Masukالفصل الثاني عشر — أول ضحكة
وقف علي مكانه للحظات. نظراته ثابتة لقدام. وشروق واقفة جنبه مستغربة. بعدين أخد نفس ورجع طبيعي بسرعة كأنه ما حصلش حاجة. ابتسم وقال: — يلا. ومشي ناحية الشخص اللي واقف مع نهال. رفعت نهال عينها وشافته. ابتسمت وفرحت: — إيه ده! إنتوا جيتوا؟ قرب علي وسلم بهدوء. فقالت نهال: — أحب أعرفكم… أحمد زميلي في الشغل. بصله علي بسرعة. زميل. بس. حس براحة غريبة دخلت قلبه فجأة واستغرب من نفسه. صافحه بابتسامة: — أهلاً. وبدأ يهزر معاهم بشكل طبيعي جدًا. شروق كانت واقفة ساكتة تراقب. لاحظت إنه رجع يضحك تاني بعد ما كان واقف متوتر. بعد شوية قال علي: — يلا أوصلكم. اعترضوا. نهال قالت: — لا هنتصرف. لكن أصر. وفي النهاية وافقوا. ركبت نهال قدام. وشروق ركبت ورا. وطول الطريق… كان علي بيحكي مواقف مضحكة من الشغل والجامعة وطفولته. وكان بيقلد أصوات ناس. ونهال تضحك. ولأول مرة… شروق نفسها ضحكت. ضحكة طلعت منها تلقائي. ووقفت فجأة مستغربة نفسها. بص علي في المراية وشافها. فابتسم بدون ما يقول حاجة. وصلوا البيت. نزلوا وشكروه. وطلعوا. بعدها بساعة… راحت نهال عند شروق. قعدوا كعادتهم. وفجأة سألتها شروق بهدوء: — إ… انتى ما قولتيش إن أحمد حبيبك… مش هيكون زعلان؟ ضحكت نهال. — مين قال إنه حبيبي؟ استغربت. قالت نهال: — بصراحة أنا محتارة. سكتت شوية. وقالت: — وكل ما أشوف علي… بحس إني معجبة بيه. اتسعت عين شروق. — إ… إزاى؟ ضحكت نهال. — عادي. — ما ينفعش تحبي اتنين. ابتسمت نهال: — أنا أصلاً مش متأكدة من مشاعري. ولو اتأكدت… هاسيب التاني. سكتت شروق. لأول مرة تحس بحاجة غريبة جوة قلبها. مش عارفة إيه. لكن ضايقتها الجملة. بدأت الأيام تمشي. والشركة بقت أهدى. علاقة شروق بعلي ووليد اتحسنت. بقت تشارك في الكلام. وترد. وتضحك أحيانًا. وكان هدفها تثبت لنفسها إنها مش محتاجة شفقة من حد. وفي يوم… بلغهم علي إن ممدوح بيه عامل حفلة كبيرة بعد نجاح المشروع. ولازم يحضروا. بصتله شروق بقلق. — م… ممكن ما احضرش؟ استغرب. — ليه؟ قالت بعد تردد: — نهال مسافرة… ومش هاعرف أروح لوحدي. فكر شوية. وقال: — بسيطة. وليد ييجي ياخدك. سكتت. ثم قالت بتردد: — كنت… عاوزاها تساعدني أختار حاجة ألبسها. سكت علي. وبص لها. ولأول مرة… حس قد إيه هي وحيدة. فقال بهزار: — اعتبريني نهال. بصتله بذهول. — م… مش عارفة. ابتسم: — جربي. ولو ذوقي وحش… بلاش. بعد الشغل… قالها: — هنروح مشوار سريع. وركبوا. ولقت نفسها قدام محل فخم جدًا. ودخلت. واستغربت. المكان شبه فاضي. وعلي كلم الموظفين يهتموا بيها. بدأوا يجيبوا فساتين كتير. وشروق متوترة. وفي الآخر… اختار فستان بسيط لكنه شيك جدًا. قال: — جربي ده. دخلت. وبعد دقائق… خرجت. سكت علي ثانية. وبعدين صفر بإعجاب. وقام وقف. شروق اتكسفت وحاولت تغطي كتفها. — م… مكشوف. ابتسم: — تحفة عليكي. قالت بسرعة: — مش واخدة على كده. ضحك: — خلاص هناخده. وخدي كمان اتنين يريحوك. واختار لها فستانين أبسط. وهو مبسوط إنه أخيرًا شافها تجرب حاجة مختلفة. وصلها البيت. وقبل ما تمشي قال: — بكره وليد هيعدي عليكي. تاني يوم. بدأت الحفلة. الكل متشيك. ومستني شروق. وفجأة… دخلت. رفع علي عينه. وبص لها. واتجمد ثانية. ثم ضحك. كانت لابسة بلوزة بسيطة جدًا… وبنطلون كلاسيك. ولا كأنهم راحوا المحل أصلًا. قرب منها وقال وهو مبتسم: — بالرغم إني زعلان إنك ضيعتي تعبنا امبارح… بس مبسوط. رفعت عينها: — ليه؟ ابتسم: — لأنك اخترتي الحاجة اللي تريحك. وده أهم. وبص لها لحظة… وحس إنها مختلفة النهارده. أهدى. وأقوى. لكن قبل ما يكمل… اتغيرت ملامحه فجأة وهو بيبص ناحية باب القاعة… كأنه شاف حد دخّل لتوه… وخلاه ينسى كل حاجة دخلت بنت جميلة جدًا. شيك بشكل ملفت. فستانها أنيق وحضورها قوي. وفاء. أول ما شافها علي سكت لحظة. وشروق لاحظت التغيير. وليد كمان رفع حاجبه باستغراب. وفاء كانت خطيبة على بنت دكتور نجيب وعلاقتها بعلي انتهت من سنين. لكن اللي محدش يعرفه… إنها كانت صاحبة مازن. ومازن من وقت ما شروق ظهرت وخدت الاهتمام كله وهو متضايق بشكل واضح. كان حاسس إنها سرقت منه الأضواء. وفاء قربت بابتسامة هادية كأنها جاية تسلم عادي. سلمت على كام شخص. وبعدين وقفت بعيد وهي بتبص على شروق. نظرة طويلة. باردة. وفي نفس الوقت… فيها حاجة مريحتش شروق. شروق حاولت تتجاهل. لكن قلبها بدأ يدق أسرع. وفجأة… الشاشات الكبيرة اللي في القاعة اشتغلت. الناس سكتت. في الأول افتكروا إنه عرض للحفلة. لكن الصورة ظهرت… وفجأة… ظهر فيديو قديم. جودة ضعيفة. وصوت مشوش. كاميرات قديمة. وطفلة عندها حوالي أربعة عشر سنة. وشها شاحب. وعيونها مرعوبة. واتنين ماسكينها. وصوت حد بيقول: — المتهمة بقتل والدها… اتسعت عيون شروق. رجعت خطوة. إيديها بدأت ترتعش. الفيديو كمل. والكل بدأ يبص. والوشوش اتغيرت. همسات. صدمة. استغراب. حد قال: — دي هي؟ حد تاني: — معقول؟ شروق كانت واقفة مكانها. مش قادرة تتكلم. ولا تتحرك. وفاء كانت واقفة بعيد. هادية جدًا. ومازن واقف وسط الناس كأنه متفاجئ زيهم. ولا حد يقدر يثبت إنهم هما اللي نشروا الفيديو. علي بص للشاشة. وبعدين بص لشروق. وشاف لون وشها اختفى. وليد بص لها باستغراب وعدم استيعاب. أما باقي الموجودين… فكانت نظراتهم عليها كأنها رصاص. وشروق واقفة وسطهم… كأن الأرض انسحبت من تحت رجليها. النهايةانصرفت وفاء من الكافيه…لكن هذه المرة لم تكن هادئة كما بدت.كانت خطواتها ثابتة… إلا أن عينيها امتلأتا بغضب حاولت إخفاءه.ركبت سيارتها واتجهت مباشرة إلى شركة الريان.دخلت مكتب حمدي الريان.رفع عينيه إليها، وبمجرد أن رأى ملامحها قال بهدوء وكأنه يعرف الإجابة مسبقًا:— لا فائدة؟وقفت أمامه ثم هزّت رأسها بصمت.— لم أستطع إقناعه.أخذ نفسًا طويلًا، ثم مال إلى الخلف في مقعده وقال:— لا بأس.ثم ابتسم ابتسامة صغيرة لم تفهمها.— أنا أعرف جيدًا كيف أجعله يوافق… حتى لو رغماً عنه.رفعت وفاء نظرها إليه لكنها لم تسأل.في الجهة الأخرى…عاد علي إلى منزله.جلس لبعض الوقت.ثم أمسك هاتفه واتصل بنهال.مرة…واثنتين…وثلاثًا…لكنها لم ترد.في منزل شروق…كانت نهال ما تزال جالسة معها.رن الهاتف.نظرت إلى الشاشة ثم أغلقتها.رفعت شروق رأسها:— لن تردّي؟قالت نهال وهي تضع الهاتف جانبًا:— لا… أريد بعض الوقت.ثم نهضت وقالت:— سأصعد أضع حقائبي وأرى أمي… بالتأكيد تحسب الدقائق منذ عودتي.ثم التفتت لشروق:— وأنتِ؟ترددت شروق قليلًا.ثم قالت:— قد أتأخر قليلًا اليوم… وإذا نزلتِ ولم تجديني فلا تقلقي.نظرت إليها نهال باس
لم تنتظر نهال طويلًا.ما إن وصلت حتى اتجهت مباشرة إلى شقة شروق.طرقت الباب بسرعة.فتحت شروق…وفي اللحظة التالية فوجئت بنهال ترتمي بين ذراعيها وهي تبكي.أغلقت الباب بسرعة واحتضنتها.وقالت بقلق:— نهال… ماذا حدث؟دخلت نهال دون أن تجيب.جلست على الأريكة وهي تحاول أن تهدأ.ذهبت شروق وأحضرت لها كوب ماء وجلست بجانبها.وقالت بهدوء:— أخبريني يا حبيبتي… ماذا حدث؟أخذت نهال نفسًا طويلًا ثم قالت وهي تنظر أمامها:— علي كذب علي.رفعت شروق حاجبيها باستغراب.— كذب عليكِ؟هزت رأسها.وقالت بصوت مكسور:— كان متزوجًا… ولم يخبرني.سكتت شروق قليلًا.ثم قالت بهدوء:— هل سبق وسألته؟التفتت إليها نهال بسرعة:— لا… لكن هل هذه أشياء تُسأل؟ثم أضافت بضيق:— المفروض من غير ما أسأل… كان يحكي.إذا كان يعتبرني شخصًا مهمًا في حياته… كان يقول.سكتت شروق لحظة.ثم قالت بهدوء:— وهل الذي يزعجك أنه كان متزوجًا… أم أنه لم يخبرك؟توقفت نهال قليلًا.وفكرت.ثم قالت بصوت أخف:— ليس موضوع الزواج…أنا لا يهمني أن يكون له ماضٍ.لكن يزعجني أنه لم يقل.أشعر أنني كنت أعرف شخصًا… ثم اكتشفت أن هناك جزءًا كاملًا منه لا أعرفه.نظرت شر
فتح علي الباب… وتوقف للحظة عندما وجد شروق تقف أمامه. بدت مترددة قليلًا، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت محاولة كسر غرابة الموقف: — ماذا أفعل؟ نهال ستقتلني لو لم آتِ وأطمئن عليك. نظر إليها لثوانٍ وكأنه لم يتوقع وجودها. ثم ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه لأول مرة منذ ساعات. وابتعد عن الباب قليلًا: — تفضلي. دخلت شروق ونظرت حولها بهدوء. قال علي وهو يشير للمقاعد: — ماذا تشربين؟ جلست وقالت بسرعة: — لا شيء… أخبرني أولًا، هل حدث شيء أزعجك؟ نظر إليها للحظة. ثم أبعد عينيه وقال بهدوء: — لا شيء. نظرت إليه قليلًا، ثم هزت رأسها وكأنها لم تصدقه. وقفت فجأة. فرفع حاجبيه باستغراب. قالت بهدوء فيه شيء من المزاح: — حسنًا… بما أنك لا تريد الكلام، سأصنع لك شيئًا تشربه. ثم أكملت وهي تتحرك نحو المطبخ: — وعندما تقرر أن تتحدث… سأكون هنا. وقف ينظر إليها دون أن يرد. شعر للحظة أن هناك شيئًا مختلفًا. هذه ليست شروق التي كان يعرفها. ليست تلك الفتاة التي تحسب كلماتها قبل أن تنطق بها، وتتمنى أن ينتهي أي لقاء سريعًا. كانت أكثر راحة. أخف. تتحرك بحرية أكبر. وتتكلم دون ذلك التردد المعتاد. ابتسم دون
داخل قاعة الاجتماعات في شركة الريان…وقف علي أمام فريق المهندسين يشرح تفاصيل المشروع الجديد الذي ستتنافس عليه عدة شركات كبرى.كان يتحدث بثباته المعتاد، يوزع المهام، ويعرض التصورات الأولية، بينما تنعكس على الشاشة مخططات المشروع وأرقامه.لكن فجأة…فُتح باب القاعة.توقفت الكلمات.ورفعت جميع الرؤوس نحو الداخل.دخل حمدي الريان.والد علي.ساد الصمت لثوانٍ.أما علي فبقي واقفًا مكانه، لكن عينيه حملتا دهشة لم يستطع إخفاءها.لم يكن يتوقع حضوره.تقدم الأب بخطوات هادئة وجلس في المقعد المقابل له، وكأنه لم يغب يومًا.نظر علي إلى الحاضرين ثم قال بهدوء:— نكتفي بهذا القدر اليوم… سنستكمل لاحقًا.بدأ الجميع بالخروج.وبقي داخل القاعة:علي… ووالده… وريم… ووليد.نظر الأب إلى ابنه طويلًا ثم قال:— يبدو أنك لم تشتق إلى والدك.رفع علي عينيه إليه وأجاب بهدوء بارد:— ما سبب الزيارة؟ابتسم الأب ابتسامة قصيرة وقال:— هل نسيت أنني صاحب الشركة؟ثم أضاف:— كل هذه السنوات… لم تتصل بي مرة واحدة.سكت لحظة ثم أردف:— لكن هذا ليس موضوعنا الآن. المناقصة القادمة لا يجب أن تضيع.تنفس علي ببطء وقال:— ولهذا كنت أفكر في إعاد
مرت عدة أيام… وكان لأول مرة منذ فترة طويلة يمر الوقت على شروق دون أن تشعر أنها فقط تحاول النجاة. جلست ذات مساء تحسب ما بقي معها من المال. صمتت قليلًا. ثم أغلقت الدفتر. لم تكن تريد أن تنتظر فرصة. كانت تريد أن تصنع واحدة. في اليوم التالي خرجت واشترت بعض الخامات البسيطة. خيوط. خرز. قطع صغيرة كانت دائمًا تتوقف أمامها دون أن تشتريها. وعادت إلى المنزل. جلست على الأرض وبدأت تعمل. لم تكن تفكر في مشروع أو ربح. كانت فقط تريد أن تشغل عقلها. لكن شيئًا فشيئًا… بدأت القطع تخرج جميلة. إكسسوارات بسيطة. أشياء هادئة تشبهها. وبعد أيام قليلة جمعت ما صنعته وخرجت تعرضه على المحلات. الرفض جاء أكثر من مرة. بعضهم اعتذر. وبعضهم أخذ رقمها. ومحل صغير وافق أن يأخذ عددًا محدودًا كتجربة. وعندما باعت أول مجموعة… وقفت تنظر إلى المال في يدها. ثم ابتسمت. لم يكن المبلغ كبيرًا. لكن الإحساس كان مختلفًا. إحساس أنها بدأت تتحرك بنفسها. --- في المساء… كانت نهال جالسة معها تشاهد ما تصنعه. أخذت قطعة بين يديها وقالت بإعجاب: — هذه جميلة جدًا. ثم سكتت لحظة وقالت: — بالمناسبة… علي كلمني اليوم.
في صباح اليوم التالي… كان علي متجهًا إلى الشركة كعادته. لكن قبل أن يدخل إلى مكتبه مرّ بالممر الجانبي المؤدي إلى قسم الإدارة. وتوقف. لم يكن يقصد التنصت. لكن اسمًا واحدًا جعله يبطئ خطواته. شروق. كان مازن يقف يتحدث مع السكرتيرة بصوت منخفض ونبرة لا تخلو من التفاخر. وقال مبتسمًا: — كانت تعتقد أنها ستأخذ مكاني بهذه السهولة؟ ضحكت السكرتيرة بخفة. فأكمل: — كل ما احتجته دقائق… وبعدها انتهى كل شيء. سألته باهتمام: — لكن كيف وصل الفيديو أصلًا؟ ابتسم مازن وقال: — بعض الأشياء لا تحتاج أكثر من شخص يعرف أين يضعها. ثم قال وهو يضحك: — المهم أن الجميع رأى… وانتهى الموضوع. تغيرت ملامح علي. وتقدم بخطوات ثابتة. توقف الاثنان فور رؤيته. نظر علي إلى مازن مباشرة وقال بهدوء شديد: — تعال معي. دخل مكتبه. دخل مازن خلفه بثقة أقل قليلًا. أغلق علي الباب. ثم نظر إليه وقال: — من أين حصلت على الفيديو؟ تغير وجه مازن للحظة. ثم حاول التماسك: — حضرتك فهمت غلط… قاطعه علي: — سأكرر السؤال مرة واحدة. من أين حصلت عليه؟ ارتبك مازن. ثم بدأ يتكلم بسرعة: — أنا ل







