تسجيل الدخولدخل العروسان الشقة…
وفي البداية ساد الصمت. كانت العروس تتحرك ببطء بين الغرف. تنظر حولها وكأنها تحاول أن تستوعب أن هذه هي الشقة نفسها التي رأتها قبل أيام. أما العريس فوقف للحظات يتأمل المكان. ثم قال وهو يلتفت حوله بدهشة واضحة: — مستحيل… هل هذه فعلًا شقتنا؟ ابتسم وليد وقال: — نعم… لكنها الآن أصبحت بيتًا. بدأت العروس تتجول أكثر. تمرر يدها على التفاصيل. تنظر للإضاءة. وتفتح الأبواب واحدًا تلو الآخر. ثم التفتت إلى شروق وقالت بابتسامة واسعة: — أنتِ تذكرتِ كل شيء قلته. كل شيء تخيلته… وجدته هنا. حتى التفاصيل الصغيرة. ابتسمت شروق ابتسامة هادئة وقالت: — لأن البيت لا يُبنى بالأثاث فقط… المهم أن يشعر صاحبه أنه يشبهه. نظر العريس إلى علي وقال: — شكرًا لكم جميعًا. بصراحة… لم نتوقع أن تكون النتيجة بهذا الشكل. وسنخبر كل معارفنا عنكم. أعتقد أنكم ستندمون أننا عرفناكم للناس. ضحك الجميع. وقال وليد: — لا مانع… لكن واحدة واحدة. أخرجت شروق هاتفها وقالت: — ممكن نصور فيديو قصير؟ وافق العروسان. ثم قالت: — علي… وليد… قفا معهم. نظرت إليها نهال وقالت: — وأنتِ؟ ابتسمت شروق ورفعت الهاتف: — سأصور أنا. اقتربت نهال وقالت بهدوء: — لا… تعالي وقفي معهم وأنا أصور. توقفت شروق لحظة. ثم قالت بلطف: — لا… هكذا أفضل. فهمت نهال فورًا. لم يكن الأمر خجلًا… لكن شروق ما زالت لا تحب أن تكون في واجهة الصور. فاكتفت نهال بابتسامة صغيرة ولم تُلح عليها. تم تصوير الفيديو. وصور قبل التنفيذ وبعده. ثم خرجوا جميعًا. وقف علي خارج المبنى… وأخرج هاتفه. نظر إلى الشاشة للحظات. ثم أعاده إلى جيبه وقال: — أرجوكم… لا أريد سماع رنة هاتف… ولا كلمة شغل… أريد أن أنام فقط. ضحك الجميع. وقالت نهال: — موافقة. وقال وليد: — وبعدها نحتفل. سكت علي لحظة… ثم نظر إلى الشقة وقال: — الغريب… أن المبلغ الذي أخذناه اليوم… كنت أدفع مثله راتبًا لموظف عندي. لكن إحساسه مختلف. هذه أول مرة أشعر أن ما كسبناه… هو نتيجة تعبنا نحن. ليس بسبب اسم شركة… ولا اسم عائلة. نظروا إليه بصمت. ثم تبادلوا الابتسام. وأخيرًا… انصرف كل واحد إلى بيته. لكن هذه المرة… لم يعودوا مرهقين فقط. كان معهم شعور هادئ… أن البداية التي خافوا منها كثيرًا… قد بدأت بالفعل. بعد أيام… نزلت نهال إلى شقة شروق، وملامحها تحمل ثقلًا واضحًا وقلقًا لم تستطع إخفاءه. جلست بصمت لثوانٍ، ثم قالت بصوت منخفض: — لدي أمر يجب أن أخبركِ به يا شروق… منذ فترة جاءنا ضيوف من أقاربنا في البلد، برفقة شريك والدي في العمل. وابنه قد تقدم لخطبتي. سكتت لحظة، ثم أضافت بسرعة: — وقد رفضت بالطبع… كما تعلمين السبب. لكن الأمر لم ينتهِ عند هذا الحد. أخبرني والدي أنهم شركاء في مشروع كبير معًا… وأن هناك مزرعة مواشٍ سيتم بيعها قريبًا. وأن رأس المال كله تقريبًا مرتبط بهذا المشروع. وأن المزرعة أصلًا مسجلة باسم قريبنا. وقال لي بصراحة إن إغلاق هذا الأمر الآن قد يؤدي إلى انهيار الشراكة بالكامل. ثم أضاف أنه يطلب مني تأجيل الرفض لمدة شهر واحد فقط، حتى يتم بيع المزرعة. رفعت عينيها نحو شروق وقالت: — أنا لست مرتاحة يا شروق… لكنني أيضًا لا أريد أن أكون سببًا في خسارة والدي لمشروع بهذه الضخامة. سكتت شروق قليلًا، تستمع دون مقاطعة. ثم قالت بهدوء متزن: — عليكِ أن تنظري إلى الأمر من زاويتين يا نهال… زاوية علاقتك بوالدك… وزاوية علاقتك بعلي. رفعت نهال عينيها بسرعة وقالت بتوتر: — أعلم ذلك… لكن المشكلة أنني غير قادرة على فتح هذا الموضوع مع علي. هو لم يعلن أي شيء رسمي بيننا بعد… ولو تحدثت إليه الآن، قد يظن أنني أضغط عليه أو أدفعه إلى قرار لم يُحسم بعد. وأنا لا أريد ذلك. ثم أضافت بصوت منخفض: — لقد قررت أن أساير الأمر لمدة شهر واحد فقط… ثم بعد ذلك، كأن شيئًا لم يكن. وعلي لن يعرف أي شيء. ساد الصمت لوهلة. نظرت شروق إليها طويلًا، وكأنها تقرأ ما وراء الكلمات لا الكلمات نفسها. ثم قالت بهدوء: — أرى أنكِ يجب أن تكوني صريحة مع علي. رفعت نهال رأسها بسرعة: — ماذا أقول له؟ قالت شروق بثبات: — الحقيقة. أن هناك من تقدم لكِ. وأن والدك طلب تأجيل الرد. لا يصح أن تُبنى علاقة على صورة ناقصة. سكتت نهال، ثم قالت بصوت متردد: — لا أستطيع… لست قادرة على فتح هذا الموضوع معه. ولا أعرف كيف أبدأ تنهدت شروق بهدوء وقالت: — لستِ مطالبة بحل كل شيء الآن… لكن من المهم ألا تُخفى الصورة كاملة. فالعلاقات الحقيقية لا تُبنى على الغموض… بل على الوضوح. خفضت نهال عينيها، وبقيت صامتة… لكن بداخلها كان الصراع قد بدأ يتشكل بوضوح أكبر من أي وقت مضى.نظرت شروق إلى نهال طويلًا… ثم قالت بهدوء: — ماذا حدث مع علي؟ تنهدت نهال وأخفضت نظرها. ثم قالت بصوت متعب: — حاولت أن أتحدث معه… لكني أشعر أن الأمور لن تعود كما كانت. لا أعرف… لكن هناك شيء تغيّر. كان هادئًا جدًا… وهذا ما أخافني أكثر. سكتت لحظة ثم أضافت: — أشعر بألم كبير… ليس لأننا تشاجرنا، لكن لأنني لأول مرة أشعر أن المسافة بيننا حقيقية. ظلت شروق تستمع إليها بصمت. ثم قالت بهدوء: — لا تتعجلي بالحكم. أحيانًا الناس عندما تتعب… لا تبتعد لأنها لم تعد تهتم. بل لأنها لم تعد تعرف كيف تتصرف. أعطيه وقتًا. وحاولي أن تتحدثي معه مرة أخرى عندما تهدأ الأمور. أنا متأكدة أنه سيفهم. رفعت نهال عينيها إليها وقالت: — وهل أنتِ مقتنعة بما تقولينه فعلًا؟ ابتسمت شروق ابتسامة خفيفة سرعان ما اختفت. ثم قالت: — لا أعرف… لكنني أتمنى ذلك. ساد الصمت للحظات. ثم قالت شروق فجأة: — أما أنا… فأعتقد أنني سأخبر علي أنني لن أستطيع الاستمرار في العمل. التفتت نهال إليها بسرعة وقالت باستغراب: — ماذا؟ قالت شروق وهي تنظر أمامها: — منذ أن بدأنا وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادرة. لكن كلما شعرت أن
ظلت كلمات نهال تتردد في ذهن شروق. ثم عادت تتذكر ما حدث خلال اليوم. المشروع. العميلة. الخسارة. وذلك الصمت الذي غلّف ملامح علي. ولسبب لم تستطع تفسيره… عاد إليها ذلك الشعور الذي ظنت أنها تجاوزته منذ زمن. أن كل شيء تقترب منه… ينتهي بطريقة سيئة. أن كل بداية تحمل معها نهاية مؤلمة. أغمضت عينيها للحظة. ثم هزّت رأسها وكأنها تحاول طرد هذه الأفكار. لكنها بقيت هناك… في مكان لا تصل إليه المحاولات. بعد أن غادرت نهال منزل شروق… وقفت قليلًا أمام المبنى. كانت تعلم أن الاستمرار في الصمت سيجعل الأمر أكثر سوءًا. تنفست بعمق. ثم اتجهت إلى منزل علي. وقفت أمام الباب مترددة. رفعت يدها أكثر من مرة ثم أعادتها. وفي النهاية… ضغطت الجرس. فتح علي الباب. بدا مرهقًا. ملامحه هادئة أكثر مما توقعت. وهذا جعل الأمر أصعب. نظر إليها دون أن يتكلم. فقالت بهدوء: — علي… أريد أن تتحدث معي. نظر إليها لحظة ثم قال: — ليس الآن يا نهال. أريد أن أبقى وحدي. اقتربت خطوة وقالت بصوت أكثر هدوءًا: — أرجوك. لا تجعل ما رأيته اليوم يكون حكمك النهائي. تنهد وقال: — قلت ليس الآن. لكنها لم تتحرك. وقالت بعد ص
لم يكن النجاح الذي بدأ علي يحققه يروق لحمدي الريان. في البداية تعامل معه باعتباره اندفاعًا مؤقتًا… محاولة لإثبات الذات ستنتهي سريعًا، ثم يعود علي إلى مكانه الطبيعي داخل المجموعة. لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا. الأيام مرّت. والمكتب الصغير لم يتراجع. العمل بدأ يتزايد. العملاء يتحدثون عنهم. والاسم الذي بدأ كفكرة… صار يتردد في السوق. وهنا أدرك حمدي أن الأمر لم يعد مجرد عناد. جلس في مكتبه يتأمل التقارير أمامه، ثم قال بصوت هادئ يخفي ضيقًا واضحًا: — كنت أظن أنه سيعود أسرع من هذا. جلست وفاء أمامه في هدوء، ثم قالت: — علي لا يتراجع بسهولة… وأنت أكثر من يعرف ذلك. رفع نظره إليها. فأكملت: — لكنه أيضًا لا يحتمل أن يرى شيئًا تعب فيه ينهار أمامه. توقفت لحظة ثم قالت بنبرة محسوبة: — إذا لم نستطع أن نجعله يعود بإرادته… فلنجعل الطريق أمامه يضيق حتى لا يجد غير العودة. ثبت حمدي نظره عليها. ثم قال: — يبدو أن لديكِ فكرة. ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: — دع الأمر لي. وإذا نجح… فلن يفكر في البقاء خارج الشركة يومًا إضافيًا. ارتسمت على وجه حمدي ابتسامة خفيفة وقال: — وإن حدث ذلك… فلديّ لك
نظرت نهال إلى شروق لثوانٍ طويلة… ثم قالت بهدوء بدا وكأنه قرار أكثر منه اقتناعًا: — القرار النهائي… سأنفذ ما طلبه والدي. شهر واحد فقط… ثم ينتهي كل شيء. وسأبتعد هذه الفترة عن علي… حتى لا يشعر بأي شيء. ظلّت شروق صامتة للحظات، ثم قالت بهدوء: — لن أتدخل في قرارك… رغم أنني لا أوافق عليه. لكن أتمنى فقط ألا يتحول ما نحاول حمايته… إلى شيء نخسره لاحقًا. اكتفت نهال بابتسامة صغيرة، ثم غادرت. في ذلك اليوم… توجهت شروق إلى المكتب كعادتها. لكنها منذ أن دخلت شعرت أن المكان لم يعد كما كان. هواتف لا تتوقف. رسائل جديدة. طلبات معاينة. وصور المشروع الأول بدأت تنتشر بين معارف العروسين. دخلت وهي تنظر حولها بدهشة. رفع وليد رأسه من أمام الحاسوب وقال بحماس: — يبدو أننا لن نحصل على راحة قريبًا. ابتسم علي وهو يقلب بعض الأوراق أمامه وقال: — أول مرة أشعر أن التعب له نتيجة. جلست شروق مكانها، وبدأت تراجع الرسومات الجديدة. ومع مرور الساعات… تحول المكتب الصغير إلى مساحة مليئة بالحركة. عملاء يدخلون. مكالمات لا تنتهي. نقاشات حول الألوان والتصميمات. وخطط لموا
دخل العروسان الشقة… وفي البداية ساد الصمت. كانت العروس تتحرك ببطء بين الغرف. تنظر حولها وكأنها تحاول أن تستوعب أن هذه هي الشقة نفسها التي رأتها قبل أيام. أما العريس فوقف للحظات يتأمل المكان. ثم قال وهو يلتفت حوله بدهشة واضحة: — مستحيل… هل هذه فعلًا شقتنا؟ ابتسم وليد وقال: — نعم… لكنها الآن أصبحت بيتًا. بدأت العروس تتجول أكثر. تمرر يدها على التفاصيل. تنظر للإضاءة. وتفتح الأبواب واحدًا تلو الآخر. ثم التفتت إلى شروق وقالت بابتسامة واسعة: — أنتِ تذكرتِ كل شيء قلته. كل شيء تخيلته… وجدته هنا. حتى التفاصيل الصغيرة. ابتسمت شروق ابتسامة هادئة وقالت: — لأن البيت لا يُبنى بالأثاث فقط… المهم أن يشعر صاحبه أنه يشبهه. نظر العريس إلى علي وقال: — شكرًا لكم جميعًا. بصراحة… لم نتوقع أن تكون النتيجة بهذا الشكل. وسنخبر كل معارفنا عنكم. أعتقد أنكم ستندمون أننا عرفناكم للناس. ضحك الجميع. وقال وليد: — لا مانع… لكن واحدة واحدة. أخرجت شروق هاتفها وقالت: — ممكن نصور فيديو قصير؟ وافق العروسان. ثم قالت: — علي… وليد… قفا معهم. نظرت إليها نهال وقالت: — وأنتِ؟ ابتسمت شروق ورفعت
مرّت الأيام التالية سريعًا… وبدأت الشركة الصغيرة تأخذ شكلها الحقيقي شيئًا فشيئًا. انشغل كل واحد منهم بدوره وكأنهم يعملون معًا منذ سنوات. جلس وليد يعدّ قائمة بأسماء العمال والفنيين الذين سبق أن تعامل معهم. يتصل بهذا… ويكتب ملاحظات عن ذاك… ويجمع أرقام الموردين ومشرفي التنفيذ. وقال وهو يراجع ما دوّنه: — أول فرصة تأتينا يجب أن نجد أنفسنا مستعدين… لا نريد أن نبدأ بالارتباك. وفي الجهة الأخرى… كانت شروق تضع اللمسات الأخيرة على المكتب. تُعيد ترتيب بعض التفاصيل. تُعدّل توزيع الإضاءة. وتختار الزوايا التي تُظهر المكان بصورة أفضل. ثم بدأت تلتقط صورًا للمكتب. رفع علي نظره إليها وقال: — ماذا تفعلين؟ رفعت الهاتف وقالت بابتسامة هادئة: — دعاية. سننشر صور المكتب ونشرح كيف استطعنا استغلال مساحة محدودة وتحويلها إلى مكان عملي ومريح. إذا اقتنع الناس بما فعلناه هنا… سيثقون أننا نستطيع فعل الشيء نفسه لديهم. نظر إليها علي مبتسمًا وقال: — ممتاز… يبدو أن لدينا قسم تسويق أيضًا. ابتسمت دون أن ترد، وعادت لعملها. بعد أسبوع… فُتح باب المكتب فجأة. دخلت نهال بخطوات سريعة وابتسامة تحاول إخفا







