FAZER LOGINلم تمنح نور عمها سامي أي فرصة للهروب هذه المرة على الإطلاق؛ فبدلًا من الاتصال به لتحديد موعد كما فعلت في المرة الأولى، توجهت مباشرة دون سابق إنذار إلى منزله في وقت متأخر نسبيًا من المساء، حاملة معها كل الأوراق التي جمعتها بعناء طوال الأيام الماضية: الصور القديمة، الرسالة الممزقة، وشهادتي الميلاد المتناقضتين جنبًا إلى جنب، عازمة بكل قوتها على ألا تغادر منزله دون إجابات حقيقية وكاملة هذه المرة مهما كلفها ذلك من مواجهة صعبة.
فتحت زوجة سامي الباب، وبدت متفاجئة تمامًا من الزيارة المفاجئة في هذا التوقيت المتأخر غير المعتاد، لكنها سمحت لنور بالدخول بعدما لاحظت الجدية الصارمة والحزم الواضح على وجه ابنة أخي زوجها. وجدت نور عمها جالسًا وحيدًا في غرفة المعيشة يشاهد التلفاز بلا اهتمام حقيقي، وحين رآها تحمل تلك الأوراق الكثيرة في يدها بهذا الشكل الجاد، تغيرت ملامح وجهه فورًا بشكل ملحوظ، وبدا وكأنه كان يتوقع بالفعل هذه المواجهة الحتمية منذ زمن طويل ويخشاها بعمق في الوقت ذاته دون أن يجرؤ على الاعتراف بذلك لنفسه.
طلبت نور بأدب لكن بحزم من زوجته أن تتركهما وحدهما لبضع دقائق فقط، فخرجت المرأة بصمت متفهم واضح على وجهها، تاركة إياهما وحدهما في مواجهة مباشرة لم يعد بالإمكان تأجيلها أو الهروب منها بعد الآن. جلست نور أمام عمها مباشرة، ووضعت كل الأوراق بهدوء متعمد على الطاولة الفاصلة بينهما دون أن تنطق بكلمة واحدة، تاركة إياها تتحدث عن نفسها بصمتها المثقل بالدلالات.
نظر سامي إلى الأوراق طويلًا جدًا في صمت ثقيل، ثم أخفى وجهه فجأة بين راحتي يديه، وبدأت كتفاه ترتجفان بصمت واضح تمامًا. حين رفع رأسه أخيرًا بعد دقائق طويلة من الصمت المطبق، كانت عيناه غارقتين تمامًا بالدموع المكبوتة، ووجهه يحمل تعبًا عميقًا يبدو أنه تراكم عبر سنوات طويلة جدًا من حمل سر ثقيل جدًا وحيدًا دون أن يشاركه أحد هذا العبء الثقيل.
"لقد وعدت أمي، رحمها الله، أن أحافظ على هذا السر إلى الأبد مهما حدث،" قال بصوت متهدج ومكسور تمامًا لا يشبه صوته المعتاد الواثق. "لكنني لم أعد أستطيع، بعد كل هذا الوقت، رؤيتك تعانين هكذا يا نور، وأنتِ تبحثين بمفردك عن حقيقة أنا أعرف جزءًا كبيرًا جدًا منها منذ عقود طويلة."
انتظرت نور بصمت تام، وقلبها يخفق بعنف شديد داخل صدرها، بينما كان عمها يجمع شتات نفسه المتناثر استعدادًا أخيرًا للحديث الذي طال انتظاره كثيرًا. بدأ أخيرًا بصوت خافت: "في تلك الليلة بالذات من عام 1994، جاءتني أمي فجأة في منتصف الليل التام، مذعورة تمامًا، وهي تحمل طفلة صغيرة جدًا بين ذراعيها، طفلة لم أرها قط من قبل في حياتي كلها. كانت مرتعبة بشكل لم أعهده منها أبدًا طوال حياتي، وطلبت مني بإلحاح شديد أن أساعدها فورًا دون أن أسأل أي سؤال واحد، وأن أبقى صامتًا تمامًا مهما حدث لاحقًا مهما كانت الظروف."
شعرت نور بأنفاسها تتسارع بشدة وقلبها يكاد يتوقف. "من أين أحضرتني؟ من أين بالضبط أحضرت هذه الطفلة في تلك الليلة؟"
تنهد سامي بعمق شديد وحزن واضح. "لم تخبرني كل التفاصيل الكاملة وقتها بصراحة، وأنا لم أجرؤ على السؤال كثيرًا رغم فضولي الشديد، فقد كانت خائفة بشكل مرعب لم أره عليها من قبل في حياتي كلها معها. كل ما فهمته من كلماتها المتقطعة والمرتبكة في تلك الليلة، أن الطفلة كانت في خطر حقيقي داهم ومباشر جدًا، وأن أمي وجدتها بطريقة ما أو أُحضرت إليها من قِبل شخص كان يحاول حمايتها بشدة من أذى وشيك محقق، وأنها قررت في تلك اللحظة الحاسمة أن تخبئها تمامًا وتربيها سرًا كأنها ابنة ابنها المتوفى، والدك أنت، الذي كان قد توفي قبل ذلك بأشهر قليلة فقط في حادث سيارة مأساوي دون أن يترك خلفه أي أطفال يحملون اسمه."
جلست نور صامتة تمامًا لا تتحرك، تحاول استيعاب كل كلمة تقال أمامها بصعوبة بالغة، بينما استمر سامي في الحديث بصوت أكثر انكسارًا وألمًا: "غيّرت أمي بعض الأوراق الرسمية بمساعدة معارف قدامى موثوقين لها من أيام شبابها، وادّعت رسميًا أنك ابنة ابنها الراحل التي وُلدت بعد وفاته بأشهر قليلة، وربّتك منذ ذلك الحين كحفيدة حقيقية أصيلة لها، وأحبتك بصدق تام كأنها ولدتك بنفسها فعلًا دون أي تفرقة. لم يكن أحد آخر في العائلة كلها يعرف الحقيقة الكاملة سواها هي فقط، وأنا الوحيد الذي شاركها هذا السر الثقيل منذ تلك الليلة البعيدة، بحكم أنني كنت الشاهد الوحيد المباشر على وصولك إلى حياتنا."
سألت نور بصوت يكاد لا يُسمع تمامًا من شدة الارتجاف الذي انتابها: "هل تعرف من كان يهددها بهذا الشكل؟ من كانت تخاف منه إلى هذه الدرجة المرعبة؟"
نظر سامي إليها بعينين مليئتين بالخوف القديم الذي لم يفارقه أبدًا منذ ثلاثين عامًا كاملة مضت. "لم تذكر اسمًا صريحًا أمامي أبدًا طوال كل تلك السنوات، لكنني أتذكر جيدًا أنها كانت تتحدث أحيانًا نادرة، حين تظن أنني لا أسمعها من الغرفة المجاورة، عن رجل نافذ جدًا له علاقات واسعة ومتشعبة في كل مكان، وكانت تكرر دائمًا جملة واحدة محددة تعود إليها كثيرًا: 'إن عرف أنها حية، لن يتركها أبدًا مهما حدث'. لم أفهم قصدها الحقيقي جيدًا وقتها بصراحة، لكنني الآن، وأنا أراك أمامي تحملين كل هذه الأوراق، أخشى أنني أبدأ أفهم أخيرًا، بعد كل هذه السنوات الطويلة، من كانت تقصده بالتحديد في كلامها."
نظرت نور إلى عمها بعينين دامعتين تمامًا، تشعر بخليط غريب ومركب من الألم الشديد والارتياح العميق في آن واحد معًا: الألم لأن كل ما عرفته يومًا عن نفسها وهويتها كان بناءً هشًا مقامًا فوق سر مخفي ثقيل جدًا، والارتياح في الوقت نفسه لأنها أخيرًا، بعد كل هذا العناء، بدأت تفهم وتتيقن أن جدتها لم تكذب عليها يومًا من قسوة أو نية سيئة، بل من حب عميق صادق ورغبة حقيقية في حمايتها من خطر حقيقي داهم لم تكن تعرف عنه شيئًا واحدًا طوال حياتها كلها حتى هذه اللحظة بالذات.
بقيت هدى عبد الرحيم في المستشفى أسبوعين كاملين تحت رعاية أطباء لا يعرفون عن قصتها إلا القليل، وكانت نور تجلس إلى جوار سريرها كل مساء بعد أن تنهي يومها في النيابة العامة، تمسك يدها النحيلة وتنتظر. في الأيام الأولى لم تنطق المرأة إلا بكلمات متقطعة، ثم بدأت الذاكرة تعود إليها كما يعود الماء إلى نهر جف طويلاً.لم يكن الأمر سهلاً على أي منهما. كانت نور تحمل أسئلة ثلاثين عامًا في صدرها ولا تجد كيف تبدأ، وكانت هدى تخشى أن تكون قد فقدت لغة الأمومة في سنوات الصمت الطويلة. لكنهما تعلمتا شيئًا فشيئًا أن الحب لا يحتاج إلى كلمات كثيرة، وأن اليد الممسوكة في الظلام قد تقول كل شيء.في مساء هادئ من الأسبوع الثاني فتحت هدى عينيها وقالت بصوت واضح لأول مرة: "أنا التي سميتك سارة، ليلة ولدتك، لأنك سكتّ فور أن وضعوك على صدري. ظننت أنك تعرفين أنني أمك." ابتسمت نور والدموع تنزل على وجنتيها. "وأنا نور، لأن جدتي زينب أرادت لي حياة مضيئة. وسأبقى الاثنتين معًا يا أمي."لم تخفِ هدى شيئًا مما مرّ بها. حكت ببطء عن الفتاة الريفية ذات الستة عشر عامًا التي جاءت إلى بيت كبير تحلم بأجرة تعين أسرتها، وعن الرجل الذي وعدها
قبل الفجر بساعة كان العقيد يحيى سرور جالسًا في مطبخ الشقة، وبين يديه نسخة كاملة من الدفتر صوّرها أشرف في مختبره على أجهزة لا تتصل بأي شبكة. قال بصوت هادئ حاسم: "لن نسلّم هذا لهشام الجارحي ولا لأي أحد يعمل تحت إمرته. صديقي اللواء توفيق سيوصله بنفسه إلى مكتب النائب العام قبل الظهر، وسنطلب إذنًا سريًا بمداهمة الدار.""ولن يصدر الإذن قبل مساء الغد على أقل تقدير،" قالت نور. "وأمي قد لا تعيش لتراه.""إذن سنمنحهم ما يريدون،" قال كريم، وقد فهم ما يدور في رأسها. "نصنع لهم دفترًا مزيفًا."عمل الثلاثة طوال النهار على نسخة مضللة من الدفتر بغلاف قديم وصفحات ناقصة ومعدلة، ثم رفعت نور صوتها في الشقة الصامتة، ملتفتة إلى الجدار الذي يخفي جهاز التنصت: "وجدت ما تركته جدتي. سأسلمه بنفسي إلى الدكتور ماهر، لكن في الدار وأمام عيني أمي. الليلة عند العاشرة، وحدي."في التاسعة والنصف كانت سيارة نور تتقدم في طريق الفيوم المظلم، وخلفها بمسافة كبيرة سيارة كريم وأشرف. كان العقيد قد سبقهم مع رجال اللواء توفيق ينتظرون إذن المداهمة الذي وصل أخيرًا قبل ساعة، بأسرع مما توقعوا، وقد اتفقوا على أن يعطي العقيد إشارة التنفيذ
وصل أشرف، صديق كريم الخبير في الأدلة الجنائية، إلى شقة الجدة قبيل منتصف الليل، وهو يحمل حقيبة سوداء صغيرة تشبه حقائب الأطباء. لم يتحدث كثيرًا، فقط وضع جهازًا رفيعًا يشبه القلم على شفتيه إشارة إلى الصمت، ثم أخذ يمرّره ببطء على الجدران والأسلاك والمقابس. كانت نور تتابعه من الباب بقلب يخفق، وكريم إلى جوارها يعض على شفته.بعد عشر دقائق أضاء الجهاز ضوءًا أحمر خافتًا عند مقبس الهاتف القديم في الصالة. فتح أشرف الغطاء برفق بمفك دقيق، وأشار إلى جسم أسود لا يتجاوز حجمه حجم عقلة الإصبع، ملصق خلف السلك. كتب على ورقة: "جهاز تنصت. يعمل الآن. ركّب منذ أسابيع."أدركت نور فجأة أن كل ما دار في هذه الصالة منذ ركّب، من مكالماتها وهمسات خططها، كان يصل إلى أذني ماهر الشناوي. شعرت بغضب بارد يحل محل الخوف، ثم كتبت تحت جملة أشرف: "لا تنزعه. سنجعله يسمع ما نريد."رفعت صوتها فجأة وقالت بلهجة متعبة متعمدة: "لقد فتشت الشقة كلها يا كريم ولم أجد شيئًا. جدتي لم تترك أي شيء هنا، وأنا لن أخاطر بحياة أمي من أجل خرافة. غدًا سأتصل بهم وأخبرهم أنني لم أعثر على شيء." ردّ كريم بنبرة يائسة متقنة، وواصلا الحوار الكاذب دقائق،
وصلت نور وكريم إلى المبنى الذي يضم مكتب عادل نصّار قبيل السابعة صباحًا، فوجدا سيارات الشرطة تسد الشارع وحشدًا من الفضوليين يتهامسون عند المدخل. كان العقيد يحيى سرور واقفًا على الرصيف المقابل، متكئًا على عصاه وقد بدا أكبر بعشر سنوات عما رأياه قبل أيام. أشار إليهما أن يقتربا دون أن يرفع صوته، وحين أصبحا بجواره قال بهمس متوتر: "رأيت الجثة قبل أن يُنقل كل شيء. رصاصة في الصدغ الأيسر، والمسدس بجوار يده اليسرى. لكن عادل كان يكتب ويوقع ويأكل بيمينه، وأنا أعرفه منذ ثلاثين عامًا."لم تشعر نور بحزن حقيقي على الرجل، ومع ذلك أدهشها أن قدميها ثقلتا وهي تقترب من المدخل. كان هذا الرجل أباها، وقد حدثها قبل ساعات قليلة عن أمها كأنه يعتذر بآخر ما يملك، والآن صار صمته الأبدي أثقل من كل اعترافاته."إذن هو ليس انتحارًا،" قالت نور بصوت خافت."هو قتل بطريقة مرتبة جدًا. وهناك شيء آخر لن يعجبك." سلمها ورقة صغيرة مطوية دون أن ينظر إليها أو إلى كريم. "وُجدت رسالة على حاسوبه، مطبوعة لا مكتوبة بخط اليد، وقد سمعت مضمونها من صديق في المباحث."قرأت نور الأسطر القليلة وشعرت بالدم يجف في عروقها. كانت الرسالة تقول إن عا
أطرق عادل نصّار طويلاً، ومرّر كفه على وجهه كأنه يمسح ثلاثين عامًا دفعة واحدة، ثم قال بصوت خالٍ من نبرته الودودة المصطنعة: "لم أتركك يا نور. جدتك هي التي أخذتك مني. كانت زينب تعمل في بيتنا منذ سنوات طويلة، وهي أول من عرف بحمل هدى، وفي الليلة التي وُلدتِ فيها اختفت من المستشفى وأنتِ بين يديها، ولم أرَ أيًّا منكما بعد ذلك اليوم."في الغرفة الصامتة كانت الساعة المعطلة على الجدار تشير إلى الثالثة منذ يوم وفاة زينب، وكأن الزمن نفسه رفض أن يتحرك بعد رحيلها. حاولت نور أن تبقى محامية لا ابنة، أن تنصت للكلمات كما تنصت لشاهد في قاعة محكمة، لكن قلبها كان يرتجف تحت الجهاز الصغير المخبأ.توقفت نور عن التنفس للحظة. "هدى؟ هذا اسم أمي؟""هدى عبد الرحيم، ابنة قرية صغيرة في سوهاج، جاءت إلى بيتنا وهي في السادسة عشرة." تهدج صوته لأول مرة منذ دخل. "لا تنظري إليّ هكذا، فأنا لست بريئًا وأعرف ما أنا عليه. كنت متزوجًا من ابنة رجل لا يُرفض له طلب، وحين علمت بالحمل خفت، فاستعنت بصديقي الدكتور ماهر الشناوي ليتولى الأمر في سرية تامة. وحين ضاعت الطفلة أغلقتُ القضية بيدي، لأن الفضيحة كانت ستبتلعني وتبتلعكِ معي.""وا
بدأت نور وكريم في تنفيذ خطتهما المحكمة بعناية فائقة ودقة متناهية، مستخدمين عمها سامي كقناة موثوقة نسبيًا لتمرير معلومات مضللة بعناية إلى عادل نصّار، معلومات تجعله يعتقد تمامًا أن نور توقفت عن البحث نهائيًا بعد تلقيها التهديدات المتكررة المرعبة، وأنها قررت أخيرًا وبشكل حاسم قبول عرضه السخي بشراء الشقة والتخلي عن القضية برمتها إلى الأبد.في الوقت نفسه بالضبط، عمل كريم بالتوازي التام مع صديقه في مجال الأدلة الجنائية على تجهيز جهاز تسجيل صغير جدًا ومخفي بعناية فائقة، بينما استعانت نور بخبرتها القانونية الواسعة لصياغة خطة محكمة قانونيًا بشكل كامل لانتزاع اعتراف واضح ومباشر من عادل نصّار دون أن يشعر بأنه محاصر أو مُستدرج بشكل مباشر يثير شكوكه.اتصلت نور بسكرتيرة عادل نصّار بنفسها، وطلبت موعدًا جديدًا معه بحجة مقنعة تمامًا لمناقشة تفاصيل بيع الشقة أخيرًا وبشكل نهائي، مدّعية بصدق ظاهري أنها اقتنعت تمامًا بعرضه السخي بعد كل التهديدات المرعبة التي تلقتها مؤخرًا. استجاب عادل نصّار بسرعة كبيرة وحماس واضح، سعيدًا على ما يبدو بانتصاره الوشيك القريب، وحدّد موعدًا مناسبًا للقائها في شقة جدتها القديمة







