LOGINلكن اتضح أنها زوجة زياد.وهذا جعل الأمر أكثر إثارة للاهتمام.في الماضي، حين كان زياد يخدم في الجيش ويعمل متخفيًا على الحدود لمدة نصف عام، تسبب في خسائر فادحة لرجال قاسم.وكما يُقال، لا يضيع الثأر مهما طال الزمن، لطالما كان يبحث عن فرصة ليسوي هذه الحسابات معه.يُقال إن حتى الأبطال يعجزون عن الإفلات من سحر الجميلات، وزياد ليس استثناءً.لكن من تكون جميلته؟ أهي زوجته الشرعية هذه، أم حبيبته السابقة ياسمين؟رأى قاسم أن الأمر أشبه بلعبة ممتعة حقًا.قلب صفحات ملف شهد، فاكتشف أنه إلى جانب كونها زوجة زياد، كانت امرأة لامعة بحد ذاتها؛ فسيرتها المهنية وكفاءتها كانتا من بين الأفضل في مجالها.وأخيرًا، استقرت عيناه على اسمي والدي شهد الراحلين.أمجد الحسيني.سحب قاسم نفسًا من سيجارته، ثم أطلق ببطء سحابة من الدخان.انتشر الدخان الأبيض أمام عينيه، فضيق عينيه قليلًا، ثم ابتسم فجأة.إذًا... شهد هي ابنته....بعد مغادرتها قصر الشافعي، توجهت شهد إلى مبنى محطة التلفاز.وما إن نزلت من السيارة، حتى راودها شعور غامض بأن أحدًا يراقبها.أغلقت باب السيارة، وألقت نظرة عبر مرآة الرؤية الخلفية، لكنها لم ترَ أحدًا خلف
"هذا..."كانت الصورة لزياد في طفولته، ويُقدّر أن عمره كان نحو عشر سنوات.وخلفه إلى الجانب كانت طفلة صغيرة تتشبث بطرف ثوبه ولا تريد أن تتركه، بملامح مشاكسة وذكية، ووجنتين ممتلئتين قليلًا، تبدو كأنها دمية منحوتة غاية في الرقة.تجمدت شهد في مكانها.هذه... هي!لم تتذكر قط متى التُقطت لها صورة مع زياد.في الصورة، كانت تحتضن دمية دب بنية اللون، وهي الدمية نفسها التي اختفت بعد إفلاس عائلتها وانتقالهم من الفيلا في حي درب الأماني.إذًا، لا بد أن الصورة التُقطت قبل إفلاس عائلتها.لكن لماذا لم يكن لديها أي ذكرى عنها؟قالت نورة: "هذه..."ثم أخذت الصورة من يدها ورفعتها أسفل النافذة، ورفعت نظارتها الطبية قليلًا، وظلت تتفحصها لبعض الوقت، وقالت: "إنها صورة قديمة جدًا."نظرت إلى زياد في الصورة بملامحه المتجهمة، ثم إلى شهد الصغيرة ذات الملامح المشاكسة، وفجأة ارتسمت ابتسامة على وجهها.ربتت بإصبعها على جبينها وقالت: "أيتها المشاكسة الصغيرة، كم كان عمرك وقتها؟ دعيني أتذكر... نعم، أظن أنك كنت في الخامسة. كنتِ صغيرة جدًا، ومع ذلك ظللتِ تتشبثين بزياد وترفضين تركه، وقلتِ إنك ستتزوجينه عندما تكبرين، من كان يظن
ظل جالسًا إلى جوار سرير ياسمين في غرفة المستشفى.شعرت شهد بحرارة خفيفة في عينيها، فألقت نظرة صامتة على زياد في الصورة، ثم دخلت إلى حساب ياسمين على واتساب، وحظرتها على الفور.مررت إصبعها على قائمة جهات الاتصال، ثم فتحت محادثتها مع كليب."كليب، هل أنت متفرغ في السابعة مساءً؟ إذا كنت متفرغًا، فلنلتقِ في النادي الرياضي."وحين وصلت إلى مبنى محطة التلفاز، لم يكن كليب قد رد على رسالتها بعد.في الأمس، بعد أن انهالت عليها الاتهامات والإهانات على الإنترنت، منحتها إدارة التلفاز إجازة لعدة أيام بحجة أنها بحاجة إلى الراحة، لكنها في الحقيقة كانت تحاول الحفاظ على سمعة المؤسسة.تفهمت شهد الأمر وتعاونت معهم.لكنها لم تتوقع أنه بعد أن أعلن زياد أمس علنًا أنه زوجها، سيتصل بها أكبر مسؤول في المحطة بنفسه في الصباح الباكر، ويطلب منها العودة إلى العمل.في الوقت الحالي، لم يكن هناك ما يمكن أن يشغل ذهنها عن التفكير سوى العمل.كانت الشبكة الداخلية لقسم الأخبار تحتفظ بالكثير من الملفات القديمة، بما فيها وقائع وأخبار لم تعد متاحة على الإنترنت، لكنها كانت لا تزال محفوظة هناك.وسرعان ما عثرت شهد في قاعدة البيانات ع
كانت شهد قد فقدت وعيها بسبب ألمٍ حاد في بطنها.وحين فتحت عينيها واستعادت وعيها، وجدت نفسها مستلقية على سرير في المستشفى.ما إن رآها سعيد تستفيق، حتى وضع يديه على جانبي وسادتها، وقال بصوتٍ هادئ رقيق، وكأنه يخشى أن يفزعها: "كيف تشعرين الآن؟"كانت نظرات شهد لا تزال شاردة قليلًا، وظلت تحدق في سعيد لثوانٍ عدة قبل أن تنسحب أفكارها العالقة في ممر الأشجار بفناء التوليب تدريجيًا من ذهنها."كيف...؟""يبدو أنه رد فعل ناجم عن صدمة نفسية." كان سعيد قد سمع من طارق بعض التفاصيل باختصار.في المرة السابقة التي اختُطفت فيها شهد، أجاب طارق على اتصالٍ من سعيد كان يجريه إلى شهد، ومنذ ذلك الحين تعارف الاثنان. كما أن طارق كان يعرف أن سعيد صديق شهد، وأنه رجل مستقيم وجدير بالثقة، لذلك كان مطمئنًا إليه.ارتعشت أهداب شهد بضع مرات.صدمة نفسية...هي؟وما الذي يمكن أن يكون قد أصابها حتى يُعد صدمة؟لقد عرفت الحقيقة فحسب، وعرفت أن لا مستقبل يجمعها بزياد، رغم أنها كانت قد قررت بالفعل السفر إلى الخارج، ولم تكن تنوي الاستمرار في التشبث به أو التورط معه من جديد.لكن بمجرد أن فكرت في زياد، عاد الألم الخافت إلى بطنها.سحب
كان والدها هو من قتل والدي زياد، وحطّم بذلك طفولته الجميلة.كانت جدته تحبها وتعاملها كحفيدتها الحقيقية، من دون أن تعرف أن والديها تسببا في مقتل ابنها وزوجته، وأنها أمضت كل هذه السنوات تربي ابنة عدوّيها بيديها.كيف ستواجه جدتها؟وكيف ستواجه كل ذلك الحب والحماية والحنان الذي أغدقته عليها جدتها طوال هذه السنوات؟وبأي وجه يمكنها أن تلوم زياد؟فهي ابنة الرجل الذي قتل والديه.فزع طارق عندما رآها وهي تخفض رأسها وتتمتم شاردة، فهتف بقلق: "آنسة شهد، آنسة شهد…"كان قلبه يحترق قلقًا عليها، لكنه لم يتخيل قط أن يكون هناك أمرٌ كهذا بهذه القسوة.فهذا أمر لا يحق له، كغريب، أن يتدخل فيه، بل حتى ياسين نفسه لا يستطيع التدخل فيه كثيرًا.تساقطت الدموع المتجمعة في عينيها واحدة تلو الأخرى، بينما حدقت شهد شاردة في الرجل المقابل لها.كانت عروق يد زياد المشدودة تكاد تخترق جلده، وهو يحدق في وجه شهد الشاحب الخالي من الدماء وعينيها الشاردتين: "وهل كراهيتي لك ستعيد والديّ إلى الحياة؟"نظرت إليه شهد في ذهول.نعم.لن تفعل.فالموت لا رجعة فيه، ولذلك يمكن للكراهية أن تدوم إلى الأبد.كان من الطبيعي تمامًا أن يكرهها زياد،
لكن لم يعد في هذا العالم أي دليل يمكنه تبرئة عائلة الحسيني.لقد ظل يبحث طوال هذه السنوات، وفي كل مرة كانت الأدلة تشير إلى عائلة الحسيني.وكانت هذه المرة الأخيرة.فالبيانات الموجودة في الصندوق الأسود قادرة على كشف كل شيء.الطائرة الخاصة التي استقلها والدا زياد كان أمجد الحسيني مسؤولًا عنها شخصيًا طوال الوقت.كان أمجد طموحًا إلى حد بعيد، وقد تواطأ مع قوى على الحدود للتسبب في مقتل والديه، ثم ارتدت تلك القوى عليه في النهاية، مما أدى إلى إفلاس عائلة الحسيني. ولعل ذلك كان جزاءه المحتوم.ويُعدّ ذلك أيضًا الشيء الوحيد الذي يمكنه أن يواسي أرواح والديه في السماء.لحق طارق بشهد وهو لا يزال تحت وطأة الخوف.لم يخطر بباله قط أن شهد تستطيع الركض بهذه السرعة. ولو تأخر جمال لحظة أخرى في الاستجابة، لاصطدمت بها السيارة!هل فقدت عقلها؟أتريد الآنسة شهد الموت؟ما الذي حدث حتى جعلها تتصرف بهذه الطريقة، غير عابئة بأي شيء حتى بحياتها؟لم يكن يفصل غطاء محرك السيارة عن شهد سوى مسافة قصيرة جدًا.وفي اللحظة التي ضغط فيها جمال على المكابح، بدا وكأن عاصفة من الهواء قد اخترقت جسدها.تجاوز بصرها الزجاج الأمامي، وتعل
شعرت شهد في تلك اللحظة وكأن شيئًا ما يضغط على صدرها.عندما استيقظت بعد ظهر اليوم، جعلها رداء النوم الذي ترتديه والمرهم المدهون على وجنتها تشعر بالحيرة، وظنت للحظة أن زياد ربما يشعر بقليل من الشفقة تجاهها.أما الآن فهي متأكدة تمامًا، لا يوجد شيء من هذا القبيل.فزياد لا يشعر تجاهها بأي شفقة على الإطلا
تشبثت المرأة الجالسة على الكرسي المتحرك بمسندي الكرسي فجأة بقوة، وتجمدت ملامحها. رفعت نظرها بجمود إلى الرجل الواقف أمامها."زياد، لم أكن أعلم أن مروان ضرب شهد."لم يرفع زياد رأسه حتى، بل ألقى نظرة خاطفة على ساعته.توقفت الموسيقى في الحفل في وقت ما، ولم يبقَ سوى عدد قليل من الأضواء الملونة تومض.وقف
نظرت شهد إلى اتفاقية الطلاق في الدرج، فتجمدت في مكانها.خطرت ببالها عدة أفكار، فتسللت قشعريرة إلى قلبها.قبل ثلاث سنوات، لم تتمكن من الزواج من زياد إلا بفضل محبة جدة عائلة الشافعي لها.كانت تعلم أن زياد لا يحبها، فقد وافق على الزواج منها فقط لتعزيز مكانته في عائلة الشافعي. ومع دعم الجدة له، بات تحقي
كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل عندما خرجت شهد الحسيني من مركز الشرطة.كانت الثلوج تتساقط في الخارج.وكان المارة يرمقون بين الحين والآخر تلك المرأة ذات الكدمات الزرقاء والأرجوانية على وجهها، والشعر الأشعث، وهي تعرج في مشيتها.أما شهد الحسيني فتجاهلت نظراتهم وهمساتهم تمامًا.كانت تجر خطواتها الثقيلة،







