LOGINكانت تالين قد وصلت إلى شركة أوريون في صباح اليوم التالي، وحاولت أن تنغمس في العمل كالمعتاد، رغم أن عقلها لم يكن حاضرًا بالكامل.جلست أمام مكتبها تراجع بعض الملفات، بينما كان أدهم يقف إلى جوار طاولة الاجتماعات الصغيرة، يتحدث مع أحد المهندسين عن سير العمل في أحد المشاريع.كان مهندس آخر يقف معهما، يحمل مجموعة من الأوراق ويتابع الحديث باهتمام.قال المهندس وهو يقلب إحدى الصفحات:— هناك بعض الأعمال التي تحتاج إلى متابعة ميدانية خارج البلاد، وأعتقد أننا سنحتاج إلى مهندس يسافر إلى تركيا خلال الفترة القادمة.رفع أدهم عينيه عن الأوراق التي أمامه.— ما طبيعة العمل هناك؟أجابه المهندس:— هناك بعض التفاصيل التنفيذية التي تحتاج إلى متابعة مباشرة، بالإضافة إلى مراجعة الأعمال مع الفريق الموجود في الموقع والتأكد من سير كل شيء وفق الخطة.أومأ أدهم ببطء.— وكم ستستغرق المهمة؟أجاب المهندس بعد أن راجع الأوراق أمامه:— من المتوقع أن تستغرق خمسة أشهر تقريبًا، وقد تمتد المدة قليلًا حسب سير العمل.فكر أدهم للحظات، ثم قال:— حسنًا، يمكننا إرسال أحد المهندسين، لكن يجب أن يكون شخصًا كفؤًا ويعرف تفاصيل المشروع ج
كانت تالين تجلس وحدها في حديقة القصر، في مكان هادئ بعيد عن ضجيج الداخل.امتدت أمامها المساحات الخضراء الواسعة، وكانت الأشجار تتحرك بهدوء مع نسمات الهواء، بينما بقيت هي ساكنة في مقعدها، وعيناها شاردتان في نقطة بعيدة.منذ أن عرفت بحملها، لم يتوقف عقلها عن الدوران.كانت تفكر في الطفل الذي ينمو داخلها، وفي نوح، وفي كل ما حدث بينهما خلال السنوات الماضية.كانت تريد أن تتخذ قرارًا واضحًا.إما أن تمنح علاقتهما فرصة حقيقية، أو تبتعد قبل أن يصبح الأمر أكثر صعوبة.لكن كلما حاولت أن تحسم الأمر، وجدت نفسها تعود إلى النقطة نفسها.وضعت يدها على بطنها للحظة، ثم أنزلتها ببطء، وأغمضت عينيها.بدأ الصداع يزداد في رأسها، فرفعت يدها إلى جبينها، وضغطت عليه بأصابعها قليلًا، محاولة أن تخفف الألم.وبينما كانت غارقة في أفكارها، جاءت الجدة سلوى من خلفها، وتوقفت بالقرب منها للحظات قبل أن تقول:— ما بكِ؟ فيمَ تفكرين؟رفعت تالين رأسها بسرعة، ثم حاولت أن تخفي شرودها بابتسامة صغيرة.— لا شيء.نظرت إليها سلوى نظرة طويلة، وكأنها لم تصدق الإجابة، ثم جلست إلى جوارها.— تفكرين في نوح.سكتت تالين، فاكتفت بالنظر إليها.تابع
أجابته دون تردد:— لأنني أعرف تيم.مال تامر قليلًا إلى الأمام، وأراح ذراعيه على ركبتيه، ثم قال بهدوء:— وأنا أعرفه أيضًا.نظرت إليه رُبى طويلًا، وكأنها تحاول أن تفهم ما الذي يقصده بهذا الهدوء، ثم قالت:— إذن يجب أن تعرف أنه لم يكن يريد إيذاءك.ظل تامر ساكنًا للحظة، قبل أن يجيب:— ربما.اتسعت عينا رُبى قليلًا، وبدت الدهشة واضحة في ملامحها.— لا تقل «ربما» وكأنك تتحدث عن شخص غريب.أخذ تامر نفسًا هادئًا، وأبقى عينيه عليها، ثم قال مجدداً:— تيم جاء إليّ، وكان يريد مني أن أُسلّم نفسي للشرطة.تابع تامر، وهو يعيد ترتيب الوقائع أمامها ببرود:— ثم خرج من البيت.رفع تامر عينيه إليها، وثبت نظره على وجهها.— وبعدها وصلت الشرطة.صمت للحظة، ثم سألها بنبرة خالية من الانفعال:— كيف تريدينني أن أتجاهل ذلك؟أجابته رُبى دون تردد، وهي تحافظ على هدوئها:— بأن تعترف أنه قد يكون مجرد صدفة.ظل تامر ينظر إليها للحظات، وكأن الفكرة لم تكن مستحيلة بالنسبة إليه، لكنه لم يكن مستعدًا لقبولها تمامًا.شعرت رُبى من صمته أنه ما زال متمسكًا بشكه، فتابعت وهي تنظر إليه بثبات:— خصوصًا أنك لا تملك أي دليل على أنهم جاؤوا من
تجمدت يدها فوق الطبق للحظة، ورفعت عينيها إليه باستغراب واضح.— تيم؟أومأ تامر بهدوء، وظلت عيناه ثابتتين عليها.— نعم.خفضت رُبى عينيها، ثم وضعت الملعقة ببطء على حافة الطبق، قبل أن تعود للنظر إليه.— لماذا تظن أنه أخبر الشرطة؟ظل تامر ينظر إليها بثبات، ثم أجاب دون تردد:— لأن تيم جاء إلى البيت.رفعت رُبى عينيها إليه أكثر، وكأنها لم تفهم كيف يمكن أن يكون هذا سببًا كافيًا للشك.— جاء إلى البيت ليتحدث معك.أومأ تامر مرة أخرى، ولم تتغير ملامحه.— وكان يريد مني أن أُسلّم نفسي للشرطة.تنفست رُبى ببطء، وحاولت أن تشرح له ما تراه هي من الأمر.— لأنه كان يحاول إقناعك بأن تحل الأمر بدلًا من الاستمرار في الهرب.ظل تامر صامتًا لحظة، ثم قال بهدوء:— أعرف.ثم أضاف وهو يثبت نظره عليها:— لكنه غادر، وبعدها جاءت الشرطة إلى المكان.عقدت رُبى حاجبيها، وبدأ الشك في كلامه يزعجها.— وهذا يجعلك تشك فيه؟أجابها تامر بنبرة عملية، وكأنه يوضح أمرًا بديهيًا بالنسبة إليه:— يجعلني أريد أن أعرف إن كان هو من أخبرهم.هزت رُبى رأسها باعتراض، ومدت يدها نحو الملعقة من جديد دون أن تستخدمها.— لا يعني هذا أنه فعل.لم يبعد
استيقظت رُبى ببطء، واحتاجت إلى لحظات حتى تستوعب المكان من حولها.رفعت رأسها عن الوسادة، ونظرت إلى الغرفة التي نامت فيها ليلة كاملة. كان الهدوء يحيط بالمكان، ولا يُسمع سوى صوت البحر الخافت المتسلل من الخارج.لكن شيئًا آخر لفت انتباهها.كانت هناك طاولة صغيرة إلى جوارها، وقد وُضع عليها طعام جاهز، إلى جانب زجاجة ماء وبعض الأشياء التي لم تكن موجودة عندما وصلت إلى هذا المكان.اعتدلت في جلستها، ثم وقفت ببطء.تقدمت نحو أحد الجدران، فتوقفت أمام رفوف خشبية مثبتة عليه، وقد وُضعت فوقها مجموعة من الملابس المرتبة بعناية.حدقت فيها باستغراب.ثم نظرت حولها.كان البيت قد تغير تمامًا عن الليلة الماضية.طعام، ملابس، مستلزمات شخصية، وبعض الأشياء الأخرى التي جعلت المكان يبدو وكأنه مُعد للإقامة فيه لفترة طويلة.خرجت رُبى من الغرفة، فوجدت تامر في الخارج، جالسًا بهدوء، منشغلًا بشيء بين يديه وكأن الأمر كله طبيعي.توقفت أمامه، وظلت تنظر إليه للحظات.— متى أحضرت كل هذه الأشياء؟رفع تامر عينيه إليها للحظة، ثم عاد إلى ما كان يفعله.— تصرفت.عقدت رُبى حاجبيها، ولم تقتنع بإجابته المختصرة.— ألستَ أنت من قلت إنه لا
كانت ريم تجلس على الأريكة، تحمل طفلها بين ذراعيها، بينما كانت تساعده على إتمام رضعته بهدوء. جلس سيف إلى جوارها، يراقب الطفل باهتمام، ويساعدها كلما احتاجت إلى شيء.وفي أثناء ذلك، رن هاتف ريم.نظرت إلى الشاشة، وما إن رأت اسم تالين حتى ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهها، ثم أجابت الاتصال:— تالين!جاءها صوت تالين من الطرف الآخر هادئًا:— مرحبًا يا ريم.عدّلت ريم وضع الطفل بين ذراعيها، بينما مدّ سيف يده ليساعدها في تثبيت الرضاعة.— كيف حالكِ الآن؟ هل أصبحتِ أفضل؟تنفست تالين ببطء قبل أن تجيب:— نعم… أفضل قليلًا.ابتسمت ريم براحة، ثم قالت:— الحمد لله.ساد صمت قصير من الطرف الآخر، فرفعت ريم عينيها عن طفلها، وقد شعرت أن هناك شيئًا تريد تالين قوله.— هل هناك شيء تريدين أن تخبريني به؟ترددت تالين للحظة، ثم قالت بصوت خافت:— نعم.انتبهت ريم إليها أكثر، واعتدلت في جلستها.— ماذا؟أخذت تالين نفسًا عميقًا، ثم قالت:— أنا حامل.اتسعت عينا ريم فورًا، وارتسمت على وجهها فرحة واضحة.— تالين… حقًا؟خرجت منها الكلمات ممزوجة بدهشة وسعادة، ثم وضعت يدها على فمها للحظة قبل أن تتابع بحماس:— يا إلهي! هذا خبر رائ







