثانية فجراً. كنتُ جالساً وحدي في مطبخ شقة مارينا، أمامي كوب قهوة لم يعد ساخناً، وهاتفي الثاني على الطاولة أنظر إليه منذ ساعة دون أن أمسه. كان نيكولاي نائماً في الغرفة المجاورة. سمعتُ تنفسه العميق المنتظم، تنفس رجل تعلّم أن ينام في أي مكان وأي وضع لأن الحياة علّمته أن النوم نعمة لا تُضمن. نظرتُ إلى الهاتف. فكرتُ في رسلان. رسلان لم يكن فيكتور. هذا كان أول ما تعلمتُه منذ أن همست لي مارينا اسمه في تلك الليلة على الأريكة البيضاء. فيكتور بنى إمبراطوريته على الرعب، على إقناع الجميع بأن الموت أسرع من الخيانة. أما رسلان فبنى مملكته على شيء مختلف؛ على فهم أن المال يصنع الولاء أكثر مما يصنعه الخوف. رجلان مختلفان تماماً في الفلسفة. وهذا الاختلاف كان ورقتي الوحيدة. أمسكتُ الهاتف. كتبتُ رسالة قصيرة لرقم محفوظ باسم مستعار: "أريد لقاءً. أنت وأنا فقط. الشروط ستُفاجئك." وضعتُ الهاتف على الطاولة. انتظرتُ. بعد أربع دق
في موسكو، القوة لها رائحة مختلفة عن سيبيريا. في سيبيريا، القوة تشبه الجليد؛ صامتة وقاتلة. في موسكو، القوة تشبه العطر الغالي؛ تشعر بها قبل أن ترى صاحبها. كان مكتب فيكتور مختلفاً حين دخلتُه. ليس في تصميمه أو أثاثه، بل في الهواء نفسه. كان هناك ثقل إضافي، نوع الثقل الذي يدخل مع أناس اعتادوا أن يملأ وجودهم الغرف قبل أجسادهم. جلس على الأريكة الجلدية الطويلة رجلان. الأول كان في الخمسين، ممتلئ الجسد، يرتدي بدلة زرقاء داكنة بخياطة إيطالية واضحة لمن يعرف. شعره رمادي منسق بعناية، وعلى معصمه ساعة ثمينة تعكس ضوء الغرفة. كان يبدو كرجل أعمال ناجح لو لم تكن عيناه تحملان تلك البرودة الخاصة بمن اعتاد اتخاذ قرارات لا تُناقش. الثاني كان أصغر، في الأربعين، نحيل وطويل، وجهه يحمل ابتسامة دائمة لا تصل إلى عينيه أبداً. كان يمسك كوب شاي بيدين ناعمتين تبدوان غريبتين على رجل في هذا المكان. وقف فيكتور حين دخلتُ. "يوسف. هذا بوريس،" أشار للأول. "وهذا أندريه،" أشار للثاني. "كلاهما من موسكو." صافحتُ يد بوريس أولاً. كانت كفه جافة وقبضته محسوبة، نوع المصافحة التي تقيسك دون أن تُظهر أنها تقيسك. ثم يد أندريه؛ كا
الرجل الذي يعود من الموت لا يعود كما كان. يعود بشيء إضافي في عينيه، شيء لا اسم له لكنه يُرى. وصل نيكولاي في الثانية عشرة ظهراً. كنتُ أنتظره في شقة مارينا حين سمعتُ طرقات الباب الثلاث المعتادة التي لم يتفق عليها أحد لكنها أصبحت طريقته منذ أول يوم. فتحتُ الباب فوجدته واقفاً في العتبة؛ أنحف مما كان، وجهه شاحب بلون الثلج القديم، لكن عينيه الزرقاوين كانتا لا تزالان تحملان تلك الحدة التي لا يصنعها إلا الألم. نظر إليّ طويلاً. نظرتُ إليه. ثم فتح ذراعيه وعانقني بقوة مفاجئة لم أتوقعها منه، وشعرتُ بضغط يده على ظهري، يد رجل يتأكد أن ما أمامه حقيقي وليس وهماً صنعته أيام الوحدة في تلك القرية المنسية. "أنت بخير،" قالها كإثبات لا كسؤال. "أنا بخير." أفلتني وخطا إلى الداخل، وتفحص الشقة بعينين خبيرتين. توقف حين وصل إلى الأريكة البيضاء التي كانت مارينا تجلس عليها دائماً. نظر إليها لثانية واحدة فقط، ثم أدار ظهره وجلس على الكرسي المقابل. لم يتكلم عنها. ولم أتكلم أنا أيضاً. بعض الأشياء تُعاش ولا تُقال. أعددتُ قهوة وجلسنا. أخبرتُه بكل شيء؛ الاتفاق مع فيكتور، سيبيريت-3، ديمتري، واتصال أولغا. كان
بعض اللحظات لا تأتي بصوت عالٍ. تأتي بهدوء، كثلج سيبيريا، تتراكم ببطء حتى تثقل كل شيء دفعة واحدة. استيقظتُ في السادسة. لم أنم كثيراً. كانت محادثة أولغا تسكن رأسي كلحن قديم لا تستطيع إسكاته. صوتها ذلك الهمس الأخير، "لا تضيع ما تبقى منك"، كان يتردد في الغرفة الصامتة كأنه لا يزال في الهواء. نهضتُ. أعددتُ قهوة سوداء، وجلستُ أمام الكيس الصغير على الطاولة. بلورات سيبيريت-3. نظرتُ إليها طويلاً كما ينظر الإنسان إلى قرار لا يمكن التراجع عنه بعد اتخاذه. ثم أخذتُ الكيس، ووضعتُه في جيبي الداخلي، وارتديتُ معطفي. كان مكتب فيكتور في العاشرة صباحاً يبدو مختلفاً عن اليوم السابق. ربما لأنني كنتُ مختلفاً. كان فيكتور جالساً خلف طاولته، وبجانبه رجل لم أره من قبل؛ في الأربعين، ضخم الجثة، وجهه يحمل ندبة قديمة تشق حاجبه الأيسر. لم يُقدّم فيكتور اسمه، ولم أسأل. "الكيس،" قال فيكتور مباشرة. أخرجتُ الكيس ووضعتُه على الطاولة. التقطه فيكتور وفتحه. نظر إلى البلورات، ثم إلى الرجل بجانبه. أومأ الرجل برأسه كأنه يفهم ما لم يُقَل. وقف الرجل، أخذ الكيس، وخرج من الغرفة بصمت. "سيختبرها،" قال فيكتور. "متى ستع
الفرق بين العالم والمجرم أن العالم يعرف بالضبط ما يصنع. عدتُ إلى المختبر في اليوم التالي. لم يكن المختبر القديم في القبو؛ ذلك مات مع رائحة الغاز التي تركتُها خلفي ليلة الهروب. كان مختبر فيكتور الجديد، لكن هذه المرة حين دخلتُ الباب الحديدي الثقيل، كان الشعور مختلفاً تماماً. لم أكن موظفاً يدخل مكان عمله، ولا سجيناً يدخل زنزانته. كنتُ رجلاً يدخل مكاناً يملكه، أو يوشك أن يملكه. الفرق بين الاثنين أدق مما يبدو. كان ديمتري في انتظاري عند الطاولة المعدنية. نظر إليّ حين دخلتُ بعيون رجل لا يعرف بعد إن كان قراره بالانضمام إليّ شجاعة أم حماقة. "هل جاء أحد من رجال فيكتور؟" سألتُه. "لا." "جيد،" خلعتُ معطفي وعلقتُه على الباب، "سنبدأ اليوم." سيبيريت-3 لم يكن اختراعاً وليد اللحظة. كنتُ أفكر فيه منذ أسابيع، أرسمه في ذهني قبل أن أرسمه في دفتري، أبني تركيبته جزيئاً فجزيئاً في تلك الساعات الطويلة حين يرفض النوم أن يأتي. كان سيبيريت-2 بداية الفكرة، لكن سيبيريت-3 كان شيئاً مختلفاً كلياً في فلسفته لا في كيميائه فقط. سيبيريت-2 كان يمنح السلام. سيبيريت-3 كان يمنح الرغبة في العودة. الفرق بين المخدر







