Home / التشويق / الإثارة / سِرّ الاسم الآخر / الفصل الثلاثون: أسماء لا تُنسى

Share

الفصل الثلاثون: أسماء لا تُنسى

last update publish date: 2026-09-24 19:21:20

مرت ستة أشهر على تلك الليلة، وامتلأت قاعة المحكمة عن آخرها في يوم النطق بالحكم. جلست نور في الصف الأول بين أمها هدى وفاطمة، وخلفها كريم والعقيد وأشرف. حكمت المحكمة على رءوف كامل حلمي وماهر الشناوي بالسجن المؤبد، وعلى سليم عبد الغفار بالسجن عشر سنوات، ومعهم عدد من المتورطين في إدارة العيادات. لم يهتف أحد، بل ساد صمت طويل، كأن القاعة كلها كانت تستوعب أن ثلاثين عامًا من الظلم أصبحت أخيرًا مكتوبة في حكم.

شعرت نور بيد فاطمة تضغط على يدها بقوة، ورأت هدى تمسح دمعة صامتة بطرف وشاحها، وتنظر إلى ابنتها نظرة فخر لم تعرف لها اسمًا. لم تكن هناك فرحة انتصار، بل راحة عميقة كمن أُزيح عن صدره حجر ثقيل.

أما القرص الصلب والخزائن التي نجت فقد كشفت مئة وسبعة وأربعين اسمًا، لكل اسم قصة وأسرة تنتظر. انتقلت جمعية "أبناء الدفتر" من الشقة القديمة إلى مقر أوسع، وامتلأت غرفها بالمتطوعين والمحامين والأطباء، وفي كل خميس تُفتح الأبواب لأمهات وأبناء يلتقون للمرة الأولى بعد عقود. لم تعد الجمعية وليدة، بل صارت بيتًا لمن لم يجد بيتًا. وبعد أسابيع من الحكم أصدر البرلمان تعديلات جديدة على قوانين الولادة والتبني في المنشآت الخاصة، تُلزم كل مصحة بتسجيل كل مولود على منصة مركزية تراقبها جهة مستقلة.

كانت المشاهد في تلك الخميسات لا تُنسى: امرأة في السبعين تمسك بوجه رجل في الأربعين وتقول إنها عرفته من ملمس حاجبيه، وفتاة ترتجف وهي تقرأ اسم أمها بصوت عالٍ لأول مرة، وممرضة عجوز تدعى سميرة جاءت لتعترف على مرأى الجميع وهي تبكي، فاحتضنتها امرأة كانت قد فقدت طفلها على يديها ولم تقل سوى: "الحمد لله أنك عشتِ لتحكي."

وتولت هدى، التي كانت تخاف الأبواب المغلقة، إدارة غرفة الاستقبال الصغيرة للنساء القادمات لأول مرة، تجلس معهن ساعات وتشرب معهن الشاي دون أن تسأل، لأنها تعرف أن أول ما تحتاجه كل واحدة هو من يسمعها دون أن يستعجلها. أما أشرف فصار مسؤول الأرشيف الرقمي، ونقل كل الملفات إلى خوادم مؤمّنة، وأبقى حاسوبه الأول بجوار نافذته للذكرى.

أما فاطمة فقد أخذت ملفها ذات مساء إلى الشقة القديمة ومعها نور وهدى. جلست أمام الطاولة ذاتها التي نُشرت عليها الصفحات، وفتحت الملف بيد مرتعشة. قرأت الاسم في صمت طويل، ثم رفعت رأسها وقالت بصوت متهدج: "زينب. اسمها زينب." ثم أضافت وهي تبكي وتضحك: "كانت تبلغ تسعة عشر عامًا فقط." وفي اليوم التالي وقفت النساء الثلاث عند قبر صغير في قرية بعيدة، ووضعت فاطمة فوقه باقة من الياسمين، وهمست بصوت مبحوح: "وجدتك يا أمي."

وفي أمسية هادئة جلس كريم مع نور على شرفة الجمعية الجديدة، ووضع أمامها مخطوطة كتابه الأول عن القضية، وقد اختار له عنوانًا بسيطًا: "الاسم التاسع والثلاثون". قرأت الإهداء مرتين وابتسمت، فقد كان مكتوبًا فيه: "إلى كل من انتظر أن يُنادى باسمه." نظر إليها طويلًا وقال: "لم أعد صحفيًا يبحث عن قصة يا نور، بل رجل يريد أن يبقى بجوارك." لم تجب بكلمة، لكنها أسندت رأسها إلى كتفه، ثم قالت بعد لحظة: "كتابك سيقرؤه من لم يجدوا أسماءهم بعد."

أما العقيد يحيى سرور فقد تقاعد للمرة الثانية بهدوء، وصار يزور الجمعية كل صباح كأنه موظف قديم، يجلس على الكرسي نفسه ويقرأ الجريدة ويشرب الشاي الثقيل. قال لنور مرة وهو يبتسم: "لم أكن أتصور أن يوم عملي الأخير سيكون أجمل أيام حياتي." ولم تعرف نور كيف تشكره، فاكتفت بأن قدّمت له كوبًا آخر من الشاي.

وجاءت أم كلثوم من قريتها البعيدة إلى الجمعية في أحد الأيام، ووقفت عند الباب بثوب أسود بسيط، فلما رأتها هدى ركضت نحوها واحتضنتها طويلًا، وقالت لها: "كنتِ أول من فتح لنا الطريق."

كانت نور في تلك الأيام تستيقظ فجرًا وتقف عند نافذة مكتبها وتفكر في المرأة التي كانتها قبل عام، محامية تكتب المذكرات في الظل، وتدهشها المسافة التي قطعتها. لم تكن تشعر بالبطولة، بل بمسؤولية هادئة تجاه كل اسم عادت إليه حياته، وكل اسم لا يزال ينتظر. وكانت تفتح كل صباح رسائل جديدة من أسر تسأل عن أبنائها، فتقرأها كلها واحدة بعد أخرى.

وفي شقة الجدة القديمة، بقيت الساعة المرممة تدق كل ساعة كما لو كانت تحصي أيامًا جديدة، وبقيت هدى تجلس تحتها بعد أن استعادت صحتها كاملة، تخيط وتغني بصوت خافت أغنيات لم تسمعها ابنتها من قبل. وكانت تقول لنور كلما جاءت لزيارتها: "أصبح الليل يا ابنتي أقل ظلامًا."

وفي مساء خميس دافئ، أقامت الجمعية حفلًا صغيرًا بلا خطب رسمية ولا مراسم، اجتمع فيه كل من عبرت حياتهم من هذا الدفتر. وقفت نور أمام الجميع بهدوء، وفتحت نسخة من الدفتر الأصلي، وبدأت تقرأ الأسماء واحدًا واحدًا، وكانت كل امرأة وكل رجل يقفان حين يسمعان اسمهما، ثم يجلسان ويمسحان دموعهما. وحين وصلت إلى الاسم التاسع والثلاثين، توقفت لحظة وقالت: "زينب."

وقفت فاطمة، وقفت معها القاعة كلها، ولم يعد هناك أثر لخوف أو صمت. دقت الساعة في الشقة البعيدة كأنها تعلن أن الوقت الذي سُرق قد عاد إلى أصحابه أخيرًا. وخارج القاعة كان الليل يسدل ستائره على القاهرة، وأضواء المدينة تتلألأ كأنها تحتفل هي الأخرى دون أن تدري. ونظرت نور إلى الوجوه حولها، ثم أغلقت الدفتر بلطف، وفهمت أن القصة لم تنتهِ، بل تحولت من دفتر مغلق إلى حياة مفتوحة تمشي على قدمين. ولم يبقَ في القاعة أحد إلا وهو يشعر أن اسمه قد نُودي أيضًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل الثلاثون: أسماء لا تُنسى

    مرت ستة أشهر على تلك الليلة، وامتلأت قاعة المحكمة عن آخرها في يوم النطق بالحكم. جلست نور في الصف الأول بين أمها هدى وفاطمة، وخلفها كريم والعقيد وأشرف. حكمت المحكمة على رءوف كامل حلمي وماهر الشناوي بالسجن المؤبد، وعلى سليم عبد الغفار بالسجن عشر سنوات، ومعهم عدد من المتورطين في إدارة العيادات. لم يهتف أحد، بل ساد صمت طويل، كأن القاعة كلها كانت تستوعب أن ثلاثين عامًا من الظلم أصبحت أخيرًا مكتوبة في حكم.شعرت نور بيد فاطمة تضغط على يدها بقوة، ورأت هدى تمسح دمعة صامتة بطرف وشاحها، وتنظر إلى ابنتها نظرة فخر لم تعرف لها اسمًا. لم تكن هناك فرحة انتصار، بل راحة عميقة كمن أُزيح عن صدره حجر ثقيل.أما القرص الصلب والخزائن التي نجت فقد كشفت مئة وسبعة وأربعين اسمًا، لكل اسم قصة وأسرة تنتظر. انتقلت جمعية "أبناء الدفتر" من الشقة القديمة إلى مقر أوسع، وامتلأت غرفها بالمتطوعين والمحامين والأطباء، وفي كل خميس تُفتح الأبواب لأمهات وأبناء يلتقون للمرة الأولى بعد عقود. لم تعد الجمعية وليدة، بل صارت بيتًا لمن لم يجد بيتًا. وبعد أسابيع من الحكم أصدر البرلمان تعديلات جديدة على قوانين الولادة والتبني في المنشآ

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل التاسع والعشرون: الحقيبة السوداء

    وصلت السيارات إلى برج شركة رءوف كامل حلمي عند الرابعة والنصف فجرًا، وقد بدا البرج الزجاجي في العتمة كأنه جبل من الجليد تحيط به سكينة مريبة. توقف المستشار حازم أمام مكتب الأمن في الردهة الفسيحة، وأخرج إذن التفتيش المختوم، فقرأه الحارس الليلي بعينين متسعتين، ثم رفع يديه مستسلمًا دون كلمة. تسلل رجال اللواء إلى الأدوار العليا، بينما ظل أشرف وكريم ونور يتبعون المستشار خطوة بخطوة.فتشوا الطوابق واحدًا بعد الآخر، ولم يجدوا إلا مكاتب أنيقة وخزائن مفتوحة وأوراقًا عادية تخص مشروعات إنشائية لا تثير الريبة. حتى مكتب رءوف كامل حلمي نفسه، بأثاثه الفخم وخزنته الجدارية الفارغة، كان خاليًا تمامًا إلا من ورقة واحدة على المكتب، كُتب عليها بخط منمّق: "أهلًا بكم يا أبناء الدفتر." شعرت نور بقشعريرة تسري في جسدها، فقد كان الرجل يعرف بقدومهم. سأل أشرف بصوت خافت: "هل اكتشف أمرنا؟" فأجابه حازم: "أو أن أحدًا أخبره." وتذكرت نور عيني سليم الباردتين، وأدركت أن الخيانة ربما سبقتهم في الليل.في تلك اللحظة أزّت سماعة أشرف بصوت اللواء توفيق من مطار الفيوم: "الطائرة على المدرج والطيار وحده على متنها. لا أثر لرءوف كامل

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل الثامن والعشرون: المستشار حازم

    عقد العقيد اجتماعًا في منتصف الليل بمقهى شعبي قديم في إمبابة، حيث لا يعرف أحد أحدًا. جلس بين الأكواب الفارغة ودخان الشيشة رجل أربعيني قصير القامة يرتدي معطفًا رماديًا باليًا، هو المستشار حازم فؤاد، المحقق الشريف الذي اتصل بالعقيد من هاتف عمومي قبل أسابيع. صافح نور بيد ثابتة وقال: "سمعت عنكِ الكثير، والآن أريد أن أسمع كل شيء، ولا تحذفي شيئًا."أخبرهم حازم بأنه قضى عشر سنوات يجمع خيوط قضايا الاتجار بالأطفال في ملفات صغيرة يخبئها في بيته، لأن كل ما يُرفع إلى القمة كان يختفي في ظروف غامضة. وقال إنه لم يصدق في البداية أن جمعية وليدة تدور في شقة قديمة استطاعت ما لم تستطعه أجهزة كاملة.أدار أشرف التسجيل، فأصغى حازم بلا حركة، وحين انتهى ظل صامتًا طويلًا. قال أخيرًا: "هذا كافٍ لتوجيه الاتهام إلى سليم، لكنه لا يكفي لإدانة رءوف. ما تحتاجونه هو الأرشيف نفسه." وشرح أنه لا يستطيع طلب أي إذن عبر مكتب سليم، لكنه ما زال منتدبًا كقاضي تحقيق في القضايا القديمة المرتبطة بماهر الشناوي، وهذا يمنحه سلطة إصدار إذن تفتيش سري لأي منشأة تتصل بتلك القضايا.وأضاف أن الإذن سيشمل كذلك أمرًا ثانيًا بالقبض على سليم ع

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل السابع والعشرون: الخال

    في صباح اليوم التالي وضع الفريق خطة المواجهة كما لو كانت عملية عسكرية صغيرة. لن تلتقي فاطمة بخالها في مكان مغلق، بل في مكان عام مزدحم، وسيكون تحت ثيابها جهاز تسجيل دقيق جهّزه أشرف بنفسه، بينما يجلس كريم على طاولة قريبة بكاميرته، ويتوزع رجال اللواء توفيق حول المكان دون أن يلفتوا الانتباه. وأصرّت فاطمة على شرط واحد فقط: أن تسأله عن اسم أمها الحقيقية مهما حدث، ولو كلفها ذلك أن يغضب.لكن سليم سبقهم بخطوة. في مساء اليوم نفسه رنّ هاتف فاطمة برقم غير معروف، وجاءها صوت هادئ دافئ لم تسمعه من قبل: "مساء الخير يا ابنة أختي العزيزة. أظن أن الوقت قد حان لنتحدث كأفراد عائلة، بعيدًا عن القضايا والأوراق." وحدد لها موعد الغداء في اليوم التالي بمطعم هادئ على النيل في المعادي. تبادل الجميع نظرات الذهول، وقال العقيد بصوته الهادئ: "كأنه كان ينتظر منها أن تقرر الشيء نفسه." قالت نور بقلق شديد إن الفخ قد يكون مزدوجًا، لكن فاطمة قالت إنها لن تتراجع أبدًا.جلست فاطمة في المطعم عند الظهيرة بثوب أسود بسيط ونظرات ثابتة، رغم ارتعاش يديها تحت الطاولة. كانت تحدق في النهر الهادئ وتحاول أن تتذكر آخر مرة رأت فيها خالها

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل السادس والعشرون: سناء

    قدّم اللواء توفيق طلب إذن التفتيش إلى النيابة في مساء اليوم نفسه، مرفقًا به صور القبو وصفحات الدفتر المطبوع، فلم يكن أمامه طريق آخر. انتظر الجميع رد النيابة بأعصاب مشدودة، وقضى كريم الليل كله يقلّب الصور على شاشة الحاسوب، بينما جلست نور صامتة تستحضر وجه الرجل ذي النظارة السوداء عند نافذة المصحة.في صباح اليوم التالي، وصل اللواء توفيق ورجاله إلى المنيا قبل وصول الإذن، بعد أن أبلغهم أحد مصادره أن شيئًا غريبًا يجري في المصحة. وكان ما وجدوه مذهلًا: القبو اختفى تمامًا. الجدران طُليت من جديد، والرف الحديدي أُزيل، والأرضية غُسلت حتى لمعت، وأصر الدكتور مدحت وهو يبتسم أن المبنى لم يكن فيه قبو قط، وأن الخطأ في المخططات وحدها.وحين عاد اللواء إلى القاهرة غاضبًا، اكتشف أن طلب الإذن ظل ست ساعات كاملة على مكتب واحد قبل أن يُحال إلى القاضي المختص، وأن ذلك المكتب هو مكتب المستشار سليم عبد الغفار. قال بغضب مكتوم في هاتفه للعقيد: "لقد سرّبوا كل شيء. ولو كنت أعرف لأخذت المعدات وذهبت في الليل."لم يتأخر رد سليم كثيرًا. في اليوم التالي استدعى نور إلى مكتبه في الطابق الثامن، وقد جلس خلف مكتب واسع خالٍ من أ

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل الخامس والعشرون: مصحة النخيل

    انطلقت السيارة قبل الفجر متجهة نحو المنيا، وفيها المهندس صبحي، صديق العقيد القديم، وهو رجل ستيني هادئ يحمل حقيبة أدوات ودفترًا مليئًا بالملاحظات. جلست نور في المقعد الخلفي بنظارة داكنة ووشاح يغطي شعرها، وبجوارها كريم بكاميرته، بينما تظاهر أشرف بأنه فني كهرباء يرافق الفريق. وعلى مسافة بعيدة خلفهم، تبعتهم سيارة أخرى تقلّ رجال اللواء توفيق دون أن يلحظ أحد وجودها. وطوال الطريق لم يتبادل أحد كلمة واحدة.ظهرت مصحة النخيل عند الظهيرة، مبنى أبيض أنيقًا تحيط به حديقة صغيرة من النخيل الفتي، تفوح منه رائحة الطلاء الحديث. استقبلهم المدير، وهو رجل نحيل يُدعى الدكتور مدحت، بابتسامة متكلفة لم تنجح في إخفاء توتره. قدّم المهندس صبحي خطاب التفتيش الرسمي بثبات من اعتاد هذه الإجراءات مئات المرات، فلم يجد المدير سبيلًا للرفض.لاحظت نور أن العاملين في المصحة قليلون على غير المعتاد، وأن كل من مرّوا بهم في الممرات خفضوا رؤوسهم ولم يجرؤ أحد على النظر في عيونهم. سألت المدير عن عدد الأطباء، فتلعثم قبل أن يجيب بأن الافتتاح لم يتم بعد وأن التعيينات ستكتمل قريبًا. وكانت الأبواب الداخلية كلها مغلقة بأقفال جديدة لام

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status