FAZER LOGINخرجت نور من بيت الممرضة العجوز وهي تشعر بدوار حقيقي يجتاح جسدها بالكامل، وساقاها بالكاد تحملانها وهي تسير نحو سيارة كريم المتوقفة في نهاية الحارة الضيقة. الآن أصبح واضحًا تمامًا أن عادل نصّار لم يكن مجرد طرف يحاول إخفاء قضية اختفاء قديمة، بل كان متورطًا بشكل مباشر منذ لحظة ولادتها بالذات، وأن الفتاة التي وصفتها الممرضة بالخوف والارتعاب لم تكن سوى أمها البيولوجية الحقيقية التي لم تعرفها يومًا.
جلسا في سيارة كريم بعد الزيارة، صامتين لدقائق طويلة يسودهما ثقل ما سمعاه للتو. كانت أصوات الباعة تصل من بعيد باهتة كأنها آتية من عالم آخر، وكانت نور تحدق في كفيها وتتذكر يد جدتها الخشنة حين كانت تمسح على شعرها في طفولتها، وتتساءل كم مرة كادت تلك اليد أن ترتجف بالحقيقة ثم تراجعت. ثم سألت نور بصوت مرتجف يكاد لا يخرج من حلقها: "هل تعتقد أن تلك الفتاة، أمي الحقيقية، ما زالت على قيد الحياة حتى اليوم في مكان ما؟"
فكر كريم بعمق شديد وهو يحدّق في المقود أمامه، ثم اقترح أن يعودا إلى العقيد يحيى سرور مرة أخرى، فربما يملك معلومات إضافية لم يذكرها في لقائهما الأول، خاصة بعد أن أصبح لديهما الآن اسم الرجل المتورط بوضوح لا لبس فيه. اتصل كريم بالعقيد المتقاعد على الفور، فوافق على اللقاء مرة أخرى في المقهى نفسه دون تردد.
حين أخبراه بما اكتشفاه من الممرضة العجوز، تنهد يحيى سرور تنهيدة طويلة مثقلة بحزن عميق تراكم عبر سنوات. "كنت أشك في هذا الجزء من القصة منذ البداية، لكنني لم أملك دليلاً قاطعًا وقتها يدعم شكوكي. في الحقيقة، حين كنت أحقق في القضية قبل إغلاقها قسرًا وبشكل مفاجئ، وصلتني معلومة غير مؤكدة عن فتاة من عائلة فقيرة جدًا في الصعيد، كانت تعمل خادمة في منزل عائلة نصّار الكبير، واختفت فجأة تمامًا من القرية في نفس الفترة تقريبًا التي وُلدت فيها الطفلة."
شعرت نور بالأرض تدور من حولها بشدة. "هل تقصد أن عادل نصّار استغل فتاة فقيرة تعمل لديه في منزله، ثم تخلص من الأمر بالكامل حين وُلدت الطفلة نتيجة لذلك؟"
هز يحيى رأسه بحزن عميق واضح على ملامحه المتعبة. "هذا ما أخشى أنه الاحتمال الأقرب للحقيقة المؤلمة يا ابنتي. رجال بمكانته ونفوذه الواسع في ذلك الزمن كانوا يعتقدون أنهم فوق القانون تمامًا بلا استثناء، وأن بإمكانهم التستر على أي فضيحة مهما كانت خطيرة بالمال الوفير والسلطة الواسعة التي يملكونها."
وأضاف العقيد وهو يعبث بملعقة صغيرة أمامه: "حاولت يومها أن أصل إلى أهل تلك الفتاة في الصعيد، لكن الطريق سُدّ في وجهي بأوامر جاءت من فوق، ثم نُقلت إلى مكتب آخر بعيد عن القضية بأسبوع واحد. كانت رسالتهم واضحة، وأنا فهمتها جيدًا وسكتُّ، وهذا ما لن أغفره لنفسي."
سألت نور بصوت متهدج تمامًا: "وماذا حدث لتلك الفتاة المسكينة بعد ذلك؟ هل تعرف مصيرها؟"
صمت العقيد طويلاً جدًا، يحدّق في فنجانه الفارغ أمامه، ثم قال بصوت أكثر انخفاضًا وحزنًا: "سمعت شائعة غير مؤكدة تمامًا، قبل إغلاق القضية بوقت قصير جدًا، عن وفاة فتاة شابة في ظروف غامضة في إحدى ضواحي القاهرة البعيدة، وأن الجهات الرسمية سجلت الوفاة كحادث عرضي بسيط دون أي تحقيق جاد يُذكر. لم أستطع وقتها ربط الحادثتين ببعضهما بشكل قاطع ومؤكد، لكن الشك ظل يراودني طوال كل هذه السنوات الطويلة التي مضت."
نظرت نور إلى كريم بعينين دامعتين تمامًا، لا تستطيع كبح دموعها بعد الآن. "إذن أمي الحقيقية ربما قُتلت عمدًا لإخفاء هذه الفضيحة بالكامل عن الأعين، وأنا، الطفلة الناتجة عن كل هذا الألم والظلم، أُعطيت لجدتي زينب لتربيني بعيدًا تمامًا عن كل هذا الجحيم الذي لم أكن أعرف عنه شيئًا."
وضع كريم يده على كتفها بلطف بالغ، محاولًا أن يمنحها بعض السند في هذه اللحظة الصعبة. "هذا يفسر أيضًا لماذا كانت جدتك خائفة إلى هذا الحد الشديد طوال حياتها كلها، ولماذا أصرت بكل قوتها على حمايتك بأي ثمن ممكن مهما كان باهظًا. لقد كانت تعرف تمامًا حجم الوحش الحقيقي الذي قد يلاحقك إن عرف يومًا بوجودك في هذه الحياة."
مسحت نور دموعها بظهر يدها، وشعرت بشيء صلب يتشكل في صدرها مكان الانكسار. لم تعد تبكي أمًّا لم تعرفها فحسب، بل صارت تحمل اسمها ووجعها معها أينما ذهبت، وقد أقسمت في سرها ألا يذهب موتها هباءً.
طلب كريم من العقيد أن يبحث في أوراقه القديمة عن أي ملاحظة كتبها في تلك الأيام، فوعد الرجل بأن يفتش صناديقه المغلقة منذ ثلاثين عامًا، ثم ودّعهما عند باب المقهى وهو يمسك كتف نور بيد مرتعشة، كأنه يعتذر عن سنوات الصمت الطويلة كلها دفعة واحدة. وحين ابتعد ظلت نور تتابع ظهره المنحني حتى اختفى تمامًا.
قررت نور في تلك اللحظة بالذات أنها لن تكتفي بمعرفة الحقيقة الكاملة فحسب، بل ستسعى جاهدة لإثباتها قانونيًا بكل الطرق المتاحة مهما كلفها الأمر من جهد وخطر، فهي محامية تعرف تمامًا كيف تبني قضية متماسكة قانونيًا لا تنهار أمام أي محكمة، وأصبح لديها الآن الدافع الشخصي الأقوى في حياتها كلها لفعل ذلك بلا تردد. سألت كريم إن كان بإمكانهما الوصول إلى سجلات الوفاة القديمة للتحقق رسميًا من هوية تلك الفتاة المسكينة، فوعدها بالبحث فورًا دون تأخير، مدركًا تمامًا أن كل خطوة جديدة يخطوانها تقربهما أكثر فأكثر من مواجهة نهائية حتمية لا مفر منها مع رجل يملك كل أسباب القوة والنفوذ لإيقافهما بأي وسيلة ممكنة.
بقيت هدى عبد الرحيم في المستشفى أسبوعين كاملين تحت رعاية أطباء لا يعرفون عن قصتها إلا القليل، وكانت نور تجلس إلى جوار سريرها كل مساء بعد أن تنهي يومها في النيابة العامة، تمسك يدها النحيلة وتنتظر. في الأيام الأولى لم تنطق المرأة إلا بكلمات متقطعة، ثم بدأت الذاكرة تعود إليها كما يعود الماء إلى نهر جف طويلاً.لم يكن الأمر سهلاً على أي منهما. كانت نور تحمل أسئلة ثلاثين عامًا في صدرها ولا تجد كيف تبدأ، وكانت هدى تخشى أن تكون قد فقدت لغة الأمومة في سنوات الصمت الطويلة. لكنهما تعلمتا شيئًا فشيئًا أن الحب لا يحتاج إلى كلمات كثيرة، وأن اليد الممسوكة في الظلام قد تقول كل شيء.في مساء هادئ من الأسبوع الثاني فتحت هدى عينيها وقالت بصوت واضح لأول مرة: "أنا التي سميتك سارة، ليلة ولدتك، لأنك سكتّ فور أن وضعوك على صدري. ظننت أنك تعرفين أنني أمك." ابتسمت نور والدموع تنزل على وجنتيها. "وأنا نور، لأن جدتي زينب أرادت لي حياة مضيئة. وسأبقى الاثنتين معًا يا أمي."لم تخفِ هدى شيئًا مما مرّ بها. حكت ببطء عن الفتاة الريفية ذات الستة عشر عامًا التي جاءت إلى بيت كبير تحلم بأجرة تعين أسرتها، وعن الرجل الذي وعدها
قبل الفجر بساعة كان العقيد يحيى سرور جالسًا في مطبخ الشقة، وبين يديه نسخة كاملة من الدفتر صوّرها أشرف في مختبره على أجهزة لا تتصل بأي شبكة. قال بصوت هادئ حاسم: "لن نسلّم هذا لهشام الجارحي ولا لأي أحد يعمل تحت إمرته. صديقي اللواء توفيق سيوصله بنفسه إلى مكتب النائب العام قبل الظهر، وسنطلب إذنًا سريًا بمداهمة الدار.""ولن يصدر الإذن قبل مساء الغد على أقل تقدير،" قالت نور. "وأمي قد لا تعيش لتراه.""إذن سنمنحهم ما يريدون،" قال كريم، وقد فهم ما يدور في رأسها. "نصنع لهم دفترًا مزيفًا."عمل الثلاثة طوال النهار على نسخة مضللة من الدفتر بغلاف قديم وصفحات ناقصة ومعدلة، ثم رفعت نور صوتها في الشقة الصامتة، ملتفتة إلى الجدار الذي يخفي جهاز التنصت: "وجدت ما تركته جدتي. سأسلمه بنفسي إلى الدكتور ماهر، لكن في الدار وأمام عيني أمي. الليلة عند العاشرة، وحدي."في التاسعة والنصف كانت سيارة نور تتقدم في طريق الفيوم المظلم، وخلفها بمسافة كبيرة سيارة كريم وأشرف. كان العقيد قد سبقهم مع رجال اللواء توفيق ينتظرون إذن المداهمة الذي وصل أخيرًا قبل ساعة، بأسرع مما توقعوا، وقد اتفقوا على أن يعطي العقيد إشارة التنفيذ
وصل أشرف، صديق كريم الخبير في الأدلة الجنائية، إلى شقة الجدة قبيل منتصف الليل، وهو يحمل حقيبة سوداء صغيرة تشبه حقائب الأطباء. لم يتحدث كثيرًا، فقط وضع جهازًا رفيعًا يشبه القلم على شفتيه إشارة إلى الصمت، ثم أخذ يمرّره ببطء على الجدران والأسلاك والمقابس. كانت نور تتابعه من الباب بقلب يخفق، وكريم إلى جوارها يعض على شفته.بعد عشر دقائق أضاء الجهاز ضوءًا أحمر خافتًا عند مقبس الهاتف القديم في الصالة. فتح أشرف الغطاء برفق بمفك دقيق، وأشار إلى جسم أسود لا يتجاوز حجمه حجم عقلة الإصبع، ملصق خلف السلك. كتب على ورقة: "جهاز تنصت. يعمل الآن. ركّب منذ أسابيع."أدركت نور فجأة أن كل ما دار في هذه الصالة منذ ركّب، من مكالماتها وهمسات خططها، كان يصل إلى أذني ماهر الشناوي. شعرت بغضب بارد يحل محل الخوف، ثم كتبت تحت جملة أشرف: "لا تنزعه. سنجعله يسمع ما نريد."رفعت صوتها فجأة وقالت بلهجة متعبة متعمدة: "لقد فتشت الشقة كلها يا كريم ولم أجد شيئًا. جدتي لم تترك أي شيء هنا، وأنا لن أخاطر بحياة أمي من أجل خرافة. غدًا سأتصل بهم وأخبرهم أنني لم أعثر على شيء." ردّ كريم بنبرة يائسة متقنة، وواصلا الحوار الكاذب دقائق،
وصلت نور وكريم إلى المبنى الذي يضم مكتب عادل نصّار قبيل السابعة صباحًا، فوجدا سيارات الشرطة تسد الشارع وحشدًا من الفضوليين يتهامسون عند المدخل. كان العقيد يحيى سرور واقفًا على الرصيف المقابل، متكئًا على عصاه وقد بدا أكبر بعشر سنوات عما رأياه قبل أيام. أشار إليهما أن يقتربا دون أن يرفع صوته، وحين أصبحا بجواره قال بهمس متوتر: "رأيت الجثة قبل أن يُنقل كل شيء. رصاصة في الصدغ الأيسر، والمسدس بجوار يده اليسرى. لكن عادل كان يكتب ويوقع ويأكل بيمينه، وأنا أعرفه منذ ثلاثين عامًا."لم تشعر نور بحزن حقيقي على الرجل، ومع ذلك أدهشها أن قدميها ثقلتا وهي تقترب من المدخل. كان هذا الرجل أباها، وقد حدثها قبل ساعات قليلة عن أمها كأنه يعتذر بآخر ما يملك، والآن صار صمته الأبدي أثقل من كل اعترافاته."إذن هو ليس انتحارًا،" قالت نور بصوت خافت."هو قتل بطريقة مرتبة جدًا. وهناك شيء آخر لن يعجبك." سلمها ورقة صغيرة مطوية دون أن ينظر إليها أو إلى كريم. "وُجدت رسالة على حاسوبه، مطبوعة لا مكتوبة بخط اليد، وقد سمعت مضمونها من صديق في المباحث."قرأت نور الأسطر القليلة وشعرت بالدم يجف في عروقها. كانت الرسالة تقول إن عا
أطرق عادل نصّار طويلاً، ومرّر كفه على وجهه كأنه يمسح ثلاثين عامًا دفعة واحدة، ثم قال بصوت خالٍ من نبرته الودودة المصطنعة: "لم أتركك يا نور. جدتك هي التي أخذتك مني. كانت زينب تعمل في بيتنا منذ سنوات طويلة، وهي أول من عرف بحمل هدى، وفي الليلة التي وُلدتِ فيها اختفت من المستشفى وأنتِ بين يديها، ولم أرَ أيًّا منكما بعد ذلك اليوم."في الغرفة الصامتة كانت الساعة المعطلة على الجدار تشير إلى الثالثة منذ يوم وفاة زينب، وكأن الزمن نفسه رفض أن يتحرك بعد رحيلها. حاولت نور أن تبقى محامية لا ابنة، أن تنصت للكلمات كما تنصت لشاهد في قاعة محكمة، لكن قلبها كان يرتجف تحت الجهاز الصغير المخبأ.توقفت نور عن التنفس للحظة. "هدى؟ هذا اسم أمي؟""هدى عبد الرحيم، ابنة قرية صغيرة في سوهاج، جاءت إلى بيتنا وهي في السادسة عشرة." تهدج صوته لأول مرة منذ دخل. "لا تنظري إليّ هكذا، فأنا لست بريئًا وأعرف ما أنا عليه. كنت متزوجًا من ابنة رجل لا يُرفض له طلب، وحين علمت بالحمل خفت، فاستعنت بصديقي الدكتور ماهر الشناوي ليتولى الأمر في سرية تامة. وحين ضاعت الطفلة أغلقتُ القضية بيدي، لأن الفضيحة كانت ستبتلعني وتبتلعكِ معي.""وا
بدأت نور وكريم في تنفيذ خطتهما المحكمة بعناية فائقة ودقة متناهية، مستخدمين عمها سامي كقناة موثوقة نسبيًا لتمرير معلومات مضللة بعناية إلى عادل نصّار، معلومات تجعله يعتقد تمامًا أن نور توقفت عن البحث نهائيًا بعد تلقيها التهديدات المتكررة المرعبة، وأنها قررت أخيرًا وبشكل حاسم قبول عرضه السخي بشراء الشقة والتخلي عن القضية برمتها إلى الأبد.في الوقت نفسه بالضبط، عمل كريم بالتوازي التام مع صديقه في مجال الأدلة الجنائية على تجهيز جهاز تسجيل صغير جدًا ومخفي بعناية فائقة، بينما استعانت نور بخبرتها القانونية الواسعة لصياغة خطة محكمة قانونيًا بشكل كامل لانتزاع اعتراف واضح ومباشر من عادل نصّار دون أن يشعر بأنه محاصر أو مُستدرج بشكل مباشر يثير شكوكه.اتصلت نور بسكرتيرة عادل نصّار بنفسها، وطلبت موعدًا جديدًا معه بحجة مقنعة تمامًا لمناقشة تفاصيل بيع الشقة أخيرًا وبشكل نهائي، مدّعية بصدق ظاهري أنها اقتنعت تمامًا بعرضه السخي بعد كل التهديدات المرعبة التي تلقتها مؤخرًا. استجاب عادل نصّار بسرعة كبيرة وحماس واضح، سعيدًا على ما يبدو بانتصاره الوشيك القريب، وحدّد موعدًا مناسبًا للقائها في شقة جدتها القديمة







