Masukالفصل الرابع عشر — بيت مؤقت
بعد أن خرج الطبيب، بقيت شروق لبعض الوقت جالسة على حافة السرير. بدأت تستعيد هدوءها تدريجيًا. نظرت حولها مرة أخرى. الغرفة واسعة. مرتبة. هادئة بشكل غريب. لا تشبه أي مكان اعتادت عليه. وقفت ببطء. فتحت الباب وخرجت. كان المكان واسعًا جدًا. أثاث بسيط لكنه أنيق. وصمت غير مألوف. بدأت تتجه نحو الباب الخارجي. لكن قبل أن تصل… ظهر علي. كان خارجًا من المطبخ يحمل كوب ماء. توقف عندما رآها. وقال بهدوء: — إلى أين؟ أجابته دون أن تنظر إليه: — سأذهب. نظر إلى الساعة. ثم قال: — الصباح لم يطلع بعد. رفعت عينيها وقالت: — يجب أن أعود. اقترب خطوة وقال بهدوء: — حسنًا… اشربي قهوة ونتحدث قليلًا، ثم أوصلك. تغيرت ملامحها فجأة. وقالت بعصبية واضحة: — لا أريد أن أتحدث مع أحد. ثم أكملت بصوت أخفض: — اتركوني وشأني. فتحت الباب. فخرج خلفها سريعًا. وقال: — انتظري. سكت لحظة ثم قال: — على الأقل دعيني أوصلك… وأعدك أننا لن نتحدث. وقفت. ثم وافقت بصمت. ركبت السيارة. وكان الطريق هادئًا. لم يتحدث أي منهما. كانت تنظر من النافذة. وهو يقود بصمت. حتى وصلوا إلى أول الشارع. لكن… كانت هناك زحمة غير طبيعية. سيارات كثيرة. أشخاص متجمعون. كاميرات. وقف علي فجأة. ثم نظر جيدًا. صحفيون. ومصورون. ويقفون أمام منزل شروق. شعرت شروق أن أنفاسها توقفت. وقالت بصوت منخفض: — ما هذا…؟ نظرت أكثر. بعضهم يحمل صورًا. وبعضهم يتحدث أمام الكاميرا. وكأنهم ينتظرونها. تراجعت إلى الخلف داخل المقعد. وقالت بسرعة: — لا… ثم همست: — لن أستطيع… نظر لها علي. ثم قال بهدوء: — لن تنزلي. رفعت رأسها. قال: — تعالي نرجع… ثم نفكر ماذا سنفعل. لم تعترض. فاستدار بالسيارة وعاد. عادا إلى الفيلا. دخلت شروق بصمت. أما علي فاتجه للمطبخ. وبعد دقائق عاد يحمل كأس عصير ليمون. ووضعه أمامها. جلسا في الحديقة. الهواء هادئ. والإضاءة خافتة. أخذت الكأس دون كلام. أما هو فظل ينظر إليها للحظات. كانت جالسة بهدوء. ملامحها متعبة. لكنها لا تشبه الصورة التي رآها على الشاشة. وفي داخله قال لنفسه: مستحيل… هذه الفتاة الهادئة… لا يمكن أن تكون كما يتحدث الناس. قطع الصمت وسأل: — ماذا ستفعلين؟ لم تجب. فسأل: — هل لديك أقارب أذهب بك إليهم؟ هزت رأسها بالنفي. قال: — ونهال؟ أجابته: — مسافرة… وستعود بعد أسبوع. فكر قليلًا. ثم قال: — إذن ابقي هنا. رفعت رأسها فجأة. وقامت من مكانها. وقالت بغضب: — كيف أبقى هنا؟ ثم نظرت له وقالت: — وحدنا؟ رفع يديه بهدوء. وقال: — لا ترفضي بسرعة. ثم أكمل: — لنفكر فقط… ما الحل الآخر؟ سكت لحظة ثم ابتسم ابتسامة خفيفة: — وإذا كان هذا يزعجك… يمكنني أن أذهب أنا. أجلس عند وليد. أو في أحد الشاليهات. وتبقين هنا براحتك. بدأ غضبها يهدأ. جلست مرة أخرى. ثم قالت بعد صمت: — بشرط… نظر لها. قالت: — ألا تسألني عن أي شيء. ابتسم بهدوء. وقال: — كما تريدين. وفي أي وقت… إذا أردتِ أن تتحدثي… أنا موجود. ساد الصمت. وللحظات… رفع كل واحد منهما عينيه نحو الآخر. وتوقفت الكلمات. تعمقت شروق فى عيون على ثم انتبهت فجأه فخفضت نظرها سريعًا. ابتسم علي بخفة. ثم وقف. وقال: — سأذهب إلى الشركة. وأنتِ خذي وقتك. ثم نظر حوله وقال: — البيت بيتك. خرج. وبقيت شروق وحدها. تنظر إلى الباب الذي أغلق خلفه. ولأول مرة منذ سنوات… شعرت أن المكان الكبير… لا يبدو مخيفًا. بقيت شروق وحدها في الحديقة. الهواء هادئ. لكن عقلها لم يكن كذلك. وقعت عيناها على هاتف علي الموضوع على الطاولة. ترددت. ثم أضاءت الشاشة. اسم المتصل: نهال. ترددت ثانية. لكنها ضغطت زر الإجابة. جاءها صوت نهال سريعًا ومتوترًا: — شروق! أخيرًا! أنا أتصل بك منذ الأمس، هاتفك مغلق… أقلقتِني كثيرًا، ماذا حدث؟ أغلقت شروق عينيها للحظة. وقالت بصوت منخفض: — كيف عرفتِ؟ سكتت نهال لحظة ثم قالت: — ماذا تعنين كيف عرفت؟ الخبر في كل مكان. السوشيال ميديا كلها تتكلم. أنا بعيدة عنك وقلقانه جدا عليكى ثم سكتت فجأة وقالت باستغراب: — لحظة… أنتِ رددتِ على هاتف علي؟ رفعت شروق رأسها. ثم قالت بهدوء: — لقد نسي هاتفه هنا. سكتت نهال لحظة. وقبل أن تتكلم… دخل علي من باب الحديقة. كان يمشي بسرعة ثم توقف عندما رآها تحمل الهاتف. ابتسم قليلًا وقال: — آسف… نسيت هاتفي. رفعت شروق الهاتف نحوه. ثم قالت: — نهال معى قالت شروق بسرعة: — سأكلمك لاحقًا… لا تقلقي عليّ. ثم أنهت المكالمة. أعطته الهاتف. وسكتت قليلًا. ثم قالت: — نهال قالت إن الخبر منتشر. نظر إليها. ثم فتح هاتفه. بدأ يقرأ. وتدريجيًا… اختفت ملامح الهدوء من وجهه. مقاطع منتشرة. عناوين. تعليقات. صور قديمة. وكلمات أكبر من الحقيقة. أخبار تتحدث وكأنها تعرف كل شيء. وبين المنشورات… ظهر اسم الشركة. وظهر عنوان كبير: «فضيحة داخل شركة الريان… وتوظيف مهندسة ارتبط اسمها بقضية قديمة». وقف يقرأ. ثم أغلق الهاتف ببطء. شعرت شروق بالتغير في ملامحه. فسألته: — ماذا حدث؟ رفع عينيه إليها. وللحظة… لم يعرف ماذا يقول. لكنه ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: — لا تقلقي. ثم وضع الهاتف في جيبه. — اصعدي واستريحي. نظرت إليه. — ماذا حدث؟ أجاب بهدوء: — سأذهب إلى الشركة وأعرف التفاصيل. وقبل أن يتحرك… قالت بصوت خافت: — لو رأيت أن وجودي سيسبب مشكلة… سأتفهم. توقف مكانه. التفت إليها. وظل ينظر إليها لحظات. ثم قال: — عندما أعرف الحقيقة… أقرر. أما الآن… فاستريحي. ثم أخذ مفاتيحه وغادر. وبقيت شروق وحدها. تنظر إلى الباب. ولأول مرة منذ زمن… لم تخف من كلام الناس. بل خافت من شيء واحد فقط… أن يعود علي… وينظر إليها بنفس النظرة التي اعتادت رؤيتها في عيون الجميع. أما علي… فكان يقود بسرعة. والهاتف لا يتوقف عن الرنين. حتى ظهر اسم جديد على الشاشة: وليد رد. فجاءه الصوت مباشرة: — علي… لازم تيجي الشركة حالًا.لم تنتظر نهال طويلًا.ما إن وصلت حتى اتجهت مباشرة إلى شقة شروق.طرقت الباب بسرعة.فتحت شروق…وفي اللحظة التالية فوجئت بنهال ترتمي بين ذراعيها وهي تبكي.أغلقت الباب بسرعة واحتضنتها.وقالت بقلق:— نهال… ماذا حدث؟دخلت نهال دون أن تجيب.جلست على الأريكة وهي تحاول أن تهدأ.ذهبت شروق وأحضرت لها كوب ماء وجلست بجانبها.وقالت بهدوء:— أخبريني يا حبيبتي… ماذا حدث؟أخذت نهال نفسًا طويلًا ثم قالت وهي تنظر أمامها:— علي كذب علي.رفعت شروق حاجبيها باستغراب.— كذب عليكِ؟هزت رأسها.وقالت بصوت مكسور:— كان متزوجًا… ولم يخبرني.سكتت شروق قليلًا.ثم قالت بهدوء:— هل سبق وسألته؟التفتت إليها نهال بسرعة:— لا… لكن هل هذه أشياء تُسأل؟ثم أضافت بضيق:— المفروض من غير ما أسأل… كان يحكي.إذا كان يعتبرني شخصًا مهمًا في حياته… كان يقول.سكتت شروق لحظة.ثم قالت بهدوء:— وهل الذي يزعجك أنه كان متزوجًا… أم أنه لم يخبرك؟توقفت نهال قليلًا.وفكرت.ثم قالت بصوت أخف:— ليس موضوع الزواج…أنا لا يهمني أن يكون له ماضٍ.لكن يزعجني أنه لم يقل.أشعر أنني كنت أعرف شخصًا… ثم اكتشفت أن هناك جزءًا كاملًا منه لا أعرفه.نظرت شر
فتح علي الباب… وتوقف للحظة عندما وجد شروق تقف أمامه. بدت مترددة قليلًا، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت محاولة كسر غرابة الموقف: — ماذا أفعل؟ نهال ستقتلني لو لم آتِ وأطمئن عليك. نظر إليها لثوانٍ وكأنه لم يتوقع وجودها. ثم ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه لأول مرة منذ ساعات. وابتعد عن الباب قليلًا: — تفضلي. دخلت شروق ونظرت حولها بهدوء. قال علي وهو يشير للمقاعد: — ماذا تشربين؟ جلست وقالت بسرعة: — لا شيء… أخبرني أولًا، هل حدث شيء أزعجك؟ نظر إليها للحظة. ثم أبعد عينيه وقال بهدوء: — لا شيء. نظرت إليه قليلًا، ثم هزت رأسها وكأنها لم تصدقه. وقفت فجأة. فرفع حاجبيه باستغراب. قالت بهدوء فيه شيء من المزاح: — حسنًا… بما أنك لا تريد الكلام، سأصنع لك شيئًا تشربه. ثم أكملت وهي تتحرك نحو المطبخ: — وعندما تقرر أن تتحدث… سأكون هنا. وقف ينظر إليها دون أن يرد. شعر للحظة أن هناك شيئًا مختلفًا. هذه ليست شروق التي كان يعرفها. ليست تلك الفتاة التي تحسب كلماتها قبل أن تنطق بها، وتتمنى أن ينتهي أي لقاء سريعًا. كانت أكثر راحة. أخف. تتحرك بحرية أكبر. وتتكلم دون ذلك التردد المعتاد. ابتسم دون
داخل قاعة الاجتماعات في شركة الريان…وقف علي أمام فريق المهندسين يشرح تفاصيل المشروع الجديد الذي ستتنافس عليه عدة شركات كبرى.كان يتحدث بثباته المعتاد، يوزع المهام، ويعرض التصورات الأولية، بينما تنعكس على الشاشة مخططات المشروع وأرقامه.لكن فجأة…فُتح باب القاعة.توقفت الكلمات.ورفعت جميع الرؤوس نحو الداخل.دخل حمدي الريان.والد علي.ساد الصمت لثوانٍ.أما علي فبقي واقفًا مكانه، لكن عينيه حملتا دهشة لم يستطع إخفاءها.لم يكن يتوقع حضوره.تقدم الأب بخطوات هادئة وجلس في المقعد المقابل له، وكأنه لم يغب يومًا.نظر علي إلى الحاضرين ثم قال بهدوء:— نكتفي بهذا القدر اليوم… سنستكمل لاحقًا.بدأ الجميع بالخروج.وبقي داخل القاعة:علي… ووالده… وريم… ووليد.نظر الأب إلى ابنه طويلًا ثم قال:— يبدو أنك لم تشتق إلى والدك.رفع علي عينيه إليه وأجاب بهدوء بارد:— ما سبب الزيارة؟ابتسم الأب ابتسامة قصيرة وقال:— هل نسيت أنني صاحب الشركة؟ثم أضاف:— كل هذه السنوات… لم تتصل بي مرة واحدة.سكت لحظة ثم أردف:— لكن هذا ليس موضوعنا الآن. المناقصة القادمة لا يجب أن تضيع.تنفس علي ببطء وقال:— ولهذا كنت أفكر في إعاد
مرت عدة أيام… وكان لأول مرة منذ فترة طويلة يمر الوقت على شروق دون أن تشعر أنها فقط تحاول النجاة. جلست ذات مساء تحسب ما بقي معها من المال. صمتت قليلًا. ثم أغلقت الدفتر. لم تكن تريد أن تنتظر فرصة. كانت تريد أن تصنع واحدة. في اليوم التالي خرجت واشترت بعض الخامات البسيطة. خيوط. خرز. قطع صغيرة كانت دائمًا تتوقف أمامها دون أن تشتريها. وعادت إلى المنزل. جلست على الأرض وبدأت تعمل. لم تكن تفكر في مشروع أو ربح. كانت فقط تريد أن تشغل عقلها. لكن شيئًا فشيئًا… بدأت القطع تخرج جميلة. إكسسوارات بسيطة. أشياء هادئة تشبهها. وبعد أيام قليلة جمعت ما صنعته وخرجت تعرضه على المحلات. الرفض جاء أكثر من مرة. بعضهم اعتذر. وبعضهم أخذ رقمها. ومحل صغير وافق أن يأخذ عددًا محدودًا كتجربة. وعندما باعت أول مجموعة… وقفت تنظر إلى المال في يدها. ثم ابتسمت. لم يكن المبلغ كبيرًا. لكن الإحساس كان مختلفًا. إحساس أنها بدأت تتحرك بنفسها. --- في المساء… كانت نهال جالسة معها تشاهد ما تصنعه. أخذت قطعة بين يديها وقالت بإعجاب: — هذه جميلة جدًا. ثم سكتت لحظة وقالت: — بالمناسبة… علي كلمني اليوم.
في صباح اليوم التالي… كان علي متجهًا إلى الشركة كعادته. لكن قبل أن يدخل إلى مكتبه مرّ بالممر الجانبي المؤدي إلى قسم الإدارة. وتوقف. لم يكن يقصد التنصت. لكن اسمًا واحدًا جعله يبطئ خطواته. شروق. كان مازن يقف يتحدث مع السكرتيرة بصوت منخفض ونبرة لا تخلو من التفاخر. وقال مبتسمًا: — كانت تعتقد أنها ستأخذ مكاني بهذه السهولة؟ ضحكت السكرتيرة بخفة. فأكمل: — كل ما احتجته دقائق… وبعدها انتهى كل شيء. سألته باهتمام: — لكن كيف وصل الفيديو أصلًا؟ ابتسم مازن وقال: — بعض الأشياء لا تحتاج أكثر من شخص يعرف أين يضعها. ثم قال وهو يضحك: — المهم أن الجميع رأى… وانتهى الموضوع. تغيرت ملامح علي. وتقدم بخطوات ثابتة. توقف الاثنان فور رؤيته. نظر علي إلى مازن مباشرة وقال بهدوء شديد: — تعال معي. دخل مكتبه. دخل مازن خلفه بثقة أقل قليلًا. أغلق علي الباب. ثم نظر إليه وقال: — من أين حصلت على الفيديو؟ تغير وجه مازن للحظة. ثم حاول التماسك: — حضرتك فهمت غلط… قاطعه علي: — سأكرر السؤال مرة واحدة. من أين حصلت عليه؟ ارتبك مازن. ثم بدأ يتكلم بسرعة: — أنا لم أقصد الضرر للشركة… أنا فقط… رفع
جلسوا أمام البحر وقتًا أطول مما توقعوا. ومع مرور الوقت بدأ ثقل اليوم يخف شيئًا فشيئًا. تحدثت نهال عن رحلاتها ومواقفها الطريفة، وكان علي يعلق بطريقته الساخرة المعتادة، بينما اكتفت شروق بالاستماع أغلب الوقت. لكنها لاحظت شيئًا لم تنتبه له منذ زمن… أنها لم تكن متوترة. لم تكن تفكر كيف تجلس أو كيف تتكلم أو هل يلاحظ أحد ارتباكها. كانت فقط موجودة. وحين بدأ الجو يبرد، أخرج علي بطاقة صغيرة من محفظته ومدها إليها. ترددت لحظة ثم أخذتها ونظرت إليه باستفهام. قال بهدوء: — هذا رقم الدكتورة ريهام. ظلت تنظر إليه دون أن تتكلم. فأكمل: — لا أطلب منك قرارًا الآن… ولا أنتظر منك وعدًا. احتفظي به فقط. وفي اليوم الذي تشعرين فيه أنك مستعدة للكلام… أو حتى للجلوس دون كلام… اتصلي. سكت قليلًا ثم أضاف: — ليس لأنك تحتاجين أن تصبحي شخصًا آخر… ولكن لأن بعض الطرق لا يجب أن نمشيها وحدنا. نظرت إلى البطاقة للحظة طويلة. ثم وضعتها داخل حقيبتها بهدوء. ولم يضغط أحد عليها. عادوا. وفي الطريق كانت الأحاديث عادية وخفيفة. نهال تحكي. وعلي يرد. وشروق تنظر من النافذة وتستمع. ولأول مرة منذ وقت طويل لم تكن تشعر







