LOGINبينما كانت السيارة تشق الطريق، اهتز هاتف شروق في يدها معلناً وصول رسالة جديدة. فتحتها لتجدها من عليّ، وكان نصها موجزاً وحاسماً: "لا تتأخري كثيراً في العودة". ارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة عفوية لم تستطع إخفاءها، وضغطت على الشاشة لتكتب ردها السريع برقة: "حاضر.. أي أوامر أخرى؟". لاحظ سليم بطرف عينه انشغالها التام بالهاتف وتلك الابتسامة التي أضاءت وجهها، فشعر بوخزة من القلق لكنه لم يعلق. وبعد دقائق معدودة، اهتز الهاتف مجدداً برسالة أخرى من عليّ يقول فيها: "لن أنام حتى أتأكد أنكِ وصلتي بيتكِ سالمة". قرأت الكلمات وشعرت بأمان جارف يجتاح قلبها، وبدون أن تدرك، ردت بصوت هامس مسموع وهي تبتسم للشاشة: — حاضر.. التفت إليها سليم ورفع حاجبيه باستغراب قائلًا: — هل هناك شيء ضروري أو طارئ يحدث؟ انتبهت شروق لنفسها وارتبكت قليلاً، ثم حاولت تدارك الموقف فقالت بسرعة وهي تخفي شاشة الهاتف: — لا.. لا يوجد شيء، هذا أمر خاص بالعمل فقط. وحتى تقطع الشك باليقين، وضعت الهاتف داخل حقيبتها وأغلقتها بإحكام. بعد فترة وجيزة، انحرفت السيارة ودخلت إلى منطقة ميناء اليخوت بالإسكندرية، حيث كانت أ
لقد وصل سليم في وقت قياسي لم يتخيله أحد. توقفت السيارة الفارهة، وانفتح الباب لينزل منها بكامل أناقته وثقته المعهودة. في تلك اللحظة، مال عم محسن نحو عليّ وهمس في أذنه بنبرة شبه مسموعة: — يبدو أنك في منافسة شرسة جداً يا بشمهندس.. هذا الشاب ليس سهلاً. بينما وقفت شروق مندهشة تماماً، وعيناها متسعتان وهي تتساءل في سرها كيف استطاع الوصول بهذه السرعة، وكيف قطع كل هذه المسافة بمجرد أن أرسلت له الموقع! اقترب سليم بخطوات واثقة، وألقى التحية بتهذيب شديد على عم محسن وزوجته، ثم التفت نحو عليّ وصافحه بقوة، قبل أن يتجه مباشرة نحو شروق. تلاقت عيناه بعينيها، وقال بنبرة دافئة تحمل الكثير من الاهتمام: — أهلاً يا شروق.. الحمد لله أنني وصلت. حقيقةً، كنتُ قلقاً عليكِ جداً، وخفت أن يكون هذا المكان منقطعاً في ظلمة الليل والوقت متأخر. لم يحتمل عليّ نبرة الوصاية في كلمات سليم، فتحرك خطوة للأمام وتدخل فجأة بصوت صارم وحاد، قائلاً: — وكيف تقلق عليها وهي معي؟ شروق في أمان تماماً، وليست في مكان منقطع ما دمتُ بجوارها. حافظ سليم على هدوئه وابتسامته الدبلوماسية، والتفت نحو عليّ يرد بذوق ظاهري يغلف تحدياً مب
اعتدل عليّ في وقفته ببطء شديد، وهو يحاول جاهداً استجماع ثباته الذي طار في الهواء. رفع عينيه ونظر إلى صاحب الفراغ المخيم أمامه، فوجد "عم محسن" صاحب المزرعة واقفاً يحدق فيه بنظرات حملت خليطاً من الاستغراب التام والدهشة. ابتلع عليّ ريقه، وتجمدت الكلمات في حلقه، ولم يعرف كيف يفسر موقفه وهو منحني بجوار عجلات سيارته الأربعة الفارغة من الهواء. وقبل أن يفتح عم محسن فمه ليسأل أو يستفسر عن هذه الجريمة الدبلوماسية الصغيرة، شق سكون الليل صوت خطوات سريعة مقبلة من جهة الحفل. كانت شروق قادمة باتجاههما بخطوات عجولة، وهي تنظر في ساعة يدها—وقالت بنبرة متلهفة: — هيا بنا يا علي، لقد تأخر الوقت كثيراً ولا بد أن نتحرك فوراً حتى لا أتأخر عن موعد سليم، لقد اتصل بي قبل قليل وأصبح قريباً. عند سماع اسم "سليم"، التفت عم محسن ونظر إلى وجه عليّ المخطوف، ثم هبط بنظراته إلى الأرض حيث العجلات الهابطة تماماً، وهنا.. ارتسمت على وجه الرجل الريفي العجوز ابتسامه خبيثة وذكية للغاية، ابتسامة رجل عركته الأيام وفهم على الفور، وبدون أن يسأل حرفاً واحداً، طبيعة اللعبة وجنون الغيرة الذي دفع المهندس الشاب لتخريب سيارته ب
وقفت نهال تراقب المشهد وعيناها متسعتان من فرط الدهشة؛ فرغم أنها كانت تعلم كم المعزة التي تكنّها شروق لعلي، إلا أن رد فعلها العفوي والاندفاع القوي نحو حضنه جعل كل الشكوك بداخلها تتلاشى تماماً. تأكدت نهال في تلك اللحظة، بيقين لا يداخله شك، أن ما تشعر به شروق تجاه علي يتخطى حدود الصداقة بمسافات ضوئية؛ إنه حب جارف وشديد، حتى وإن لم تدركه شروق أو تعترف به لنفسها حتى الآن. مرت دقيقة كاملة كأنها دهر، صمتت فيها الأصوات وتحدثت دقات القلوب. وفجأة، التمعت ومضة من الوعي في عقل شروق، وأدركت أن هذا الحضن الدافئ الآمن الذي تتشبث به ليس سوى حضن علي! تملكها ارتباك مباغت، فابتعدت عنه برفق وهي تتنفس ببطء، واشتعلت خدودها بحمرة الخجل الشديد التي صبغت وجهها بالكامل، وحاولت جاهدة ألا تلتقي عيناها بعينيه. تأمل علي ملامحها الخجولة، وظل محتفظاً بهدوئه، ثم ابتسم ابتسامة وقورة وخفيفة اتسعت لتصل إلى عينيه، وقال بنبرة هادئة ومداعبة محاولاً تخفيف حدة الموقف وجبر ارتباكها: — إذاً.. ما هو تقييمكِ النهائي لنا بدون مجاملات يا بشمهندسة؟ هل نجحنا في الاختبار؟ لم تقو شروق على الوقوف أكثر، فارتمت على المقعد الوثير
ردت شروق على سليم بنبرة حاولت جعلها طبيعية وهادئة: — أهلاً يا سليم.. إزيك؟ وأنت كمان ليك وحشة والله، لعلك بخير. في تلك اللحظة، شعر علي وكأن شحنة من الكهرباء سرت في جسده. امتلأت عيناه بالغيظ والضيق المكتوم، وضغط بكل قوته على مقود السيارة حتى ابيضت قواطع أصابعه، محاولاً كبح جماح غيرته العارمة التي اشتعلت فجأة دون إرادته وهو يستمع لنبرتها الودودة مع سليم. أما سليم، فجاء صوته عبر الهاتف عاتباً ولكن بنعومة: — إذاً، لو لم أسأل أنا وأبادر بالاتصال فلن تسألي أنتِ أبداً.. أليس كذلك يا شروق؟ شعرت بالحرج، ونظرت بطرف عينها إلى ملامح علي المتصلبة بجوارها، وقالت مبررة: — اعذرني يا سليم.. لقد توالت الأحداث بكثافة في الفترة الماضية، وانشغلنا جداً في تفاصيل العمل وضغوطه فور عودتنا، أرجو ألا تقبل على خاطرك. رد سليم بنبرة رضا متبسمة: — إذاً.. سأقبل الاعتذار، ولكن بشرط واحد لا رجعة فيه. ابتسمت شروق خفية وقالت: — وما هو هذا الشرط؟ أجابها سليم بحسم ودود: — سأكون في الإسكندرية غداً صباحاً.. والشرط هو أن تعزميني على العشاء لنعوض ما فاتنا من حديث. سكتت شروق لثوانٍ، ودارت الأف
أمسك علي بالعلبة، وأخرج الساعة منها بحرص شديد، وقال بنبرة دافئة وهو ينظر إليها مباشرة: — عموماً.. هذه أجمل هدية جاءتني في حياتي. دون تردد، خلع الساعة التي كان يرتديها في يده، ولبس الساعة الجديدة التي أحضرتها له، وكأنه يعلن لها أن مكانتها عنده تفوق أي شيء آخر. نظرت شروق إلى يده، وشعرت برعشة خفيفة في قلبها، لكنها سرعان ما استعادت هدوءها. عاد الاثنان إلى العمل، وانضم إليهما وليد بعد دقائق، ونجحوا خلال ساعات في إنهاء التصميم النهائي لمشروع "بيت المزرعة" وإرساله إلى أصحاب العمل، وجاء الرد سريعاً بالموافقة التامة والإعجاب الشديد. خلال الأيام التالية، بدأت شروق تقود صراعاً داخلياً مع نفسها؛ حاولت جاهدة إقناع عقلها بأن موقف علي وحياته الشخصية لا يجب أن يؤثرا عليها بأي شكل من الأشكال، مادامت قد وضعت حداً لعواطفها وتعتبره مجرد صديق مقرب وليس حبيباً. ضغطت على مشاعرها، وحاولت جاهدة أن تتناسى مشهد وفاء، ودفنت نفسها في العمل المتواصل لتتخطى هذا الوجع. انشغل الجميع تماماً في الإشراف على اللمسات الأخيرة لبيت المزرعة، وكان الوقت يداهمهم؛ فلم يتبقَّ سوى أسبوع واحد فقط على موعد عيد ميلاد زوجة صا







