FAZER LOGINفي الأيام التالية، لاحظت نور أن كريم أصبح أكثر توترًا من المعتاد بشكل ملحوظ جدًا، يتحدث بحذر أكبر من قبل، ويتفقد هاتفه باستمرار بلا انقطاع وكأنه يخشى شيئًا لم يفصح عنه بعد لها. حين سألته عن سبب توتره المفاجئ وغير المبرر، حاول أن يتهرب من الإجابة المباشرة في البداية بعدة أعذار متفرقة، لكنها أصرت بلطف شديد، فقد أصبحت تثق به تمامًا الآن ولا تريد أي أسرار جديدة تُضاف إلى الكم الهائل من الأسرار الذي تحمله بالفعل على كتفيها.
جلسا في شقة نور ذات مساء هادئ نسبيًا، والشاي يبرد أمامهما دون أن يلمساه، وكانت أضواء الشارع تتسلل من بين الستائر وتلقي خطوطًا شاحبة على الأرض. وأخيرًا قرر كريم أن يبوح بما كان يخفيه عنها طوال هذه المدة. "نور، هناك شيء مهم جدًا يجب أن أخبرك به الآن، كان يجب أن أخبرك به منذ البداية بصراحة تامة، لكنني كنت أخشى أن تفقدي ثقتك بي تمامًا إن عرفتِ الحقيقة كاملة."
نظرت إليه نور بقلق واضح يعلو وجهها. "ماذا تقصد بالضبط يا كريم؟ أنت تخيفني."
تنهد كريم بعمق شديد، ونظر بعيدًا للحظة قبل أن يواجهها بعينيه مباشرة، ثم قال أخيرًا بصوت خافت: "العقيد يحيى سرور... هو والدي بالفعل، والدي الحقيقي."
صُدمت نور تمامًا من هذا الاعتراف المفاجئ، ونظرت إليه بذهول واضح لا يخفى. "ماذا؟ كيف؟ ولماذا لم تخبرني من البداية بهذا الأمر المهم؟"
"لأنني كنت أخشى بصدق أن تظني أنني أستغل معرفتك بي لأغراض شخصية بحتة، أو أنني أتلاعب بالتحقيق كله لمصلحتي الخاصة فقط،" أجاب كريم بصوت مثقل بالندم الحقيقي. "نشأت وأنا أسمع والدي يتحدث بمرارة شديدة لا تنتهي عن تلك القضية التي أُجبر على إغلاقها رغم إرادته، وعن شعوره الدائم بالذنب العميق تجاه طفلة لم يستطع حمايتها كما يجب. كانت هذه القضية بالذات تطارده طوال حياته كلها، وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من طفولتي أيضًا معه، حتى قررت في النهاية أن أصبح صحفيًا استقصائيًا جزئيًا بسبب هذه القصة بالذات، أملاً صادقًا في أن أجد يومًا فرصة حقيقية لإكمال ما بدأه والدي ولم يستطع إنهاءه بنفسه."
شعرت نور بمزيج معقد من الصدمة والتفهم العميق في آن واحد وهي تستوعب كل كلمة. عادت بذاكرتها إلى لقائهما الأول، إلى نظرته الغريبة حين نطقت اسم جدتها، وإلى اللهفة التي ظنتها يومها مجرد فضول صحفي عادي. "إذن حين التقينا أول مرة... لم تكن مجرد مصادفة عابرة، أليس كذلك؟"
هز كريم رأسه بصدق تام دون أي تردد. "لا، لم تكن مصادفة بالكامل في الحقيقة. حين اتصلتِ بي أول مرة وذكرتِ اسم زينب الزهراني بشكل عابر، تذكرت الاسم فورًا من قصص والدي القديمة التي رواها لي مرارًا. لكنني، أقسم لك بكل صدق، لم أكن أعرف حجم الحقيقة الهائل الذي سنكتشفه معًا لاحقًا، ولم أستغل علاقتنا يومًا واحدًا لغرض غير مساعدتك بصدق تام ونية خالصة."
نظرت نور إليه طويلاً جدًا، تحاول أن تقرر بهدوء ما تشعر به بالضبط تجاه هذا الاعتراف المفاجئ. تذكرت كم مرة سهر إلى جوارها يفتش في الأوراق، وكم مرة قاد سيارته ساعات طويلة دون أن يشكو، فوجدت أن غضبها يذوب أمام هذه الذكريات شيئًا فشيئًا. أخيرًا، قالت بصوت هادئ نسبيًا رغم اضطرابها الداخلي: "أفهم تمامًا لماذا أخفيت هذا الأمر عني، رغم أنني كنت أتمنى صادقة أن تخبرني منذ البداية دون تأخير. لكن هذا يفسر أيضًا التزامك الشديد وغير العادي بهذه القضية، وصدق مشاعرك الحقيقية تجاهي طوال هذه الرحلة الطويلة معًا."
ابتسم كريم بامتنان واضح وعميق لتفهمها الكبير له. "أعدك بصدق ألا أخفي عنك شيئًا آخر بعد اليوم يا نور مهما كان صغيرًا. نحن الآن في هذا الأمر معًا حتى النهاية مهما حدث، ووالدي أيضًا يريد بشدة أن يرى العدالة تتحقق أخيرًا بعد كل هذه السنوات الطويلة من الشعور المرير بالذنب الذي لم يفارقه يومًا."
مدّت نور يدها وضغطت على يده بهدوء، ولم تقل شيئًا، فقد كان ذلك الضغط أصدق جواب تملكه في تلك الليلة.
في تلك اللحظة بالذات، رن هاتف كريم فجأة بصوت حاد، وحين نظر إلى الشاشة المضيئة، تجمدت ملامحه تمامًا من الرعب. كانت رسالة من رقم مجهول تمامًا مثل الرسالة التي وصلت نور سابقًا، لكنها هذه المرة موجهة إليه هو مباشرة بشكل صريح: "أنتم تقتربون كثيرًا جدًا. أخبر صديقتك أن هذه آخر تحذير سيصلها منا قبل أن نتصرف."
تبادل الاثنان نظرة قلقة عميقة مليئة بالخوف الحقيقي، مدركين تمامًا أن الخطر المحدق بهما أصبح أقرب من أي وقت مضى في هذه الرحلة، وأن شخصًا ما كان يراقب كل خطوة صغيرة يخطوانها بدقة مرعبة لا تُصدق.
نهض كريم واقفًا وأطفأ الضوء، ثم اقترب من النافذة وأزاح الستارة بحذر شديد ليتفحص الشارع في الأسفل. كان الشارع شبه خالٍ، لا يتحرك فيه سوى بائع متجول يجر عربته ببطء، غير أن الهدوء بدا لهما أشد إخافة من أي ضجيج. قالت نور بصوت خفيض: "لم يكن أحد يعرف أنك تساعدني إلا قلة قليلة جدًا، فكيف وصلوا إليك بهذه السرعة؟"
أجابها كريم دون أن يلتفت عن النافذة: "هذا ما يقلقني أنا أيضًا يا نور. من الآن فصاعدًا لن نتحدث عن أي خطوة قادمة عبر الهاتف، ولن نثق بأحد إلا بعد أن نتأكد منه بأنفسنا." أومأت نور موافقة، وقلبها يخفق بقوة.
وفي تلك الليلة لم ينم أي منهما، فقد جلسا حتى الفجر يتبادلان الصمت والنظرات، ويسألان نفسيهما من الذي يسمع أنفاسهما من وراء الجدران.
بقيت هدى عبد الرحيم في المستشفى أسبوعين كاملين تحت رعاية أطباء لا يعرفون عن قصتها إلا القليل، وكانت نور تجلس إلى جوار سريرها كل مساء بعد أن تنهي يومها في النيابة العامة، تمسك يدها النحيلة وتنتظر. في الأيام الأولى لم تنطق المرأة إلا بكلمات متقطعة، ثم بدأت الذاكرة تعود إليها كما يعود الماء إلى نهر جف طويلاً.لم يكن الأمر سهلاً على أي منهما. كانت نور تحمل أسئلة ثلاثين عامًا في صدرها ولا تجد كيف تبدأ، وكانت هدى تخشى أن تكون قد فقدت لغة الأمومة في سنوات الصمت الطويلة. لكنهما تعلمتا شيئًا فشيئًا أن الحب لا يحتاج إلى كلمات كثيرة، وأن اليد الممسوكة في الظلام قد تقول كل شيء.في مساء هادئ من الأسبوع الثاني فتحت هدى عينيها وقالت بصوت واضح لأول مرة: "أنا التي سميتك سارة، ليلة ولدتك، لأنك سكتّ فور أن وضعوك على صدري. ظننت أنك تعرفين أنني أمك." ابتسمت نور والدموع تنزل على وجنتيها. "وأنا نور، لأن جدتي زينب أرادت لي حياة مضيئة. وسأبقى الاثنتين معًا يا أمي."لم تخفِ هدى شيئًا مما مرّ بها. حكت ببطء عن الفتاة الريفية ذات الستة عشر عامًا التي جاءت إلى بيت كبير تحلم بأجرة تعين أسرتها، وعن الرجل الذي وعدها
قبل الفجر بساعة كان العقيد يحيى سرور جالسًا في مطبخ الشقة، وبين يديه نسخة كاملة من الدفتر صوّرها أشرف في مختبره على أجهزة لا تتصل بأي شبكة. قال بصوت هادئ حاسم: "لن نسلّم هذا لهشام الجارحي ولا لأي أحد يعمل تحت إمرته. صديقي اللواء توفيق سيوصله بنفسه إلى مكتب النائب العام قبل الظهر، وسنطلب إذنًا سريًا بمداهمة الدار.""ولن يصدر الإذن قبل مساء الغد على أقل تقدير،" قالت نور. "وأمي قد لا تعيش لتراه.""إذن سنمنحهم ما يريدون،" قال كريم، وقد فهم ما يدور في رأسها. "نصنع لهم دفترًا مزيفًا."عمل الثلاثة طوال النهار على نسخة مضللة من الدفتر بغلاف قديم وصفحات ناقصة ومعدلة، ثم رفعت نور صوتها في الشقة الصامتة، ملتفتة إلى الجدار الذي يخفي جهاز التنصت: "وجدت ما تركته جدتي. سأسلمه بنفسي إلى الدكتور ماهر، لكن في الدار وأمام عيني أمي. الليلة عند العاشرة، وحدي."في التاسعة والنصف كانت سيارة نور تتقدم في طريق الفيوم المظلم، وخلفها بمسافة كبيرة سيارة كريم وأشرف. كان العقيد قد سبقهم مع رجال اللواء توفيق ينتظرون إذن المداهمة الذي وصل أخيرًا قبل ساعة، بأسرع مما توقعوا، وقد اتفقوا على أن يعطي العقيد إشارة التنفيذ
وصل أشرف، صديق كريم الخبير في الأدلة الجنائية، إلى شقة الجدة قبيل منتصف الليل، وهو يحمل حقيبة سوداء صغيرة تشبه حقائب الأطباء. لم يتحدث كثيرًا، فقط وضع جهازًا رفيعًا يشبه القلم على شفتيه إشارة إلى الصمت، ثم أخذ يمرّره ببطء على الجدران والأسلاك والمقابس. كانت نور تتابعه من الباب بقلب يخفق، وكريم إلى جوارها يعض على شفته.بعد عشر دقائق أضاء الجهاز ضوءًا أحمر خافتًا عند مقبس الهاتف القديم في الصالة. فتح أشرف الغطاء برفق بمفك دقيق، وأشار إلى جسم أسود لا يتجاوز حجمه حجم عقلة الإصبع، ملصق خلف السلك. كتب على ورقة: "جهاز تنصت. يعمل الآن. ركّب منذ أسابيع."أدركت نور فجأة أن كل ما دار في هذه الصالة منذ ركّب، من مكالماتها وهمسات خططها، كان يصل إلى أذني ماهر الشناوي. شعرت بغضب بارد يحل محل الخوف، ثم كتبت تحت جملة أشرف: "لا تنزعه. سنجعله يسمع ما نريد."رفعت صوتها فجأة وقالت بلهجة متعبة متعمدة: "لقد فتشت الشقة كلها يا كريم ولم أجد شيئًا. جدتي لم تترك أي شيء هنا، وأنا لن أخاطر بحياة أمي من أجل خرافة. غدًا سأتصل بهم وأخبرهم أنني لم أعثر على شيء." ردّ كريم بنبرة يائسة متقنة، وواصلا الحوار الكاذب دقائق،
وصلت نور وكريم إلى المبنى الذي يضم مكتب عادل نصّار قبيل السابعة صباحًا، فوجدا سيارات الشرطة تسد الشارع وحشدًا من الفضوليين يتهامسون عند المدخل. كان العقيد يحيى سرور واقفًا على الرصيف المقابل، متكئًا على عصاه وقد بدا أكبر بعشر سنوات عما رأياه قبل أيام. أشار إليهما أن يقتربا دون أن يرفع صوته، وحين أصبحا بجواره قال بهمس متوتر: "رأيت الجثة قبل أن يُنقل كل شيء. رصاصة في الصدغ الأيسر، والمسدس بجوار يده اليسرى. لكن عادل كان يكتب ويوقع ويأكل بيمينه، وأنا أعرفه منذ ثلاثين عامًا."لم تشعر نور بحزن حقيقي على الرجل، ومع ذلك أدهشها أن قدميها ثقلتا وهي تقترب من المدخل. كان هذا الرجل أباها، وقد حدثها قبل ساعات قليلة عن أمها كأنه يعتذر بآخر ما يملك، والآن صار صمته الأبدي أثقل من كل اعترافاته."إذن هو ليس انتحارًا،" قالت نور بصوت خافت."هو قتل بطريقة مرتبة جدًا. وهناك شيء آخر لن يعجبك." سلمها ورقة صغيرة مطوية دون أن ينظر إليها أو إلى كريم. "وُجدت رسالة على حاسوبه، مطبوعة لا مكتوبة بخط اليد، وقد سمعت مضمونها من صديق في المباحث."قرأت نور الأسطر القليلة وشعرت بالدم يجف في عروقها. كانت الرسالة تقول إن عا
أطرق عادل نصّار طويلاً، ومرّر كفه على وجهه كأنه يمسح ثلاثين عامًا دفعة واحدة، ثم قال بصوت خالٍ من نبرته الودودة المصطنعة: "لم أتركك يا نور. جدتك هي التي أخذتك مني. كانت زينب تعمل في بيتنا منذ سنوات طويلة، وهي أول من عرف بحمل هدى، وفي الليلة التي وُلدتِ فيها اختفت من المستشفى وأنتِ بين يديها، ولم أرَ أيًّا منكما بعد ذلك اليوم."في الغرفة الصامتة كانت الساعة المعطلة على الجدار تشير إلى الثالثة منذ يوم وفاة زينب، وكأن الزمن نفسه رفض أن يتحرك بعد رحيلها. حاولت نور أن تبقى محامية لا ابنة، أن تنصت للكلمات كما تنصت لشاهد في قاعة محكمة، لكن قلبها كان يرتجف تحت الجهاز الصغير المخبأ.توقفت نور عن التنفس للحظة. "هدى؟ هذا اسم أمي؟""هدى عبد الرحيم، ابنة قرية صغيرة في سوهاج، جاءت إلى بيتنا وهي في السادسة عشرة." تهدج صوته لأول مرة منذ دخل. "لا تنظري إليّ هكذا، فأنا لست بريئًا وأعرف ما أنا عليه. كنت متزوجًا من ابنة رجل لا يُرفض له طلب، وحين علمت بالحمل خفت، فاستعنت بصديقي الدكتور ماهر الشناوي ليتولى الأمر في سرية تامة. وحين ضاعت الطفلة أغلقتُ القضية بيدي، لأن الفضيحة كانت ستبتلعني وتبتلعكِ معي.""وا
بدأت نور وكريم في تنفيذ خطتهما المحكمة بعناية فائقة ودقة متناهية، مستخدمين عمها سامي كقناة موثوقة نسبيًا لتمرير معلومات مضللة بعناية إلى عادل نصّار، معلومات تجعله يعتقد تمامًا أن نور توقفت عن البحث نهائيًا بعد تلقيها التهديدات المتكررة المرعبة، وأنها قررت أخيرًا وبشكل حاسم قبول عرضه السخي بشراء الشقة والتخلي عن القضية برمتها إلى الأبد.في الوقت نفسه بالضبط، عمل كريم بالتوازي التام مع صديقه في مجال الأدلة الجنائية على تجهيز جهاز تسجيل صغير جدًا ومخفي بعناية فائقة، بينما استعانت نور بخبرتها القانونية الواسعة لصياغة خطة محكمة قانونيًا بشكل كامل لانتزاع اعتراف واضح ومباشر من عادل نصّار دون أن يشعر بأنه محاصر أو مُستدرج بشكل مباشر يثير شكوكه.اتصلت نور بسكرتيرة عادل نصّار بنفسها، وطلبت موعدًا جديدًا معه بحجة مقنعة تمامًا لمناقشة تفاصيل بيع الشقة أخيرًا وبشكل نهائي، مدّعية بصدق ظاهري أنها اقتنعت تمامًا بعرضه السخي بعد كل التهديدات المرعبة التي تلقتها مؤخرًا. استجاب عادل نصّار بسرعة كبيرة وحماس واضح، سعيدًا على ما يبدو بانتصاره الوشيك القريب، وحدّد موعدًا مناسبًا للقائها في شقة جدتها القديمة







