Início / التشويق / الإثارة / سِرّ الاسم الآخر / الفصل الحادي عشر: خيط المستشفى

Compartilhar

الفصل الحادي عشر: خيط المستشفى

last update Data de publicação: 2026-09-24 03:36:19

غادرت نور بيت عمها في تلك الليلة وهي تحمل ثقل الاعتراف الذي سمعته للتو، لكنها لم تستسلم للحزن طويلاً، فقد كانت هناك تفاصيل كثيرة ما زالت غامضة يجب أن تُكشف. سألت عمها قبل مغادرتها إن كان يتذكر أي تفاصيل أخرى عن تلك الليلة، فأطرق سامي طويلاً يفتش في ذاكرته المتعبة، ثم تذكر أخيرًا أن أمه زينب ذكرت مرة، في لحظة ضعف نادرة، اسم مستشفى صغير للولادة كانت تتردد عليه كثيرًا في تلك الفترة، مستشفى أُغلقت أبوابه بعد سنوات قليلة في ظروف غامضة لم يفهمها أحد وقتها.

عادت نور إلى شقتها ولم تنم تلك الليلة، بل ظلت جالسة قرب النافذة تعيد في رأسها كل كلمة سمعتها، وتحاول أن تربط بين جدتها الصامتة الحذرة التي عرفتها طوال طفولتها وبين المرأة التي كانت تخبئ سرًا بهذا الحجم. اتصلت بكريم في صباح اليوم التالي، وأخبرته بهذا الخيط الجديد بصوت مليء بالأمل الحذر. بحث كريم في سجلات وزارة الصحة القديمة المؤرشفة رقميًا جزئيًا، وقضى ليلتين كاملتين بين الملفات الممسوحة ضوئيًا والمكالمات الطويلة مع موظفين متقاعدين، واستطاع بعد جهد كبير أن يحدد اسم المستشفى: "مستشفى النور للولادة"، وهي مفارقة لم تفت نور حين سمعت الاسم يحمل اسمها بالضبط، وكأن القدر كان يهمس لها بشيء منذ البداية. أُغلق المستشفى عام 1995، أي بعد عام واحد فقط من اختفاء الطفلة سارة، بحجة رسمية تتعلق بمخالفات في التراخيص الصحية، لكن كريم شك فورًا في أن هذا التفسير الرسمي لم يكن سوى غطاء لشيء أكبر بكثير.

توجه الاثنان بعد يومين إلى العنوان القديم للمستشفى، فوجدا مبنى مهجورًا شبه متهالك، تحول جزء منه إلى مخزن لشركة نقليات صغيرة، بينما بقيت باقي الطوابق مغلقة تمامًا خلف أبواب حديدية صدئة مغطاة بالغبار. وقفت نور أمام المدخل تتأمل النوافذ المكسورة واللافتة الباهتة التي ما زالت تحمل بقايا حروف اسمها، وشعرت أن المكان يراقبها بصمت. سأل كريم بعض العمال المتواجدين في المخزن عن أي معلومات عن المستشفى القديم، فأخبره أحدهم بعد تردد أن هناك امرأة مسنة كانت تعمل ممرضة في ذلك المكان قديمًا، وما زالت تعيش في حي قريب، وأعطاه عنوانها التقريبي بعد إلحاح شديد ومقابل مبلغ صغير من المال.

استغرق البحث عن الممرضة المتقاعدة يومًا كاملاً من التجول في أزقة الحي الشعبي الضيقة، سؤال بعد سؤال، حتى دلّهما أحد الجيران أخيرًا على بيتها الصغير المطل على حارة ضيقة مليئة بروائح الطبخ. طرقا الباب بترقب شديد، ففتحته امرأة في السبعينيات من عمرها، نحيلة الجسد، تتكئ على عصا خشبية قديمة، ونظرة عينيها توحي بذاكرة ما زالت حادة رغم تقدم السن الواضح على وجهها المتجعد.

قدّمت نور نفسها بحذر شديد، وسألتها إن كانت تتذكر شيئًا عن مستشفى النور للولادة، فتجمدت ملامح المرأة العجوز للحظة، ونظرت إلى نور بعينين متفحصتين طويلاً قبل أن تسمح لهما أخيرًا بالدخول إلى بيتها المتواضع. جلسا في غرفة صغيرة بسيطة الأثاث، تفوح منها رائحة القرنفل والشاي البارد، وبدأت المرأة تتحدث بصوت متهدج عن سنوات عملها الطويلة في ذلك المستشفى، عن الولادات الكثيرة التي شهدتها بيديها، وعن أيام طويلة من العمل المتواصل تحت ضغط دائم.

سألتها نور بلطف عن أي حادثة غريبة تتذكرها من عام 1994 بالذات، فصمتت المرأة طويلاً، وبدت وكأنها تخوض صراعًا داخليًا عنيفًا بين الرغبة في البوح أخيرًا والخوف القديم من تذكر شيء دفنته في أعماقها لسنوات طويلة. أخيرًا، قالت بصوت خافت يكاد لا يُسمع: "كانت هناك ليلة لن أنساها أبدًا ما حييت، ليلة جاء فيها رجل نافذ جدًا يرافقه أحد الأطباء الكبار المعروفين، وطلبوا مني بإلحاح أن أساعد في ولادة سرية تمامًا، ولادة لم تُسجل في أي دفتر رسمي للمستشفى على الإطلاق."

شعرت نور بقلبها يتسارع بعنف. "هل تتذكرين اسم الأم يا خالتي؟"

هزت الممرضة رأسها بحزن عميق. "كانت فتاة صغيرة جدًا، بالكاد تجاوزت العشرين من عمرها، خائفة ومرعوبة طوال الوقت، وكأنها لا تريد أن تكون هناك أصلاً، وكأن أحدًا أجبرها على المجيء. لم أسمع اسمها الحقيقي قط، فقد كانوا يتعاملون معها بحذر شديد وسرية تامة. أذكر فقط أنها أمسكت بيدي في أشد لحظات الألم وهمست لي بلهجة صعيدية لم تستطع إخفاءها."

"ماذا حدث للطفلة التي وُلدت في تلك الليلة؟" سأل كريم بصوت هادئ محاولًا ألا يقاطع تدفق الذكريات المؤلمة.

نظرت المرأة إليهما بعينين مليئتين بالدموع المكبوتة منذ عقود. "أخذوها بعد ساعات قليلة فقط من ولادتها. سمعت الرجل النافذ يقول لمن معه إنه سيتولى أمرها شخصيًا، وإن الفتاة الأم ستُعتنى بها في مكان آخر بعيد جدًا. لم أفهم وقتها ماذا كان يقصد بالضبط، لكنني شعرت في قلبي أن هناك شيئًا خاطئًا للغاية يحدث أمام عيني، ولم أجرؤ على السؤال أكثر من ذلك خوفًا على وظيفتي وربما على حياتي أنا شخصيًا."

أخرجت نور صورة عادل نصّار من هاتفها بيد مرتجفة، وأرتها للممرضة. "هل هذا هو الرجل الذي رأيته تلك الليلة يا خالتي؟"

حدقت المرأة العجوز في الصورة طويلاً بعينين ضيقتين، ثم أومأت برأسها ببطء وقد ابيضّ وجهها فجأة بشكل ملحوظ. "نعم، هو بالضبط، رغم أنه كان أصغر سنًا بكثير وقتها. لن أنسى تلك العينين الباردتين أبدًا مهما طال بي العمر، فقد ظللت أراهما في كوابيسي لسنوات طويلة بعد تلك الليلة."

خرجت نور من الغرفة وقد أدركت أن خيطًا رفيعًا بدأ يتكشف أمامها أخيرًا، خيطًا سيقودها إلى قلب الحقيقة مهما كان الثمن، ولم تعد تخشى أن تعرف من تكون حقًا بعد سنين

Continue a ler este livro gratuitamente
Escaneie o código para baixar o App

Último capítulo

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل العشرون: أسماء بلا أمهات

    بقيت هدى عبد الرحيم في المستشفى أسبوعين كاملين تحت رعاية أطباء لا يعرفون عن قصتها إلا القليل، وكانت نور تجلس إلى جوار سريرها كل مساء بعد أن تنهي يومها في النيابة العامة، تمسك يدها النحيلة وتنتظر. في الأيام الأولى لم تنطق المرأة إلا بكلمات متقطعة، ثم بدأت الذاكرة تعود إليها كما يعود الماء إلى نهر جف طويلاً.لم يكن الأمر سهلاً على أي منهما. كانت نور تحمل أسئلة ثلاثين عامًا في صدرها ولا تجد كيف تبدأ، وكانت هدى تخشى أن تكون قد فقدت لغة الأمومة في سنوات الصمت الطويلة. لكنهما تعلمتا شيئًا فشيئًا أن الحب لا يحتاج إلى كلمات كثيرة، وأن اليد الممسوكة في الظلام قد تقول كل شيء.في مساء هادئ من الأسبوع الثاني فتحت هدى عينيها وقالت بصوت واضح لأول مرة: "أنا التي سميتك سارة، ليلة ولدتك، لأنك سكتّ فور أن وضعوك على صدري. ظننت أنك تعرفين أنني أمك." ابتسمت نور والدموع تنزل على وجنتيها. "وأنا نور، لأن جدتي زينب أرادت لي حياة مضيئة. وسأبقى الاثنتين معًا يا أمي."لم تخفِ هدى شيئًا مما مرّ بها. حكت ببطء عن الفتاة الريفية ذات الستة عشر عامًا التي جاءت إلى بيت كبير تحلم بأجرة تعين أسرتها، وعن الرجل الذي وعدها

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل التاسع عشر: دار السكينة

    قبل الفجر بساعة كان العقيد يحيى سرور جالسًا في مطبخ الشقة، وبين يديه نسخة كاملة من الدفتر صوّرها أشرف في مختبره على أجهزة لا تتصل بأي شبكة. قال بصوت هادئ حاسم: "لن نسلّم هذا لهشام الجارحي ولا لأي أحد يعمل تحت إمرته. صديقي اللواء توفيق سيوصله بنفسه إلى مكتب النائب العام قبل الظهر، وسنطلب إذنًا سريًا بمداهمة الدار.""ولن يصدر الإذن قبل مساء الغد على أقل تقدير،" قالت نور. "وأمي قد لا تعيش لتراه.""إذن سنمنحهم ما يريدون،" قال كريم، وقد فهم ما يدور في رأسها. "نصنع لهم دفترًا مزيفًا."عمل الثلاثة طوال النهار على نسخة مضللة من الدفتر بغلاف قديم وصفحات ناقصة ومعدلة، ثم رفعت نور صوتها في الشقة الصامتة، ملتفتة إلى الجدار الذي يخفي جهاز التنصت: "وجدت ما تركته جدتي. سأسلمه بنفسي إلى الدكتور ماهر، لكن في الدار وأمام عيني أمي. الليلة عند العاشرة، وحدي."في التاسعة والنصف كانت سيارة نور تتقدم في طريق الفيوم المظلم، وخلفها بمسافة كبيرة سيارة كريم وأشرف. كان العقيد قد سبقهم مع رجال اللواء توفيق ينتظرون إذن المداهمة الذي وصل أخيرًا قبل ساعة، بأسرع مما توقعوا، وقد اتفقوا على أن يعطي العقيد إشارة التنفيذ

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل الثامن عشر: ما خبأته الساعة

    وصل أشرف، صديق كريم الخبير في الأدلة الجنائية، إلى شقة الجدة قبيل منتصف الليل، وهو يحمل حقيبة سوداء صغيرة تشبه حقائب الأطباء. لم يتحدث كثيرًا، فقط وضع جهازًا رفيعًا يشبه القلم على شفتيه إشارة إلى الصمت، ثم أخذ يمرّره ببطء على الجدران والأسلاك والمقابس. كانت نور تتابعه من الباب بقلب يخفق، وكريم إلى جوارها يعض على شفته.بعد عشر دقائق أضاء الجهاز ضوءًا أحمر خافتًا عند مقبس الهاتف القديم في الصالة. فتح أشرف الغطاء برفق بمفك دقيق، وأشار إلى جسم أسود لا يتجاوز حجمه حجم عقلة الإصبع، ملصق خلف السلك. كتب على ورقة: "جهاز تنصت. يعمل الآن. ركّب منذ أسابيع."أدركت نور فجأة أن كل ما دار في هذه الصالة منذ ركّب، من مكالماتها وهمسات خططها، كان يصل إلى أذني ماهر الشناوي. شعرت بغضب بارد يحل محل الخوف، ثم كتبت تحت جملة أشرف: "لا تنزعه. سنجعله يسمع ما نريد."رفعت صوتها فجأة وقالت بلهجة متعبة متعمدة: "لقد فتشت الشقة كلها يا كريم ولم أجد شيئًا. جدتي لم تترك أي شيء هنا، وأنا لن أخاطر بحياة أمي من أجل خرافة. غدًا سأتصل بهم وأخبرهم أنني لم أعثر على شيء." ردّ كريم بنبرة يائسة متقنة، وواصلا الحوار الكاذب دقائق،

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل السابع عشر: الشبهة

    وصلت نور وكريم إلى المبنى الذي يضم مكتب عادل نصّار قبيل السابعة صباحًا، فوجدا سيارات الشرطة تسد الشارع وحشدًا من الفضوليين يتهامسون عند المدخل. كان العقيد يحيى سرور واقفًا على الرصيف المقابل، متكئًا على عصاه وقد بدا أكبر بعشر سنوات عما رأياه قبل أيام. أشار إليهما أن يقتربا دون أن يرفع صوته، وحين أصبحا بجواره قال بهمس متوتر: "رأيت الجثة قبل أن يُنقل كل شيء. رصاصة في الصدغ الأيسر، والمسدس بجوار يده اليسرى. لكن عادل كان يكتب ويوقع ويأكل بيمينه، وأنا أعرفه منذ ثلاثين عامًا."لم تشعر نور بحزن حقيقي على الرجل، ومع ذلك أدهشها أن قدميها ثقلتا وهي تقترب من المدخل. كان هذا الرجل أباها، وقد حدثها قبل ساعات قليلة عن أمها كأنه يعتذر بآخر ما يملك، والآن صار صمته الأبدي أثقل من كل اعترافاته."إذن هو ليس انتحارًا،" قالت نور بصوت خافت."هو قتل بطريقة مرتبة جدًا. وهناك شيء آخر لن يعجبك." سلمها ورقة صغيرة مطوية دون أن ينظر إليها أو إلى كريم. "وُجدت رسالة على حاسوبه، مطبوعة لا مكتوبة بخط اليد، وقد سمعت مضمونها من صديق في المباحث."قرأت نور الأسطر القليلة وشعرت بالدم يجف في عروقها. كانت الرسالة تقول إن عا

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل السادس عشر: ما لم يُسجَّل

    أطرق عادل نصّار طويلاً، ومرّر كفه على وجهه كأنه يمسح ثلاثين عامًا دفعة واحدة، ثم قال بصوت خالٍ من نبرته الودودة المصطنعة: "لم أتركك يا نور. جدتك هي التي أخذتك مني. كانت زينب تعمل في بيتنا منذ سنوات طويلة، وهي أول من عرف بحمل هدى، وفي الليلة التي وُلدتِ فيها اختفت من المستشفى وأنتِ بين يديها، ولم أرَ أيًّا منكما بعد ذلك اليوم."في الغرفة الصامتة كانت الساعة المعطلة على الجدار تشير إلى الثالثة منذ يوم وفاة زينب، وكأن الزمن نفسه رفض أن يتحرك بعد رحيلها. حاولت نور أن تبقى محامية لا ابنة، أن تنصت للكلمات كما تنصت لشاهد في قاعة محكمة، لكن قلبها كان يرتجف تحت الجهاز الصغير المخبأ.توقفت نور عن التنفس للحظة. "هدى؟ هذا اسم أمي؟""هدى عبد الرحيم، ابنة قرية صغيرة في سوهاج، جاءت إلى بيتنا وهي في السادسة عشرة." تهدج صوته لأول مرة منذ دخل. "لا تنظري إليّ هكذا، فأنا لست بريئًا وأعرف ما أنا عليه. كنت متزوجًا من ابنة رجل لا يُرفض له طلب، وحين علمت بالحمل خفت، فاستعنت بصديقي الدكتور ماهر الشناوي ليتولى الأمر في سرية تامة. وحين ضاعت الطفلة أغلقتُ القضية بيدي، لأن الفضيحة كانت ستبتلعني وتبتلعكِ معي.""وا

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل الخامس عشر: الفخ

    بدأت نور وكريم في تنفيذ خطتهما المحكمة بعناية فائقة ودقة متناهية، مستخدمين عمها سامي كقناة موثوقة نسبيًا لتمرير معلومات مضللة بعناية إلى عادل نصّار، معلومات تجعله يعتقد تمامًا أن نور توقفت عن البحث نهائيًا بعد تلقيها التهديدات المتكررة المرعبة، وأنها قررت أخيرًا وبشكل حاسم قبول عرضه السخي بشراء الشقة والتخلي عن القضية برمتها إلى الأبد.في الوقت نفسه بالضبط، عمل كريم بالتوازي التام مع صديقه في مجال الأدلة الجنائية على تجهيز جهاز تسجيل صغير جدًا ومخفي بعناية فائقة، بينما استعانت نور بخبرتها القانونية الواسعة لصياغة خطة محكمة قانونيًا بشكل كامل لانتزاع اعتراف واضح ومباشر من عادل نصّار دون أن يشعر بأنه محاصر أو مُستدرج بشكل مباشر يثير شكوكه.اتصلت نور بسكرتيرة عادل نصّار بنفسها، وطلبت موعدًا جديدًا معه بحجة مقنعة تمامًا لمناقشة تفاصيل بيع الشقة أخيرًا وبشكل نهائي، مدّعية بصدق ظاهري أنها اقتنعت تمامًا بعرضه السخي بعد كل التهديدات المرعبة التي تلقتها مؤخرًا. استجاب عادل نصّار بسرعة كبيرة وحماس واضح، سعيدًا على ما يبدو بانتصاره الوشيك القريب، وحدّد موعدًا مناسبًا للقائها في شقة جدتها القديمة

Mais capítulos
Explore e leia bons romances gratuitamente
Acesso gratuito a um vasto número de bons romances no app GoodNovel. Baixe os livros que você gosta e leia em qualquer lugar e a qualquer hora.
Leia livros gratuitamente no app
ESCANEIE O CÓDIGO PARA LER NO APP
DMCA.com Protection Status