LOGINالفصل الرابع والعشرون — الاتهام
"حين يعجز أعداؤك عن هزيمتك بالسلاح... يصنعون منك مجرمًا أمام الجميع." ساد الصمت في ساحة القصر. كانت كلمات فيليب أثقل من الرصاص. أما إيلي... فوقفت تحدق في الرسالة، وكأنها تنتظر أن تتغير الكلمات من تلقاء نفسها. همست بصوت مرتجف: "خيانة... عظمى؟" ناولها فيليب المرسوم الملكي. كانت الخاتم الرسمي للمحكمة واضحًا. والتوقيع أصليًا. وقرأت بصوت خافت: "باسم التاج... تُتهم الآنسة إيلي مونتغمري بالتخابر مع عائلة بلاكوود، وإخفاء وثائق تمس أمن المملكة، وتُصادر جميع أملاك عائلة مونتغمري حتى انتهاء التحقيق." ارتجفت يدها. وسقطت الورقة على الأرض. قالت وهي تنظر إلى والدها: "هذا مستحيل..." أجاب فيليب بصوت مكسور: "لقد سبقونا." أمسك إيثان بالرسالة. قرأها بسرعة. ثم عقد حاجبيه. "لا..." نظر الجميع إليه. وأشار إلى التوقيع. "هذا التوقيع صحيح..." "...لكن تاريخ إصدار المرسوم قبل ثلاثة أيام." اقترب فيليب بسرعة. "ماذا؟" أشار إيثان إلى أسفل الصفحة. "أي قبل هجوم القصر." ساد الصمت. ثم قال ببطء: "أي أن كل ما حدث..." "...كان مخططًا له." رفعت إيلي رأسها. "يريدون أن يجعلوني هاربة من العدالة." أومأ. "وبذلك تصبح أي شهادة تقدمينها بلا قيمة." تنهد فيليب بمرارة. "إنهم يريدون القضاء على اسم مونتغمري كله." --- وقبل أن ينتهي حديثهم... ارتفع صوت الأبواق من خارج أسوار القصر. التفت الجميع نحو البوابة الرئيسية. كانت عشرات العربات العسكرية تتقدم ببطء. وعلى مقدمتها راية المملكة. اصطف الجنود أمام البوابة. ثم ترجل قائدهم. كان رجلًا في الخمسين من عمره. ملامحه صارمة. وخلفه أكثر من خمسين جنديًا. فتح أحد الجنود المرسوم الملكي بصوت مرتفع. ثم أعلن: "بأمر من المحكمة العليا..." "يُفتح القصر للتفتيش." "وتُسلَّم الآنسة إيلي مونتغمري فورًا." اشتعل غضب الحراس. أخرج بعضهم سيوفهم. لكن فيليب رفع يده. "لا." نظر إليه الجميع. قال بهدوء: "إذا قاتلنا الجيش..." "...فسنثبت التهمة عليهم." اقترب القائد من البوابة. وقال بصوت قوي: "لدينا أمر قانوني." أجابه إيثان من أعلى الدرج الحجري: "ولدينا الحق في الاطلاع عليه." دخل القائد بخطوات ثابتة. ناول المرسوم لإيثان. قرأه مرة أخرى. ثم أعاده إليه. وقال: "أمامكم دقيقة واحدة." "إما أن تسلموا الآنسة إيلي." "...أو سندخل بالقوة." --- داخل القصر... كانت إيلي تقف أمام النافذة. ترى الجنود يملأون الساحة. همست: "لن أكون سببًا في موت أحد." التفتت. وجدت إيثان يقف خلفها. قال بهدوء: "لا تفكري في تسليم نفسك." ابتسمت بحزن. "وما الحل؟" اقترب منها. حتى أصبح على بعد خطوة واحدة. "نهرب." نظرت إليه بدهشة. "نهرب؟" أومأ. "لأنهم لا يريدون محاكمة عادلة." "يريدون رأسك." خفضت عينيها. "وسيتهمونك بمساعدتي." ابتسم. "لقد اتهموني منذ سنوات." ثم رفع يدها بين يديه. "هذه المرة..." "...لن أتركك تواجهينهم وحدك." شعرت بدفء كفيه. وبالطمأنينة التي كانت تبحث عنها منذ عودته. قالت بصوت خافت: "وأبي؟" نظر نحو فيليب. كان الرجل العجوز يقف قرب المدفأة. يستمع إليهما بصمت. اقترب منهما. ثم أخرج مفتاحًا ذهبيًا صغيرًا من جيبه. ووضعه في يد إيلي. "اذهبي." شهقت. "أبي..." ابتسم بحنان. "وجودك هنا يعني نهايتك." "أما إذا خرجتِ..." "...فلا يزال لدينا أمل." انهمرت دموعها. احتضنته بقوة. للمرة الأولى منذ طفولتها. ضمها فيليب إلى صدره. وقال بصوت متهدج: "سامحيني على كل السنوات التي أخفيت فيها الحقيقة." بكت أكثر. "لا تقل هذا." قبل رأسها. "اذهبي..." "...قبل أن يفوت الأوان." --- دوى صوت ارتطام عنيف بالبوابة. بدأ الجنود في كسرها. تطاير الخشب في كل اتجاه. صرخ قائدهم: "اقتحموا القصر!" في اللحظة نفسها... قاد إيثان إيلي عبر ممر جانبي ضيق. كان يقود إلى إسطبلات قديمة خلف القصر. أخرج حصانين كانا مجهزين مسبقًا. نظرت إليه بدهشة. "كنت تعلم أن هذا سيحدث." قال وهو يساعدها على امتطاء الحصان: "كنت أتمنى ألا يحدث." ركبا بسرعة. وبينما كانت أصوات الجنود تقترب... فتح إيثان البوابة الخلفية للإسطبل. وانطلقا بأقصى سرعة نحو الغابة. وفي اللحظة التي عبرا فيها الجسر الحجري الصغير... التفتت إيلي إلى الخلف. ورأت الجنود يقتحمون القصر. ورأت والدها واقفًا وحده في منتصف القاعة الرئيسية... يواجههم بثبات. ثم أُغلق باب القصر خلفه. واختفى عن ناظريها. لكن ما لم يره أحد... أن نافذة الطابق العلوي كانت مفتوحة قليلًا. ومن خلف ستائرها... كانت امرأة تراقب هروب إيثان وإيلي. ابتسمت ابتسامة خفيفة. وأغلقت يدها على الأسطوانة الجلدية الحقيقية. لقد نجت إيزابيلا من انهيار القبو. لكن السؤال الذي بقي معلقًا... هل جاءت لتنقذ أخاها... أم لتستخدمه في خطتها الأخيرة؟الفصل الثلاثون — رسائل لا يكتبها الموتى"أخطر الرسائل... ليست تلك التي تحمل تهديدًا، بل التي تثبت أن صاحبها يعرف عنك أكثر مما تعرفه عن نفسك."ساد الصمت داخل الغرفة الدائرية.بقي الظرف الأبيض بين يدي إيلي.لم تستطع أن تبعد عينيها عن اسمها المكتوب بخط أسود أنيق.كان الخط مألوفًا...باردًا...وواثقًا.كأن صاحبه لم يكن يكتب رسالة...بل يصدر حكمًا.قال إيثان بهدوء:"لا تفتحيه."رفعت نظرها إليه."لماذا؟"اقترب منها.أخذ الظرف بحذر.قلبه بين أصابعه.ثم مرر إبهامه على حافته.ابتسم ابتسامة خفيفة."لأنه يريدك أن تفتحيه فورًا."قطبت حاجبيها."لا أفهم."قال وهو يناول الظرف إلى آدم:"في الحرب...""...كل ما يريده خصمك أولًا...""...هو أول شيء يجب أن تؤجله."نظر آدم إلى الظرف طويلًا.ثم أومأ موافقًا."إيثان محق."تنهدت إيلي.رغم فضولها الذي كان يكاد يمزقها...وافقت."حسنًا."لكنها لم تكن تعلم...أن تأجيل فتح الرسالة لن يمنعها من تغيير كل شيء.---خرج الثلاثة من الممر السري.كانت الأنفاق أكثر هدوءًا الآن.لكن رائحة الدخان ازدادت وضوحًا.توقف إيثان فجأة.رفع يده.إشارة اعتاد بيتر فهمها في المهمات القد
الفصل التاسع والعشرون — الرجل الذي عاش بين الظلال"أحيانًا... أكثر الناس إخلاصًا هم أول من تتهمهم."ظل آدم واقفًا عند مدخل الممر الحجري.لم يتحرك.ولم يحاول الاقتراب.كان يحمل الفانوس القديم بيده اليمنى، بينما بقيت اليسرى داخل معطفه الطويل.انعكس ضوء اللهب على وجهه الهادئ.وجه رجل تجاوز الخمسين بقليل.خطوط الزمن حفرت ملامحه، لكن عينيه...كانتا ثابتتين بصورة غريبة.رفع إيثان مسدسه نحوه دون تردد."لا تتحرك."ابتسم آدم ابتسامة هادئة."لو أردت إيذاءكما..."رفع يديه ببطء."...لكنت أغلقت الباب مرة أخرى."ساد الصمت.لم يُنزل إيثان سلاحه.قال ببرود:"كيف عرفت هذا المكان؟"تنهد آدم.ونظر حوله وكأنه يعود بذاكرته سنوات طويلة."لأنني آخر من أغلق هذا الباب."تجمدت إيلي.رمشت عدة مرات."ماذا تقصد؟"رفع بصره إليها.وكانت نظرته مختلفة تمامًا عن نظرات البستاني البسيط الذي عرفته طوال حياتها.قال بصوت منخفض:"أنا من دفن أسرار والدتك."---تقدمت إيلي خطوة."أنت تكذب."هز رأسه بهدوء."أتمنى لو كنت أفعل."أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا.قطعة فضية قديمة.علقها في الهواء بين أصابعه.شهقت إيلي.عرفتها فورًا.كانت
الفصل الثامن والعشرون — عندما يختار القلب"أخطر الحروب... هي تلك التي تبدأ داخل القلب، قبل أن تبدأ بين البنادق."لم ينم أحد في القصر تلك الليلة.كان المطر يضرب النوافذ الزجاجية بعنف، والرياح تعصف بين أشجار الحديقة حتى بدا المكان كله وكأنه يئن من ثقل الأسرار التي يحملها.أما داخل جناح إيثان...فكان الصمت سيد الموقف.جلس على حافة السرير بعد أن غادر الطبيب، محاولًا تحريك كتفه بحذر.الألم كان شديدًا، لكنه اعتاد تجاهله.الأصعب من الألم...كان التفكير.نظر إلى الصورة التي تركها المجهول.إيلي تمسك بيده.وكأن شخصًا كان يقف يراقبهما من خلف الزجاج طوال الوقت.قبض على الصورة حتى تجعدت أطرافها.همس لنفسه:"إذن... يوجد واحد منهم داخل القصر."طرق الباب.دخل بيتر.أغلق الباب خلفه.ثم ألقى ملفًا فوق الطاولة.قال:"راجعت أسماء جميع العاملين."رفع إيثان رأسه."وجدت شيئًا؟"فتح بيتر الملف."ثلاثة خدم التحقوا بالقصر خلال السنوات الخمس الأخيرة.""لكن واحدًا منهم فقط...""...لا نعرف شيئًا عن ماضيه."نظر إليه إيثان باهتمام."اسمه؟"قلب بيتر الصفحة."آدم."انعقد حاجبا إيثان."البستاني؟"أومأ بيتر."كل أوراقه
الفصل السابع والعشرون — حين يخاف القلب"أقسى اللحظات... ليست حين يقترب الموت منك، بل حين تراه يقترب ممن تحب."لم تتوقف الطلقات إلا بعد دقائق بدت للجميع كأنها عمر كامل.اختبأ بيتر خلف شاهد قبر رخامي، وردّ بإطلاق النار في اتجاه الأشجار الكثيفة التي خرجت منها الطلقة الأولى.أما فيليب، فاندفع مع اثنين من الحراس نحو الجهة اليمنى من المقبرة، محاولًا تطويق المهاجم.لكن المهاجمين كانوا يعرفون المكان جيدًا.اختفوا بين الضباب كما لو أنهم جزء منه.وسط كل ذلك...لم تكن إيلي تسمع شيئًا.لا الطلقات.ولا صرخات الحراس.ولا أوامر بيتر.كل ما كانت تسمعه...هو أنفاس إيثان المتقطعة.كان مستلقيًا على الأرض، ويده ما زالت تحيط بخصرها، كأنه حتى وهو مصاب، يرفض أن يتركها.وضعت يدها على كتفه.فامتلأت أصابعها بالدم.ارتجفت."إيثان..."فتح عينيه بصعوبة.حاول أن يبتسم.لكن الألم كان أقوى.قال بصوت خافت:"هل أصابك شيء؟"نظرت إليه غير مصدقة.كان هو من ينزف...ومع ذلك كان أول سؤال سأله عنها.هزت رأسها بسرعة."أنا بخير..."ثم أضافت وهي تكاد تبكي:"...لكن أنت لست بخير."اقترب الطبيب الذي كان يرافق الحراس.شق القماش حول
الفصل السادس والعشرون — تحت تمثال الملاك"بعض القبور لا تخفي الموتى... بل تخفي الحقيقة."لم يغمض لإيثان جفن طوال الليل.ظل الزر الأسود بين أصابعه، يقلبه مرة بعد أخرى، بينما تتردد في ذهنه كلمات جورج الأخيرة."ابحثوا تحت تمثال الملاك."ومع أول ضوء للفجر...كانت عربة القصر تشق طريقها نحو المقبرة القديمة الواقعة خلف الغابة.داخل العربة، جلس فيليب صامتًا.وبجواره بيتر يقلب دفتر جورج من جديد.أما إيلي...فجلست قبالة إيثان.كانت تنظر من النافذة، لكن انعكاس صورته على الزجاج كان يفضح أنها تراقبه منذ دقائق.لاحظ ذلك.ابتسم ابتسامة صغيرة."ماذا؟"ارتبكت."لا شيء."رفع حاجبه."تعلمت الكذب."ابتسمت لأول مرة منذ أيام."وتعلمت أنت اكتشافه."ساد بينهما صمت هادئ.ليس الصمت المليء بالغضب كما كان في البداية...بل صمت يعرف فيه كل منهما أن وجود الآخر يمنحه شيئًا من الطمأنينة.توقفت العربة.وصلوا.---كانت المقبرة مهجورة منذ سنوات.الأشجار الضخمة أحاطت بها من كل جانب.والضباب غطى شواهد القبور حتى بدت كأنها أشباح واقفة في انتظارهم.سار جورج أمامهم في دفتره بخطوات مرسومة على الورق.أشار بيتر إلى الصفحة."تمث
الفصل الخامس والعشرون — الطريق الذي لا عودة منه"هناك لحظة يدرك فيها الإنسان أن حياته القديمة انتهت... حتى لو ظل قلبه يلتفت إليها كل يوم."شق الحصانان طريقهما وسط الغابة الكثيفة.كانت الأغصان تضرب وجهيهما، والضباب يتصاعد من بين الأشجار مع أولى ساعات الفجر.لم يتوقف إيثان عن النظر خلفه.كان يعلم أن جنود المملكة لن يتأخروا في ملاحقتهما.أما إيلي...فكانت تنظر إلى القصر الذي بدأ يختفي شيئًا فشيئًا بين الأشجار.شعرت أن جزءًا من روحها بقي هناك.مع والدها.ومع طفولتها.ومع كل الذكريات التي لم تعد تعرف إن كانت ستراها مرة أخرى.همست بصوت مكسور:"تركته وحده."نظر إليها إيثان.لم يجب مباشرة.ترك الصمت يهدأ قليلًا.ثم قال:"هو من اختار ذلك."أغمضت عينيها."لكنني ابنته."اقترب بحصانه منها.حتى أصبحت ركبتاهما تكادان تتلامسان.وقال بهدوء:"وأنت أيضًا أمله الأخير."نظرت إليه.كانت عيناه متعبتين.لكنهما ثابتتان."لو بقيتِ...""لانتهت عائلة مونتغمري اليوم."سكت لحظة.ثم أكمل:"أما الآن...""فلديها فرصة."خفضت رأسها.كانت تعلم أنه محق.لكن الحقيقة لم تجعل الألم أقل.---بعد ساعتين من السير...وصلا إلى







