Home / التشويق / الإثارة / سِرّ الاسم الآخر / الفصل الثامن والعشرون: المستشار حازم

Share

الفصل الثامن والعشرون: المستشار حازم

last update publish date: 2026-09-24 19:19:07

عقد العقيد اجتماعًا في منتصف الليل بمقهى شعبي قديم في إمبابة، حيث لا يعرف أحد أحدًا. جلس بين الأكواب الفارغة ودخان الشيشة رجل أربعيني قصير القامة يرتدي معطفًا رماديًا باليًا، هو المستشار حازم فؤاد، المحقق الشريف الذي اتصل بالعقيد من هاتف عمومي قبل أسابيع. صافح نور بيد ثابتة وقال: "سمعت عنكِ الكثير، والآن أريد أن أسمع كل شيء، ولا تحذفي شيئًا."

أخبرهم حازم بأنه قضى عشر سنوات يجمع خيوط قضايا الاتجار بالأطفال في ملفات صغيرة يخبئها في بيته، لأن كل ما يُرفع إلى القمة كان يختفي في ظروف غامضة. وقال إنه لم يصدق في البداية أن جمعية وليدة تدور في شقة قديمة استطاعت ما لم تستطعه أجهزة كاملة.

أدار أشرف التسجيل، فأصغى حازم بلا حركة، وحين انتهى ظل صامتًا طويلًا. قال أخيرًا: "هذا كافٍ لتوجيه الاتهام إلى سليم، لكنه لا يكفي لإدانة رءوف. ما تحتاجونه هو الأرشيف نفسه." وشرح أنه لا يستطيع طلب أي إذن عبر مكتب سليم، لكنه ما زال منتدبًا كقاضي تحقيق في القضايا القديمة المرتبطة بماهر الشناوي، وهذا يمنحه سلطة إصدار إذن تفتيش سري لأي منشأة تتصل بتلك القضايا.

وأضاف أن الإذن سيشمل كذلك أمرًا ثانيًا بالقبض على سليم عبد الغفار متى ثبتت الجريمة من الأرشيف، وأن هذا الأمر سيُسلَّم إلى اللواء توفيق نفسه ليمسك به قبل أن يشعر الرجل بأي شيء. ووضع على الطاولة ظرفًا مختومًا يحوي الإذنين.

قال وهو ينظر إليهم واحدًا واحدًا: "لكن الإذن سيبقى مختومًا ولن يعرف به أحد سواي وسواكم حتى لحظة التنفيذ. ومن يخطئ ويتكلم، ولو لأقرب الناس إليه، ستضيع عشر سنوات من التحقيق في لحظة." أومأ الجميع بصمت، وشعرت نور بأن الكلمات ثقلت في صدرها.

فتح أشرف حاسوبه ونشر مخططات مقر شركة رءوف كامل حلمي، برج زجاجي في الشيخ زايد، حصل عليها العقيد من أرشيف نقابة المهندسين. راح يدقق فيها خطًا خطًا حتى توقف عند نقطة بجوار سلم الطوارئ، وقال: "هناك عمود صغير في الرسم الأصلي لا وجود له في المخطط المعدل الذي قُدّم للحي. هذا العمود يصل الطابق الأرضي بمستوى تحت الأرض غير مسجل." قال حازم بهدوء: "هذه هي الخزنة."

حذّر حازم من أن رءوف ليس رجلًا يهرب بسهولة، وأن من بنى الجدران يعرف كيف يتركها تنطبق على من يدخلها.

قبل أن ينتهي الاجتماع رنّ هاتف العقيد. كان اللواء توفيق يبلغه بأن رجاله رصدوا حجز رءوف طائرة خاصة من مطار صغير قرب الفيوم، تقلع في السادسة صباحًا. قال اللواء: "الرجل يشعر بأن الأرض تضيق تحت قدميه، وسيهرب قبل أن نلمسه." نظر الجميع إلى الساعة، فإذا هي الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل، ولم يبق أمامهم إلا ساعات قليلة.

وزّع اللواء توفيق المهام عبر الهاتف: فرقة تتجه إلى مطار الفيوم لمنع الطائرة من الإقلاع، وفرقة أخرى تقتحم مقر الشركة مع المستشار حازم ونور وكريم وأشرف. وقال بصوت حاسم: "لن نستخدم أجهزة الاتصال العادية، بل خطوطًا مؤمنة من عندي." وتبادل الجميع أرقامًا جديدة وحفظوها عن ظهر قلب دون أن يكتبوها.

وزّع أشرف على الجميع سماعات صغيرة وأجهزة تعقب، وأعطى نور صافرة معدنية دقيقة قال إنها الوسيلة الوحيدة للاستغاثة لو انقطع الاتصال داخل الأقبية، ثم شرح لكريم كيف يخفي الكاميرا في حقيبة الأدوات.

عادوا إلى الشقة القديمة يتقاسمون الوقت الضيق. كانت هدى قد أعدّت الطعام للجميع ولم تتكلم كثيرًا. وحين جلست نور بقربها لحظة، وضعت الأم يدها على وجه ابنتها وقالت بصوت خافت: "في المرة الأولى خفت لأنهم أخذوني. وفي هذه المرة أخاف لأنك أنتِ التي ستذهبين." ابتسمت نور وقبّلت يدها المرتجفة وقالت: "سأعود يا أمي، فلا بد أن يبقى أحد ليقرأ الأسماء."

قبل أن يغادروا وصلت مكالمة من أم كلثوم على هاتف هدى، قالت فيها بصوت متعب إنها لم تنم منذ عرفت بما يجري، وإنها ستصلّي طوال الليل من أجلهم. ردّت هدى بعد صمت طويل: "صلّي لنا يا أختي، فنحن نمشي في ممر ضيق."

وفي زاوية بعيدة من الشقة وقف كريم إلى جوار نور وقال بصوت منخفض: "إن حدث شيء الليلة..." قاطعته بحزم: "لن يحدث. وإن حدث فأنت تعرف ما عليك: أن تكمل الطريق." أمسك بيدها لحظة قصيرة وقال: "لن أكمله بدونك."

قال أشرف محاولًا تخفيف التوتر إنه لن ينسى هذه الليلة ما دام حيًا، وإنه سيطلب علاوة من العقيد بأثر رجعي، فضحك الجميع ضحكة قصيرة متوترة، ثم أضاف بجدية أنه لا يريد ثغرة واحدة في الخطة.

أما فاطمة فأصرّت على الذهاب، وقالت بعينين مليئتين بالإصرار: "اسم أمي هناك، ولن أنتظر في البيت." رفضت نور بحزم، لكن العقيد تدخل قائلًا: "ستبقى معي في سيارة القيادة على مسافة آمنة، ولن أسمح لها بالاقتراب." وافقت الفتاة وهي تعض شفتها بقوة، وقد أدركت أن هذا أقصى ما يمكن أن تناله.

في الثالثة فجرًا وقفت نور أمام الساعة المرممة في ركن الشقة، ولاحظت أن عقاربها تقترب من الموعد. قالت لنفسها: "ثلاثون عامًا من الصمت، ولن تستغرق هذه الساعات أكثر من لحظة." ثم ارتدت سترتها، ونظرت مرة أخيرة إلى الوجوه التي أحبتها في هذه المعركة، وخرجت وراء الآخرين إلى الليل.

انطلقت السيارات في الطريق الصحراوي المظلم نحو الشيخ زايد، والأضواء الخافتة تمتد كخيط بعيد، ولم يتكلم أحد بكلمة. كان كل واحد يعيد في ذهنه الدور الذي ينتظره، وكانت نور تتلمس الصافرة الصغيرة في جيبها كأنها تميمة. وكان الليل حولهم بلا نجوم، كأن السماء نفسها تحبس أنفاسها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل الثلاثون: أسماء لا تُنسى

    مرت ستة أشهر على تلك الليلة، وامتلأت قاعة المحكمة عن آخرها في يوم النطق بالحكم. جلست نور في الصف الأول بين أمها هدى وفاطمة، وخلفها كريم والعقيد وأشرف. حكمت المحكمة على رءوف كامل حلمي وماهر الشناوي بالسجن المؤبد، وعلى سليم عبد الغفار بالسجن عشر سنوات، ومعهم عدد من المتورطين في إدارة العيادات. لم يهتف أحد، بل ساد صمت طويل، كأن القاعة كلها كانت تستوعب أن ثلاثين عامًا من الظلم أصبحت أخيرًا مكتوبة في حكم.شعرت نور بيد فاطمة تضغط على يدها بقوة، ورأت هدى تمسح دمعة صامتة بطرف وشاحها، وتنظر إلى ابنتها نظرة فخر لم تعرف لها اسمًا. لم تكن هناك فرحة انتصار، بل راحة عميقة كمن أُزيح عن صدره حجر ثقيل.أما القرص الصلب والخزائن التي نجت فقد كشفت مئة وسبعة وأربعين اسمًا، لكل اسم قصة وأسرة تنتظر. انتقلت جمعية "أبناء الدفتر" من الشقة القديمة إلى مقر أوسع، وامتلأت غرفها بالمتطوعين والمحامين والأطباء، وفي كل خميس تُفتح الأبواب لأمهات وأبناء يلتقون للمرة الأولى بعد عقود. لم تعد الجمعية وليدة، بل صارت بيتًا لمن لم يجد بيتًا. وبعد أسابيع من الحكم أصدر البرلمان تعديلات جديدة على قوانين الولادة والتبني في المنشآ

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل التاسع والعشرون: الحقيبة السوداء

    وصلت السيارات إلى برج شركة رءوف كامل حلمي عند الرابعة والنصف فجرًا، وقد بدا البرج الزجاجي في العتمة كأنه جبل من الجليد تحيط به سكينة مريبة. توقف المستشار حازم أمام مكتب الأمن في الردهة الفسيحة، وأخرج إذن التفتيش المختوم، فقرأه الحارس الليلي بعينين متسعتين، ثم رفع يديه مستسلمًا دون كلمة. تسلل رجال اللواء إلى الأدوار العليا، بينما ظل أشرف وكريم ونور يتبعون المستشار خطوة بخطوة.فتشوا الطوابق واحدًا بعد الآخر، ولم يجدوا إلا مكاتب أنيقة وخزائن مفتوحة وأوراقًا عادية تخص مشروعات إنشائية لا تثير الريبة. حتى مكتب رءوف كامل حلمي نفسه، بأثاثه الفخم وخزنته الجدارية الفارغة، كان خاليًا تمامًا إلا من ورقة واحدة على المكتب، كُتب عليها بخط منمّق: "أهلًا بكم يا أبناء الدفتر." شعرت نور بقشعريرة تسري في جسدها، فقد كان الرجل يعرف بقدومهم. سأل أشرف بصوت خافت: "هل اكتشف أمرنا؟" فأجابه حازم: "أو أن أحدًا أخبره." وتذكرت نور عيني سليم الباردتين، وأدركت أن الخيانة ربما سبقتهم في الليل.في تلك اللحظة أزّت سماعة أشرف بصوت اللواء توفيق من مطار الفيوم: "الطائرة على المدرج والطيار وحده على متنها. لا أثر لرءوف كامل

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل الثامن والعشرون: المستشار حازم

    عقد العقيد اجتماعًا في منتصف الليل بمقهى شعبي قديم في إمبابة، حيث لا يعرف أحد أحدًا. جلس بين الأكواب الفارغة ودخان الشيشة رجل أربعيني قصير القامة يرتدي معطفًا رماديًا باليًا، هو المستشار حازم فؤاد، المحقق الشريف الذي اتصل بالعقيد من هاتف عمومي قبل أسابيع. صافح نور بيد ثابتة وقال: "سمعت عنكِ الكثير، والآن أريد أن أسمع كل شيء، ولا تحذفي شيئًا."أخبرهم حازم بأنه قضى عشر سنوات يجمع خيوط قضايا الاتجار بالأطفال في ملفات صغيرة يخبئها في بيته، لأن كل ما يُرفع إلى القمة كان يختفي في ظروف غامضة. وقال إنه لم يصدق في البداية أن جمعية وليدة تدور في شقة قديمة استطاعت ما لم تستطعه أجهزة كاملة.أدار أشرف التسجيل، فأصغى حازم بلا حركة، وحين انتهى ظل صامتًا طويلًا. قال أخيرًا: "هذا كافٍ لتوجيه الاتهام إلى سليم، لكنه لا يكفي لإدانة رءوف. ما تحتاجونه هو الأرشيف نفسه." وشرح أنه لا يستطيع طلب أي إذن عبر مكتب سليم، لكنه ما زال منتدبًا كقاضي تحقيق في القضايا القديمة المرتبطة بماهر الشناوي، وهذا يمنحه سلطة إصدار إذن تفتيش سري لأي منشأة تتصل بتلك القضايا.وأضاف أن الإذن سيشمل كذلك أمرًا ثانيًا بالقبض على سليم ع

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل السابع والعشرون: الخال

    في صباح اليوم التالي وضع الفريق خطة المواجهة كما لو كانت عملية عسكرية صغيرة. لن تلتقي فاطمة بخالها في مكان مغلق، بل في مكان عام مزدحم، وسيكون تحت ثيابها جهاز تسجيل دقيق جهّزه أشرف بنفسه، بينما يجلس كريم على طاولة قريبة بكاميرته، ويتوزع رجال اللواء توفيق حول المكان دون أن يلفتوا الانتباه. وأصرّت فاطمة على شرط واحد فقط: أن تسأله عن اسم أمها الحقيقية مهما حدث، ولو كلفها ذلك أن يغضب.لكن سليم سبقهم بخطوة. في مساء اليوم نفسه رنّ هاتف فاطمة برقم غير معروف، وجاءها صوت هادئ دافئ لم تسمعه من قبل: "مساء الخير يا ابنة أختي العزيزة. أظن أن الوقت قد حان لنتحدث كأفراد عائلة، بعيدًا عن القضايا والأوراق." وحدد لها موعد الغداء في اليوم التالي بمطعم هادئ على النيل في المعادي. تبادل الجميع نظرات الذهول، وقال العقيد بصوته الهادئ: "كأنه كان ينتظر منها أن تقرر الشيء نفسه." قالت نور بقلق شديد إن الفخ قد يكون مزدوجًا، لكن فاطمة قالت إنها لن تتراجع أبدًا.جلست فاطمة في المطعم عند الظهيرة بثوب أسود بسيط ونظرات ثابتة، رغم ارتعاش يديها تحت الطاولة. كانت تحدق في النهر الهادئ وتحاول أن تتذكر آخر مرة رأت فيها خالها

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل السادس والعشرون: سناء

    قدّم اللواء توفيق طلب إذن التفتيش إلى النيابة في مساء اليوم نفسه، مرفقًا به صور القبو وصفحات الدفتر المطبوع، فلم يكن أمامه طريق آخر. انتظر الجميع رد النيابة بأعصاب مشدودة، وقضى كريم الليل كله يقلّب الصور على شاشة الحاسوب، بينما جلست نور صامتة تستحضر وجه الرجل ذي النظارة السوداء عند نافذة المصحة.في صباح اليوم التالي، وصل اللواء توفيق ورجاله إلى المنيا قبل وصول الإذن، بعد أن أبلغهم أحد مصادره أن شيئًا غريبًا يجري في المصحة. وكان ما وجدوه مذهلًا: القبو اختفى تمامًا. الجدران طُليت من جديد، والرف الحديدي أُزيل، والأرضية غُسلت حتى لمعت، وأصر الدكتور مدحت وهو يبتسم أن المبنى لم يكن فيه قبو قط، وأن الخطأ في المخططات وحدها.وحين عاد اللواء إلى القاهرة غاضبًا، اكتشف أن طلب الإذن ظل ست ساعات كاملة على مكتب واحد قبل أن يُحال إلى القاضي المختص، وأن ذلك المكتب هو مكتب المستشار سليم عبد الغفار. قال بغضب مكتوم في هاتفه للعقيد: "لقد سرّبوا كل شيء. ولو كنت أعرف لأخذت المعدات وذهبت في الليل."لم يتأخر رد سليم كثيرًا. في اليوم التالي استدعى نور إلى مكتبه في الطابق الثامن، وقد جلس خلف مكتب واسع خالٍ من أ

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل الخامس والعشرون: مصحة النخيل

    انطلقت السيارة قبل الفجر متجهة نحو المنيا، وفيها المهندس صبحي، صديق العقيد القديم، وهو رجل ستيني هادئ يحمل حقيبة أدوات ودفترًا مليئًا بالملاحظات. جلست نور في المقعد الخلفي بنظارة داكنة ووشاح يغطي شعرها، وبجوارها كريم بكاميرته، بينما تظاهر أشرف بأنه فني كهرباء يرافق الفريق. وعلى مسافة بعيدة خلفهم، تبعتهم سيارة أخرى تقلّ رجال اللواء توفيق دون أن يلحظ أحد وجودها. وطوال الطريق لم يتبادل أحد كلمة واحدة.ظهرت مصحة النخيل عند الظهيرة، مبنى أبيض أنيقًا تحيط به حديقة صغيرة من النخيل الفتي، تفوح منه رائحة الطلاء الحديث. استقبلهم المدير، وهو رجل نحيل يُدعى الدكتور مدحت، بابتسامة متكلفة لم تنجح في إخفاء توتره. قدّم المهندس صبحي خطاب التفتيش الرسمي بثبات من اعتاد هذه الإجراءات مئات المرات، فلم يجد المدير سبيلًا للرفض.لاحظت نور أن العاملين في المصحة قليلون على غير المعتاد، وأن كل من مرّوا بهم في الممرات خفضوا رؤوسهم ولم يجرؤ أحد على النظر في عيونهم. سألت المدير عن عدد الأطباء، فتلعثم قبل أن يجيب بأن الافتتاح لم يتم بعد وأن التعيينات ستكتمل قريبًا. وكانت الأبواب الداخلية كلها مغلقة بأقفال جديدة لام

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status