LOGINنظرت إليه بدهشة، وكأنها بدأت تكتشف إلى أي مدى كان يخطط لهذا منذ البداية.— وهل هذه هي خطتك منذ البداية؟فتح عينيه ونظر إليها مباشرة، ولم يحاول إخفاء ابتسامته هذه المرة.— ربما كانت كذلك.ضيقت عينيها أكثر، ثم قالت بنبرة تجمع بين الاعتراض والاستسلام:— أنت ماكر.ابتسم نوح.— وأنتِ بقيتِ.سكتت تالين.لم تجد ردًا مناسبًا، خصوصًا أن كلماته كانت صحيحة بالفعل.فهي كانت تستطيع أن تنهض وتعود إلى الكرسي، لكنها لم تفعل.أما نوح، فاقترب قليلًا، ثم أراح رأسه على الوسادة، وظلت ذراعه محيطة بخصرها دون أن يضغط عليها.وبعد لحظة، تغيرت نبرته، واختفى منها ذلك العبث الذي كان يرافقه منذ بداية الحديث.قال بصوت أخفض:— لا تقلقي... لن أفعل شيئًا، فأنا ما زلت مريضًا كنا تري.قال جملته الأخيرة ببعض المرح، ثم أضاف بعد لحظة:— فقط ابقي هنا.نظرت إليه تالين طويلًا.هذه المرة، لم ترَ في عينيه المكر الذي بدأ به حديثه، ولا محاولة لاستغلال مرضه كي يبقيها بجواره.كان هناك شيء أكثر صدقًا.احتياج هادئ، وخوف لا يريد الاعتراف به، ورغبة بسيطة في ألا يفتح عينيه فيجد المكان خاليًا منها.فاستسلمت أخيرًا، وأراحت رأسها على الوسا
اتسعت عيناها قليلًا، وكأنها لم تتوقع أن يطلب منها البقاء بهذه الطريقة.— نوح...ابتسم نوح ابتسامة هادئة، وكأنه لم يقل شيئًا غريبًا على الإطلاق، ثم نظر إليها بنظرة بريئة تخفي خلفها شيئًا من المكر.— ربما أحتاج إلى مساعدتكِ... فأنا ما زلت مريضًا، كما ترين.نظرت إليه تالين بشك، وقد بدأت تدرك أن وراء هدوئه هذا حيلة ما.— يمكنك أن تنادي الممرضة إن احتجت إلى شيء.هز نوح رأسه قليلًا، وكأنه رفض الفكرة تمامًا.— لكنني لا أريد الممرضة.ابتسم بمزيد من البراءة المصطنعة، مستغلًا معرفته جيدًا بأنها لن تستطيع تجاهل طلبه وهو لا يزال في فترة التعافي.— سأكون أكثر اطمئنانًا إذا بقيتِ هنا.سحبت تالين يدها برفق من يده، محاولة أن تخفي ارتباكها، ثم قالت وهي تبحث عن حل يبعدها عن هذا الموقف:— سأبقى، لكنني سأجلس على الكرسي.وأشار نوح إلى الكرسي القريب من السرير، ثم نظر إليها وكأنه يحاول تصورها جالسة هناك طوال الليل.— طوال الليل؟— نعم.رفعت كتفيها ببساطة، وكأن الأمر لا يعني لها شيئًا.— ستتعبين.— لا بأس.هز رأسه وكأنه يدرس الأمر بجدية، ثم نظر إليها بنظرة طويلة قبل أن يقول:— ولماذا تتعبين نفسكِ؟ثم تحرك قل
كانت تالين تقف إلى جوار سرير نوح في جناحه داخل الفيلا، تساعده على الاستقرار بعد عودته من المستشفى. كانت تتحرك بحذر شديد، تراقب ملامحه بين لحظة وأخرى، وكأنها تخشى أن تتسبب أي حركة بسيطة في زيادة إرهاقه.أسندت الوسادة خلف ظهره، ثم سحبت الغطاء فوقه برفق، وتأكدت من استقراره قبل أن تسأله:— هل أنت مرتاح الآن؟نظر إليها نوح، وكانت ملامحه لا تزال تحمل آثار التعب، لكنه بدا أكثر راحة مما كان عليه في الساعات الماضية.— أكثر مما كنت قبل قليل.ابتسمت تالين ابتسامة صغيرة، ثم انحنت لتعدل طرف الغطاء بعناية.— إذًا حاول أن تنام.وحين همّت بالابتعاد، التقت عيناها بعينيه.توقفت دون أن تشعر.كان ينظر إليها بهدوء، دون أن يقول شيئًا، لكن نظراته جعلتها تشعر بأن هناك شيئًا آخر يريد قوله.ولثوانٍ قليلة، لم يتحرك أيٌّ منهما.كانت عيناه تتأملان وجهها، بينما شعرت تالين بالارتباك يتسلل إليها تدريجيًا، فخفضت عينيها أولًا.ثم قالت محاولة كسر الصمت:— ماذا؟ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة.— لا شيء.رفعت عينيها إليه مرة أخرى، ثم قالت بنبرة حاولت أن تبدو طبيعية:— إذًا لا تنظر إليّ هكذا.اتسعت ابتسامته قليلًا.— وكيف
ساد الصمت.بدا أن الكلمات وحدها كانت كافية لإعادة شيء دفنته رُبى منذ سنوات إلى سطح ذاكرتها.ارتبكت أنفاسها، وتحركت عيناها بعيدًا عنه للحظة، قبل أن تعودا إليه.تابع تامر:— لا تظني أنني نسيت ما حدث.نظرت إليه بعينين مرتاعتين ومع ذلك كان يمتزج بهما الغضب وعلقت:— كنتَ وعدتني أن الأمر انتهى.بقيت نبرتها تحمل أثر الخوف، وكأنها كانت تعرف منذ البداية أن ذلك الماضي لم يُغلق كما ظنت، رد عليها تامر بنفس النبرة الباردة:— لم أقل إنه انتهى.ارتجفت عيناها.لم يكن جوابه بحاجة إلى تفسير.فهو لم ينسَ.ولم يتخلص من الدليل.بل احتفظ به طوال تلك السنوات، انتظارًا للحظة التي يحتاج فيها إليه، فسألته باستنباط يحمل البغض:— إذًا كنت تحتفظ بهذا طوال تلك السنوات؟أجابها ببرود:— كنت أحتفظ به لأنني كنت أعرف أنني قد أحتاج إليه يومًا.ازدادت حدة نظرتها إليه، وعلقت:— وهذا اليوم هو الآن؟أومأ تامر، مؤكدًا ببرود:— الآن.ابتعدت عنه خطوة، وكأن المسافة بينهما أصبحت ضرورية حتى تستطيع التفكير بوضوح.قالت بغضب خافت:— إذًا أنت تبتزني مقابل بقاءك هنا.نظر إليها دون أن ينكر اتهامها.لم يحاول حتى أن يزين ما يفعله بكلمات
اقترب منها خطوة، وقال بصوت منخفض:— نعم.ظلت تحدق فيه بصدمة، وكأنها لم تكن تتوقع أن تجده أمامها بهذه الصورة، ولا أن يعود إلى حياتها بهذه الطريقة المفاجئة.— ماذا تفعل هنا؟نظر تامر نحو الباب المغلق، ثم عاد إليها. كانت عيناه تحملان توترًا واضحًا، لكنه حاول أن يخفيه خلف هدوئه المعتاد.— لم يكن أمامي مكان آخر آمن.ابتلعت ريقها، وأخذت خطوة صغيرة إلى الخلف، بينما بدأت الصورة تتضح أمامها شيئًا فشيئًا.— هل أنت هارب؟ساد الصمت لثوانٍ.لم ينكر تامر.اكتفى بالنظر إليها نظرة جعلتها تفهم الإجابة دون أن ينطق بها.اتسعت عيناها أكثر، وارتفع خوفها مع إدراكها لخطورة وجوده داخل منزلها.قالت بخوف:— يا إلهي... ماذا فعلت؟تغيرت ملامح تامر، وظهر الضيق في عينيه، لكنه حافظ على انخفاض صوته.— لا أريد أسئلة الآن.نظرت إليه بعدم تصديق، وكأن هدوءه زاد الأمر سوءًا بدلًا من أن يطمئنها.— لكنك دخلت منزلي بالقوة!رفع تامر عينيه إليها، وظل صامتًا للحظة قبل أن يجيب:— وأخبرتك أنني لن أؤذيك.هزت رأسها بتوتر، ولم تبدُ مقتنعة بكلماته.— وكيف يفترض أن أصدقك؟نظر إليها طويلًا، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا:— لأنني لو كنت أري
كان تامر يسير في أحد الأحياء الشعبية البعيدة عن قلب المدينة، بعدما اضطر إلى التخلي عن سيارته ومغادرة الطرق الرئيسية. كان قد اختار هذا المكان تحديدًا لأنه يعرف أن أحدًا لن يبحث عنه هنا بسهولة، وأن ازدحام المنطقة وتشابك أزقتها سيمنحانه فرصة للاختفاء بين مئات الوجوه التي لا تعرفه.كانت المنطقة مختلفة تمامًا عن الواجهات الحديثة التي اعتاد رؤيتها في المدينة.مبانٍ قديمة متلاصقة، بعضها بواجهات رمادية متآكلة، وقد ظهرت على جدرانها آثار الرطوبة وتقشر الطلاء. شرفات صغيرة تتدلى منها الملابس، وأسلاك كهرباء متشابكة تمتد فوق الأزقة الضيقة كشبكة عشوائية، بينما راحت أصوات الباعة وأبواق السيارات القديمة تختلط بأصوات السكان.كانت المحال الصغيرة تفتح أبوابها مباشرة على الشارع، وباعة متجولون يدفعون عربات خشبية بين المارة، ورائحة الطعام الشعبي تختلط برطوبة الجدران ودخان السيارات القديمة.كان المكان مزدحمًا وفوضويًا بما يكفي ليختفي فيه أي شخص بسهولة.وهذا بالضبط ما كان يريده تامر.خفض رأسه، وأخفى جزءًا كبيرًا من وجهه تحت القبعة، ثم أسرع في السير دون أن يلتفت كثيرًا. كان يحاول أن يبدو طبيعيًا، لكن خطواته ال







