Home / التشويق / الإثارة / سِرّ الاسم الآخر / الفصل الخامس والعشرون: مصحة النخيل

Share

الفصل الخامس والعشرون: مصحة النخيل

last update publish date: 2026-09-24 19:15:21

انطلقت السيارة قبل الفجر متجهة نحو المنيا، وفيها المهندس صبحي، صديق العقيد القديم، وهو رجل ستيني هادئ يحمل حقيبة أدوات ودفترًا مليئًا بالملاحظات. جلست نور في المقعد الخلفي بنظارة داكنة ووشاح يغطي شعرها، وبجوارها كريم بكاميرته، بينما تظاهر أشرف بأنه فني كهرباء يرافق الفريق. وعلى مسافة بعيدة خلفهم، تبعتهم سيارة أخرى تقلّ رجال اللواء توفيق دون أن يلحظ أحد وجودها. وطوال الطريق لم يتبادل أحد كلمة واحدة.

ظهرت مصحة النخيل عند الظهيرة، مبنى أبيض أنيقًا تحيط به حديقة صغيرة من النخيل الفتي، تفوح منه رائحة الطلاء الحديث. استقبلهم المدير، وهو رجل نحيل يُدعى الدكتور مدحت، بابتسامة متكلفة لم تنجح في إخفاء توتره. قدّم المهندس صبحي خطاب التفتيش الرسمي بثبات من اعتاد هذه الإجراءات مئات المرات، فلم يجد المدير سبيلًا للرفض.

لاحظت نور أن العاملين في المصحة قليلون على غير المعتاد، وأن كل من مرّوا بهم في الممرات خفضوا رؤوسهم ولم يجرؤ أحد على النظر في عيونهم. سألت المدير عن عدد الأطباء، فتلعثم قبل أن يجيب بأن الافتتاح لم يتم بعد وأن التعيينات ستكتمل قريبًا. وكانت الأبواب الداخلية كلها مغلقة بأقفال جديدة لامعة.

بدأت الجولة بالطابق الأرضي، وكل شيء يبدو عاديًا تمامًا: غرف كشف، وصيدلية، وممرات لامعة. لكن أشرف كان يمشي خلف المجموعة حاملًا جهاز قياس ليزريًا صغيرًا، يسجل أطوال الجدران في صمت. وحين وقف عند نهاية الممر الخلفي، اقترب من نور وهمس: "المخطط الرسمي يقول إن طول هذا الممر أحد عشر مترًا، وأنا أقيسه فأجده ثمانية أمتار فقط. هناك ثلاثة أمتار مفقودة خلف مخزن الصيدلية."

دخلوا المخزن بحجة فحص لوحة الكهرباء. كانت الرفوف الحديدية ممتلئة بصناديق الأدوية، لكن أشرف لاحظ أن الأرض أمام الرف الأخير خالية من الغبار على شكل قوس صغير، كأن الرف يتحرك باستمرار. حاول المدير أن يبعدهم قائلًا إن المخزن غير مخصص للتفتيش، فتصدّت له نور بحديث قانوني مطوّل عن اشتراطات السلامة والمسؤولية الجنائية عن أي عرقلة، بينما ظل كريم يلتقط الصور بلا توقف.

عثر أشرف داخل لوحة الكهرباء على مفتاح إضافي لا يحمل أي بطاقة تعريف. ضغط عليه بحذر، فانزلق الرف الأخير ببطء نحو الجدار، كاشفًا عن درج ضيق يهبط إلى الأسفل. أشار المهندس صبحي إلى نور بعينيه أن تنزل، وتولى هو إبقاء المدير في الطابق العلوي بسؤال تلو آخر عن أنظمة الإنذار وطفايات الحريق.

توقفت نور عند أول درجة، وأحست أن قدميها ترفضان النزول. تذكرت وجه أمها في سنواتها الأولى بعد الخروج من الدار، وفكرت أن ما ستراه في الأسفل ربما يشبه ما رأته أمها، ثم أخذت نفسًا عميقًا وبدأت تهبط.

نزل الثلاثة في صمت، وكان الهواء باردًا رطبًا كأنه هواء قبو مهجور. في نهاية الدرج غرفة واسعة بيضاء الجدران، فيها سرير ولادة وأجهزة طبية حديثة ومهدان صغيران فارغان، وخزانة حديدية مغلقة على الجدار الخلفي. أحست نور بأن أنفاسها تثقل، فقد كانت تقف في المكان نفسه الذي بدأت فيه مأساة أمها قبل ثلاثين عامًا، لكن بتجهيزات أحدث وأكثر رعبًا. وكانت رائحة المطهرات القوية تملأ المكان.

وقف كريم صامتًا عند أحد المهدين، ومرّر أصابعه على الغطاء الأبيض الناعم، ثم سحب يده كأنها لسعته، فقد كان المهد دافئًا قليلًا، كأن طفلًا رقد فيه منذ ساعات.

على المكتب الصغير وجدوا دفترًا جديدًا مفتوحًا، وفيه ثلاثة أسطر مكتوبة بخط مطبوع: حرف واحد من اسم الأم، وتاريخ، ورقم مسلسل. كانت التواريخ كلها في الشهر الحالي. همست نور بصوت مخنوق: "لم تتوقف الجريمة يومًا، بل غيّرت مكانها فقط." صوّر كريم كل صفحة، ووثق أشرف الغرفة بزواياها كلها دون أن يلمس شيئًا. وعلى الجدار المقابل تقويم ورقي وُضعت دوائر حمراء حول تواريخ قادمة.

فجأة سمعوا ثلاث طرقات متتالية على أنبوب معدني فوق رؤوسهم، وهي الإشارة التي اتفقوا عليها مع المهندس صبحي. صعدوا مسرعين، لكن الرف كان قد عاد إلى مكانه، ومن خلفه ارتفعت أصوات رجال يصرخون. أدرك أشرف أنهم محاصرون، فأخذ يفتش الجدران بيديه حتى عثر على باب حديدي صغير مخبأ خلف الخزانة، يؤدي إلى ممر جانبي ضيق ينتهي في غرفة المولدات بالحديقة. وضع كتفه على الباب فانفتح بصرير مكتوم، وزحفوا داخل الممر المظلم على أيديهم وركبهم، والأحذية الثقيلة تدق الأرض فوق رؤوسهم مباشرة. وهمس أشرف: "لا تستخدموا الهواتف، فقد يكون في المكان جهاز لاعتراض الإشارات." فأطفأ كريم هاتفه في صمت.

خرجوا من غرفة المولدات وهم يلهثون، وقد بلغ بهم التعب حدّ الانهيار. انتظرهم المهندس صبحي عند سور الحديقة، وقد بدا وجهه أكبر بعشر سنوات. حكى لهم أنه أخرج المدير من المخزن بذريعة فحص خزان المياه، لكن رجلين بملابس سوداء وصلا فجأة وأخذا يسألان عن الغرباء. ثم ركبوا سيارته، فأدارها فورًا وانطلق بهم. وحين ابتعدوا قليلًا، التفتت نور نحو المصحة، فرأت عند نافذة الطابق العلوي رجلًا طويلًا يرتدي نظارة سوداء، ينظر إلى سيارتهم بلا حراك. رفع يده ببطء كأنه يودعهم، ثم اختفى خلف الستارة.

سأل أشرف كريم بصوت متقطع: "هل صوّرتَ الرجل؟" فأجابه: "التقطت وجهه من بعيد، لكن النظارة تخفي معظمه." وأغلق كريم كاميرته كأنه يغلق صفحة ثقيلة.

قال أشرف وهو يضم حاسوبه إلى صدره: "الصور كلها معي، لكن اللواء توفيق سيحتاج إلى إذن رسمي قبل أن يقتحم المكان." أجابته نور بصوت خافت وعينيها لا تزالان على المرآة: "وهذا بالضبط ما يخيفني." وكان في صوتها ارتجاف لم تستطع إخفاءه. وظلت السيارة تقطع الطريق الزراعي بسرعة، ولم يتكلم أحد حتى ظهرت أضواء القاهرة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل الثلاثون: أسماء لا تُنسى

    مرت ستة أشهر على تلك الليلة، وامتلأت قاعة المحكمة عن آخرها في يوم النطق بالحكم. جلست نور في الصف الأول بين أمها هدى وفاطمة، وخلفها كريم والعقيد وأشرف. حكمت المحكمة على رءوف كامل حلمي وماهر الشناوي بالسجن المؤبد، وعلى سليم عبد الغفار بالسجن عشر سنوات، ومعهم عدد من المتورطين في إدارة العيادات. لم يهتف أحد، بل ساد صمت طويل، كأن القاعة كلها كانت تستوعب أن ثلاثين عامًا من الظلم أصبحت أخيرًا مكتوبة في حكم.شعرت نور بيد فاطمة تضغط على يدها بقوة، ورأت هدى تمسح دمعة صامتة بطرف وشاحها، وتنظر إلى ابنتها نظرة فخر لم تعرف لها اسمًا. لم تكن هناك فرحة انتصار، بل راحة عميقة كمن أُزيح عن صدره حجر ثقيل.أما القرص الصلب والخزائن التي نجت فقد كشفت مئة وسبعة وأربعين اسمًا، لكل اسم قصة وأسرة تنتظر. انتقلت جمعية "أبناء الدفتر" من الشقة القديمة إلى مقر أوسع، وامتلأت غرفها بالمتطوعين والمحامين والأطباء، وفي كل خميس تُفتح الأبواب لأمهات وأبناء يلتقون للمرة الأولى بعد عقود. لم تعد الجمعية وليدة، بل صارت بيتًا لمن لم يجد بيتًا. وبعد أسابيع من الحكم أصدر البرلمان تعديلات جديدة على قوانين الولادة والتبني في المنشآ

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل التاسع والعشرون: الحقيبة السوداء

    وصلت السيارات إلى برج شركة رءوف كامل حلمي عند الرابعة والنصف فجرًا، وقد بدا البرج الزجاجي في العتمة كأنه جبل من الجليد تحيط به سكينة مريبة. توقف المستشار حازم أمام مكتب الأمن في الردهة الفسيحة، وأخرج إذن التفتيش المختوم، فقرأه الحارس الليلي بعينين متسعتين، ثم رفع يديه مستسلمًا دون كلمة. تسلل رجال اللواء إلى الأدوار العليا، بينما ظل أشرف وكريم ونور يتبعون المستشار خطوة بخطوة.فتشوا الطوابق واحدًا بعد الآخر، ولم يجدوا إلا مكاتب أنيقة وخزائن مفتوحة وأوراقًا عادية تخص مشروعات إنشائية لا تثير الريبة. حتى مكتب رءوف كامل حلمي نفسه، بأثاثه الفخم وخزنته الجدارية الفارغة، كان خاليًا تمامًا إلا من ورقة واحدة على المكتب، كُتب عليها بخط منمّق: "أهلًا بكم يا أبناء الدفتر." شعرت نور بقشعريرة تسري في جسدها، فقد كان الرجل يعرف بقدومهم. سأل أشرف بصوت خافت: "هل اكتشف أمرنا؟" فأجابه حازم: "أو أن أحدًا أخبره." وتذكرت نور عيني سليم الباردتين، وأدركت أن الخيانة ربما سبقتهم في الليل.في تلك اللحظة أزّت سماعة أشرف بصوت اللواء توفيق من مطار الفيوم: "الطائرة على المدرج والطيار وحده على متنها. لا أثر لرءوف كامل

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل الثامن والعشرون: المستشار حازم

    عقد العقيد اجتماعًا في منتصف الليل بمقهى شعبي قديم في إمبابة، حيث لا يعرف أحد أحدًا. جلس بين الأكواب الفارغة ودخان الشيشة رجل أربعيني قصير القامة يرتدي معطفًا رماديًا باليًا، هو المستشار حازم فؤاد، المحقق الشريف الذي اتصل بالعقيد من هاتف عمومي قبل أسابيع. صافح نور بيد ثابتة وقال: "سمعت عنكِ الكثير، والآن أريد أن أسمع كل شيء، ولا تحذفي شيئًا."أخبرهم حازم بأنه قضى عشر سنوات يجمع خيوط قضايا الاتجار بالأطفال في ملفات صغيرة يخبئها في بيته، لأن كل ما يُرفع إلى القمة كان يختفي في ظروف غامضة. وقال إنه لم يصدق في البداية أن جمعية وليدة تدور في شقة قديمة استطاعت ما لم تستطعه أجهزة كاملة.أدار أشرف التسجيل، فأصغى حازم بلا حركة، وحين انتهى ظل صامتًا طويلًا. قال أخيرًا: "هذا كافٍ لتوجيه الاتهام إلى سليم، لكنه لا يكفي لإدانة رءوف. ما تحتاجونه هو الأرشيف نفسه." وشرح أنه لا يستطيع طلب أي إذن عبر مكتب سليم، لكنه ما زال منتدبًا كقاضي تحقيق في القضايا القديمة المرتبطة بماهر الشناوي، وهذا يمنحه سلطة إصدار إذن تفتيش سري لأي منشأة تتصل بتلك القضايا.وأضاف أن الإذن سيشمل كذلك أمرًا ثانيًا بالقبض على سليم ع

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل السابع والعشرون: الخال

    في صباح اليوم التالي وضع الفريق خطة المواجهة كما لو كانت عملية عسكرية صغيرة. لن تلتقي فاطمة بخالها في مكان مغلق، بل في مكان عام مزدحم، وسيكون تحت ثيابها جهاز تسجيل دقيق جهّزه أشرف بنفسه، بينما يجلس كريم على طاولة قريبة بكاميرته، ويتوزع رجال اللواء توفيق حول المكان دون أن يلفتوا الانتباه. وأصرّت فاطمة على شرط واحد فقط: أن تسأله عن اسم أمها الحقيقية مهما حدث، ولو كلفها ذلك أن يغضب.لكن سليم سبقهم بخطوة. في مساء اليوم نفسه رنّ هاتف فاطمة برقم غير معروف، وجاءها صوت هادئ دافئ لم تسمعه من قبل: "مساء الخير يا ابنة أختي العزيزة. أظن أن الوقت قد حان لنتحدث كأفراد عائلة، بعيدًا عن القضايا والأوراق." وحدد لها موعد الغداء في اليوم التالي بمطعم هادئ على النيل في المعادي. تبادل الجميع نظرات الذهول، وقال العقيد بصوته الهادئ: "كأنه كان ينتظر منها أن تقرر الشيء نفسه." قالت نور بقلق شديد إن الفخ قد يكون مزدوجًا، لكن فاطمة قالت إنها لن تتراجع أبدًا.جلست فاطمة في المطعم عند الظهيرة بثوب أسود بسيط ونظرات ثابتة، رغم ارتعاش يديها تحت الطاولة. كانت تحدق في النهر الهادئ وتحاول أن تتذكر آخر مرة رأت فيها خالها

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل السادس والعشرون: سناء

    قدّم اللواء توفيق طلب إذن التفتيش إلى النيابة في مساء اليوم نفسه، مرفقًا به صور القبو وصفحات الدفتر المطبوع، فلم يكن أمامه طريق آخر. انتظر الجميع رد النيابة بأعصاب مشدودة، وقضى كريم الليل كله يقلّب الصور على شاشة الحاسوب، بينما جلست نور صامتة تستحضر وجه الرجل ذي النظارة السوداء عند نافذة المصحة.في صباح اليوم التالي، وصل اللواء توفيق ورجاله إلى المنيا قبل وصول الإذن، بعد أن أبلغهم أحد مصادره أن شيئًا غريبًا يجري في المصحة. وكان ما وجدوه مذهلًا: القبو اختفى تمامًا. الجدران طُليت من جديد، والرف الحديدي أُزيل، والأرضية غُسلت حتى لمعت، وأصر الدكتور مدحت وهو يبتسم أن المبنى لم يكن فيه قبو قط، وأن الخطأ في المخططات وحدها.وحين عاد اللواء إلى القاهرة غاضبًا، اكتشف أن طلب الإذن ظل ست ساعات كاملة على مكتب واحد قبل أن يُحال إلى القاضي المختص، وأن ذلك المكتب هو مكتب المستشار سليم عبد الغفار. قال بغضب مكتوم في هاتفه للعقيد: "لقد سرّبوا كل شيء. ولو كنت أعرف لأخذت المعدات وذهبت في الليل."لم يتأخر رد سليم كثيرًا. في اليوم التالي استدعى نور إلى مكتبه في الطابق الثامن، وقد جلس خلف مكتب واسع خالٍ من أ

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل الخامس والعشرون: مصحة النخيل

    انطلقت السيارة قبل الفجر متجهة نحو المنيا، وفيها المهندس صبحي، صديق العقيد القديم، وهو رجل ستيني هادئ يحمل حقيبة أدوات ودفترًا مليئًا بالملاحظات. جلست نور في المقعد الخلفي بنظارة داكنة ووشاح يغطي شعرها، وبجوارها كريم بكاميرته، بينما تظاهر أشرف بأنه فني كهرباء يرافق الفريق. وعلى مسافة بعيدة خلفهم، تبعتهم سيارة أخرى تقلّ رجال اللواء توفيق دون أن يلحظ أحد وجودها. وطوال الطريق لم يتبادل أحد كلمة واحدة.ظهرت مصحة النخيل عند الظهيرة، مبنى أبيض أنيقًا تحيط به حديقة صغيرة من النخيل الفتي، تفوح منه رائحة الطلاء الحديث. استقبلهم المدير، وهو رجل نحيل يُدعى الدكتور مدحت، بابتسامة متكلفة لم تنجح في إخفاء توتره. قدّم المهندس صبحي خطاب التفتيش الرسمي بثبات من اعتاد هذه الإجراءات مئات المرات، فلم يجد المدير سبيلًا للرفض.لاحظت نور أن العاملين في المصحة قليلون على غير المعتاد، وأن كل من مرّوا بهم في الممرات خفضوا رؤوسهم ولم يجرؤ أحد على النظر في عيونهم. سألت المدير عن عدد الأطباء، فتلعثم قبل أن يجيب بأن الافتتاح لم يتم بعد وأن التعيينات ستكتمل قريبًا. وكانت الأبواب الداخلية كلها مغلقة بأقفال جديدة لام

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status