Teilen

50

last update Veröffentlichungsdatum: 18.06.2026 06:15:29

بعد انتصاره على تابوبو، لم ينتظر خع إم واست طويلاً. في اليوم الثالث والعشرين من شهر أبيب، أعلن أمام كبار الكهنة وشعب منف أن يوم زفافه على تفنوت قد حان. لم يكن زفاف أمير عادي، بل تتويج ملكي روحي، يجمع بين النور والظلام في عهد جديد.

كانت ليلة زفاف خع إم واست وتفنوت ليلة أسطورية لا تُنسى في تاريخ منف، ليلة جمعت بين مجد الفراعنة وعمق الحب الذي ولد من رماد الحروب واللعنات. أقيمت المراسم في فناء معبد بتاح الكبير، الذي زُيّن بأبهى ما يمكن أن تخيله العين البشرية. كانت الأعمدة الشاهقة ملفوفة بأكاليل من الزهور الذهبية والفيروزية، والأرض مفروشة بسجاد من الجلود الناعمة المطرزة بخيوط الذهب، وفي الوسط أقيم مذبح كبير من الحجر الأبيض المضيء، يرتفع فوقه تمثال للإله بتاح يمسك بمفتاح الحياة "عنخ"، وكأنه يبارك الاتحاد الذي سيغير مصير المملكة.

منذ الصباح الباكر، كانت منف في حالة احتفالية غير مسبوقة. امتلأت الشوارع بالناس من كل حدب وصوب، يحملون الزهور والمباخر والرايات البيضاء والذهبية. كان الموسيقيون يعزفون على القيثارة والناي والطبل، والراقصات يؤدين رقصات مقدسة تروي قصة انتصار النور على الظلام. أما في داخل المعبد، فقد كان الجو مشحوناً بالرهبة والخشوع. اجتمع كبار الكهنة والكاهنات، ووقف الفرعون رمسيس العظيم نفسه على المنصة الملكية، جسده الذي استعاد جزءاً من شبابه بفضل طاقة الكتاب يقف شامخاً كشاهد على اتحاد حفيده.

عندما بدأت الشمس تغرب بلون ذهبي محمر، أعلنت الأبواق بداية المراسم. مشى خع إم واست في موكب مهيب، يرتدي تاج الملوك الجنوبيين والشماليين معاً، عباءته الملكية الثقيلة مطرزة بصور الدوات السبعة التي هزمها، وعيناه تحملان بريقاً ملكياً مختلطاً بالعواطف الإنسانية. كان يسير بخطوات ثابتة، لكنه كان يشعر بقلب يخفق بقوة لم يعهدها من قبل.

ثم ظهرت تفنوت.

كانت تمشي وسط موكب من الكاهنات الشابات اللواتي يحملن المباخر والزهور. ثوبها الأبيض الشفاف المطرز بالفيروز والذهب كان يلتصق بمنحنيات جسدها الممشوق، تاج حتحور على رأسها يلمع تحت ضوء الشموع والقمر، وعيناها النيليتان تلمعان بدموع الفرح والرهبة. كانت تمشي نحو الأمير كأنها تطير، خطواتها خفيفة، وكأن الأرض لا تستحق أن تلمس قدميها.

وقفت أمامه في وسط المذبح. نظر إليها خع إم واست نظرة طويلة، عميقة، كأنه يرى فيها كل ما حارب من أجله. أمسك بيدها، وأمام الجميع، أمام الآلهة، أمام التاريخ، تكلم بصوت يرج المكان:

"أمام بتاح، وأمام أوزير، وأمام كل آلهة مصر العظيمة، وأمام شعب منف الذي دافعت عنه بدمي وروحي... أختاركِ يا تفنوت، لستُ ككاهنة فقط، بل كملكة، كشريكة حياتي، كحبيبة روحي، كأم أبنائي المستقبليين. أقسم أن أحبكِ في النور والظلام، في السلام والحرب، في الصحة والمرض، حتى ينتهي الزمن أو يبتلعنا الدوات. أنتِ نوري، أنتِ حصني، أنتِ كل شيء."

بكت تفنوت دموعاً صامتة، ثم ردت بصوت واضح يحمل كل قوتها الكهنوتية:

"وأنا أختاركَ يا خع إم واست، لستُ كأمير فقط، بل كرجل، كحبيب، كمنقذ روحي، كأب أبنائي. أقسم أن أكون نوركَ في الظلام، وحصنكَ في العواصف، ورفيقتكَ في كل خطوة. مهما عادت الظلال، سأكون بجانبكَ، أحمل معكَ الثقل، وأشارككَ النصر."

ربط الكاهن الأكبر يديهما بخيط من الذهب والفيروز المقدس، وأعلن اتحادهما أمام الجميع. انفجر التصفيق والتهليل، وأقيمت الاحتفالات سبعة أيام كاملة، مليئة بالموسيقى والرقص والطقوس والولائم. أما في الليلة الأولى من زواجهما، فقد كان اتحادهما في المحراب المقدس مختلفاً عن كل ما سبق. كان حباً هادئاً، عميقاً، مليئاً بالدموع والابتسامات والوعود. دخلها ببطء، ينظر إلى عينيها، يهمس لها كلمات الحب التي لم يستطع قولها في سنوات الظلام. كانت تفنوت تحتضنه، تبكي من الفرح، وتهمس له: "أنتَ زوجي... أنتَ ملكي... أنتَ كل شيء."

مرت السنوات الخمس التالية كحلم دافئ. أصبح خع إم واست فرعوناً بالاسم، وحارساً للأسرار بالفعل. كانت تفنوت ملكة محبوبة، حكيمة وجميلة، تقف إلى جانبه في كل قرار. كان حبهما ينمو يوماً بعد يوم، ليس فقط في الليالي الحميمية المليئة بالشوق والعنف المقدس، بل في اللحظات الهادئة: عندما يجلسان على ضفاف النيل يتحدثان عن المستقبل، أو عندما يستيقظ أحدهما من كابوس فيجد الآخر بجانبه يحتضنه حتى يهدأ.

كان خع إم واست لا يزال يعاني من كوابيس الدوات، يستيقظ أحياناً يلهث، يرى وجوه الأرواح المعذبة، أو يسمع صوت تابوبو تهمس له من بعيد. في تلك الليالي، كانت تفنوت تحتضنه بقوة، تقبله، تذكره أنه لم يعد يقاتل وحده. كانت تمنحه جسدها وروحها، تحاول أن تمحو الندوب بكل حنانها.

كانت حياتهما سلاماً مؤقتاً... لكنه كان سلاماً جميلاً، مليئاً بالحب الذي يستحق كل الثمن الذي دفعاه.

Lies dieses Buch weiterhin kostenlos
Code scannen, um die App herunterzuladen

Aktuellstes Kapitel

  • سيد الرماد والضوء   135

    كان الأسطول الحربي المصري العظيم يشق مياه البحر المتوسط العاتية في طريق عودته إلى ديار الكنانة، متهادياً كأسراب من طيور النصر الجارحة التي تحمل في مخالبها القوية غنائم الشمال المكسور ورايات المجد المرفوعة.في مقدمة السفينة الملكية القيادية ذات الرأس الذهبي الشامخ للصقر "حورس"، كان الملك "مرنبتاح" يقف بقامة ممشوقة لا تعرف الانحناء، يرتدي "تاج التحامس" — التاج المزدوج للوجهين البحري والقبلي — الذي كان يتلألأ تحت أشعة الشمس الساطعة، بينما كان سيفه الذهبي الطويل، الملطخ بدماء الخونة والأباطرة، معلقاً في وقار على خاصرته العسكرية.وأمام عينيه مباشرة، ومن فوق خشب المقدمة الملكية، كان المشهد الأكثر بلاغة ورعباً يلوح للعالم أجمع كعبرة تاريخية أبدية؛ حيث عُلّق أسرى الملوك الشماليين المارقين — الملك الحيثي الطاغية "أدنوك" وملوك الممالك المتحالفة معه من أمورو وميتاني وأوغاريت — مقيدين بإحكام بسلاسل ذهبية غليظة ثقيلة الوزن. كانت أجسادهم الضخمة مكشوفة للرياح البحرية الباردة، ووجوههم القاسية التي طالما ملأها الكبرياء والصلف باتت مغطاة بملامح الذل، والكسرة، والانهيار التام، وهم ينظرون إلى لجة الماء ب

  • سيد الرماد والضوء   134

    كانت تلك هي الخطوة الأخيرة في مسيرة الغضب والتأديب، لكنها لم تكن كسابقتها؛ بل كانت الأشد وطأة، والأكثر قسوة، والأنكأ جراحاً.بعد أن دك الملك الصارم "مرنبتاح" حصون أسقلان، وحطّم قلاع جازر الثرية، ومحا مدينة يانوعام من دفاتر الوجود؛ زحف الجيش المصري العظيم بأربعين ألف مقاتل نحو المرتفعات والوديان الداخلية حيث تقطن القبائل التي تُدعى "إسرائيل". كانت هذه القبائل قد نقضت كل العهود والمواثيق القديمة، وتحالفت سراً وعلناً مع فلول الحيثيين وملوك الشمال المارقين، فصارت بمثابة الخنجر المسموم الذي يتربص بظهر الدلتا والحدود الشرقية.وصل الأسطول والجيش البري كقضاء مبرم شق الضباب. لم يكن الأعداء هنا متمترسين خلف أسوار مدينة واحدة يمكن دك بواباتها، بل كانوا منتشرين في شعاب الجبال ومرتفعات الأودية، وقد استدعوا كل ما تبقى من مرتزقة الشمال وسحرة الظلام، مستعدين لخوض معركة وجودية ضد "حورس الحي".وقف مرنبتاح على عربته الحربية الشامخة، والدخان المتصاعد من المدن المحترقة يلوح خلفه كراية من رايات الآلهة. نظر إلى شقيقه الأمير "خع إم واست" وإلى الفتى المعجزة "سى اوزير" اللذين غطى الغبار عباءاتهما الكهنوتية، وق

  • سيد الرماد والضوء   133

    بعد سقوط "أسقلان" الشامخة وتحطم قلاع "جازر" الثرية، لم يمنح الملك الصارم "مرنبتاح" جيشه أية برهة للراحة؛ إذ كان يؤمن أن حديد العقاب يجب أن يضرب وهو ساخن، وأن تتابع الضربات هو ما يزرع الرعب السرمدي في قلوب الملوك المارقين. كان الهدف الثالث في خطة التطهير الملكية هي مدينة "يانوعام"؛ تلك الحاضرة القابعة في أحضان الأودية الشمالية، والتي كانت تمثل مركزاً سرياً لإمداد فيالق الحيثيين بالمعلومات وجواسيس الظلام.كانت أنباء الجحيم الذي حل بأسقلان وجازر قد سبقت فيالق الجيش المصري إلى يانوعام، وطار ذعر لا قبل لهم به إلى قلوب سكانها وحاكمها. وعندما تراءت لهم أشرعة الأسطول المصري السوداء تقترب عبر الساحل، ويتقدمها المشهد المرعب لجسد الملك الحيثي "أدنوك" المعلق الذي تضربه الرياح، انهارت عزيمتهم قبل أن تبدأ الحرب، وعرِفوا أن آلهة الظلام قد تخلت عنهم تماماً.وصل الجيش المصري العظيم إلى مشارف يانوعام كقضاء مبرم لا راد له. وقف مرنبتاح في طليعة فيالقه، وحوله أربعون ألف مقاتل يملأون الآفاق بزئيرهم، بينما كانت أسوار يانوعام تبدو واهنة، وجنودها يقفون فوق الأبراج بأيدي مرتجفة وركب تتصادم من فرط الهلع.لم تدم

  • سيد الرماد والضوء   132

    لم تكد غبار معركة أسقلان تخمد، ولم تكد دماء الخونة تجف على رمال الساحل، حتى أصدر الملك الحازم "مرنبتاح" أمره العسكري الصارم بالتحرك الفوري وبدون راحة. كان الهدف التالي في قائمة العقاب الملكي هو مدينة "جازر"؛ تلك المدينة الحصينة الشاهقة التي كانت تتربع كملكة متوجة فوق التلال، وتشتهر بثرواتها الأسطورية، ومخازن ذهبها التي تسلب عقول الملوك، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي الذي يربط طرق التجارة الحيوية.كان حاكم جازر قد بلغه نبأ سقوط أسقلان المروع، ورأى بأم عينيه عبر جواسيسه جسد الملك الحيثي "أدنوك" معلقاً كخرقة بالية على مقدمة السفينة المصرية القيادية. تملك الرعب قلبه، وعرف أن أسواره الحجرية وحدها لن تحميه من غضب "حورس الحي"، فاستنزف كل خزائن ذهبه واستدعى على عجل فيالق ضخمة من المرتزقة الأشداء من غابات وجبال الشمال الباردة، رجالاً لا يعرفون الرحمة ويقاتلون من أجل المال، وحصن مدينته بكل ما أوتيت الممالك من دهاء وعتاد.وصل الجيش المصري العظيم إلى مشارف جازر كأنه إعصار مدمّر. وقف مرنبتاح على عربته الحربية، وخلفه أربعون ألف مقاتل يهتفون باسم مصر، بينما كان حاكم جازر ينظر من فوق أسواره العالية، مح

  • سيد الرماد والضوء   131

    كانت "أسقلان"، المدينة الساحلية الحصينة والملقبة بـ "عروس البحر الشمالي"، هي الهدف الأول على قائمة الغضب الملكي المصري. كانت هذه المدينة تمثل مركز الثقل التجاري والعسكري لملوك التحالف المارقين، وبوابتهم الرئيسة التي تطل منها أطماعهم على حدود الدلتا.بعد أيام قليلة من المعركة الكبرى ومحو الكيان الشرري "بعل" تحت أقدام الإله "ست"، وصل الأسطول الحربي المصري العظيم بقيادة الملك "مرنبتاح" إلى شواطئ أسقلان. كانت السفن تمخر العباب كالتنانين السوداء، يتقدمها المشهد المرعب للملك الحيثي الأسير "أدنوك" المعلق على مقدمة السفينة القيادية، وهو المشهد الذي طار به الذعر إلى قلوب سكان المدينة قبل أن يرسو الأسطول.كانت أسقلان محصنة بأسوار حجرية شاهقة وعريضة، صُممت لتتحمل حصار السنين. وكان أميرها الطاغية قد حصنها بكل ما أوتي من قوة وعتاد، وجمع داخلها بقايا الفارين من فيالق الشمال، متوقعاً ومتحسباً لانتقام مصر الحتمي الذي لا يرحم.وقف الملك مرنبتاح في طليعة جيشه البري أمام البوابات الحديدية الضخمة للمدينة، وحوله ثلاثون ألف مقاتل يملأون الأفق برماحهم ودروعهم، وأرسل رسولاً ملكياً يحمل إنذاراً نهائياً وقاطعا

  • سيد الرماد والضوء   130

    انقشعت غيوم الشمال السوداء أخيراً، وساد صمت مقدس، مهيب، وعميق على طول الساحل الشمالي الذي شهد أعظم مواجهة في تاريخ البشر والآلهة. كان جسد "بعل" قد تبدد تماماً وتحول إلى هباء تذرؤه الرياح الباردة، وكان الإله "ست" قد اختفى في عاصفته الرمادية، تاركاً وراءه في الفضاء رائحة الرعد النفاذة، والبرق المخبوء، والرمال المحترقة التي لا تزال تشع بالدفء.وقف الملك "مرنبتاح" على تل صخري مرتفع، يرسل نظراته الصارمة نحو الأفق الواسع. كان ينظر إلى جيشه المنتصر الذي غمرته الفرحة، فارتفعت صيحات الجنود وهتافاتهم التي تزلزل الأرض باسم مصر العظيمة وباسم رمسيس، لكن الملك لم يكن يفكر في الاحتفال؛ بل كان عقله العسكري يدير موازين المستقبل بحذر شديد.لقد فرّ الملوك الشماليون المتآمرون كالفئران المذعورة، تاركين وراءهم راياتهم الممزقة وجيش الحيثيين يواجه مصيره المأساوي وحده تحت أقدام المصريين. ولم يكن مرنبتاح بالملك الذي يرضى بنصف انتصار، أو يترك أفاعي الشمال تعود إلى جحورها لتنفث سمومها من جديد في المستقبل.التفت الملك نحو شقيقه الأمير "خع إم واست" وحفيده الفتى المعجزة "سى اوزير"، اللذين كانا يقفان إلى جواره والدم

Weitere Kapitel
Entdecke und lies gute Romane kostenlos
Kostenloser Zugriff auf zahlreiche Romane in der GoodNovel-App. Lade deine Lieblingsbücher herunter und lies jederzeit und überall.
Bücher in der App kostenlos lesen
CODE SCANNEN, UM IN DER APP ZU LESEN
DMCA.com Protection Status