تسجيل الدخولبالفعل، لم تمر سوى أيام قليلة حتى هبطت صاعقة العقاب فوق رؤوس الأفاعي بـلا رحمة؛ خسر حمدي الريان ملايين الدولارات في البورصة في غضون ساعات، وانخفضت أسهم مجموعته الاستثمارية إلى الحضيض لتعلن الشركات إفلاسها الوشيك. ولم يكد يستوعب الصدمة الاقتصادية، حتى تفاجأ بقوات الأمن تطوق قصره، ليلقى القبض عليه وعلى زوجته نجوان متلبسين بالتورط في قضايا كبرى للاستيلاء على أراضي الدولة بـمستندات مزورة، فضلاً عن اتهامهم الرسمي بتقديم رشاوى مالية ضخمة لـمسؤولين كبار، موثقة بالصوت والصورة بـأدلة دامغة لا تقبل الشك. تفاجأ عليّ بالخبر الذي هز الرأي العام، وبالرغم من حنقه الشديد القديم على والده وما فعله في حياته، إلا أن غريزة الابن والأصول والدم ثارت في صدره؛ فهو لا يريد، بـكبريائه، أن يرى والده ذليلاً خلف القضبان الحديدية. وبـالتقصي السريع والذكي حول الحقائق الخفية ومَن الذي استطاع جمع هذه الأدلة وبـهذا النفوذ الدولي، عرف بـاليقين أن شروق.. هي العقل المدبر ومَن تقف خلف هذه الحوادث العاصفة! اشتعلت النيران في صدر عليّ، فـذهب إليها غاضباً كالوحش الكاسر في شقتها الجديدة الفاخرة التابعة للشركة العالمية بالإ
نظرت شروق في عينيه بـصلابة مصطنعة، وحاولت جاهدة التملص من حصاره وهي تقول بـنبرة جافة تحترق وجعاً: — "هل تظن حقاً بـأن تلك الكلمات العاطفية التي قلتها الآن سـتجعلني أحبك من جديد؟! أنا لم أعد أحب بـتاتاً يا بشمهندس.. قلبي مات، وهذا الموضوع بـأكمله انتهى وطُوي لـلأبد !". شعر عليّ بـخنجر الندم يمزق أحشاءه، وخفض نبرة صوته الرجولي المبحوح وهو يقول بـرجاء حارق: — "أنا آسف.. أنا آسف بـحق على كل كلمة قبيحة نطق بها لساني وجرحت شرفكِ بالأمس، ولكنكِ أنتِ.. أنتِ مَن جعلتِني أعتقد ذلك بـتمثيلكِ المتقن وبـاعتراف لسانكِ القاسي على الشاطئ!". استشاطت شروق غضباً، وطفرت دمعة مقهورة من عينيها وهي تصرخ بـصوت مخنوق: — "وهل هنتُ عليك إلى هذه الدرجة اللعينة؟! هل هانت عليك شروق حبيبتك لتفكر فيّ بـهذا السوء والدناءة وتتهمني في عفتي بـهذه السهولة؟! هل هذا هو حبك وثقتك ؟!". رد عليّ بـلوعة وعروق جبهته تكاد تنفجر من الألم: — "يا شروق، أنا رأيتكِ بـعيني هاتين تنصهرين بـين أحضان سليم ويقبلكِ أمام الفندق! ، ماذا كنتُ سـأفعل في تلك الثواني القاتلة؟! هل أصفق لكِ مباركاً، أم أقف متفرجاً وأستمتع بـما تراه
لم يفتح عليّ الباب، ولم يندفع كـالمجنون لـيفضح حقيقة أنه كان يستمع خلف الجدران؛ بل التقط أوراقه المبعثرة من على الأرض بـأصابع ترتجف، وابتعد بـخطوات هادئة كـالموتى عن ممر غرفتها، ودخل إلى غرفته الخاصة بـالموقع وهو يشعر بـأن جدران الكون تضيق من حوله. جلس على حافة الفراش، ووضع رأسه بين كفيه، وعقله يكاد ينفجر من فرط الصدمة والأدرينالين. هل يُعقل كل ما سمعته أذناه لتوّه؟! هل ضحت شروق بـاسمها، وشرفها، وسعادتها بـكامل إرادتها لـأجل حمايته وإبقائه على قيد الحياة؟! هل ذهبت لـتلقي بـنفسها في أحضان سليم كـذباً لـتحميه من الخطر؟! ثارت التساؤلات في صدره كـالإعصار: "هل أذهب إليها الآن بـدموعي وأسألها عن الحقيقة؟.. لا، بالطبع سـتنكر بـذكائها، فهي تملك جينات عناد صلبة، وطالما أقسمت لـنهال ألا تخبرني لـتضمن أماني، فـلن تبوح لي بـشيء!". تذكر عقله الهندسي الصارم قاعدة التحري؛ فـتمتم بـصوت مبحوح: "لابد أن أتحرى الدقة الكاملة بـنفسي، وأجمع أطراف الخيط قبل أن أتصرف بـرعونة!". دون تردد، التقط هاتفه واتصل بـرقم غريمه القديم "سليم المنشاوي". رن الهاتف لـمرات، وتردد سليم بـالفعل وتوجس بـداخله قبل أن يرد ع
ذهبت شروق بعد فترة وجيزة لـمتابعة مجريات الأعمال الهندسية بـشكل ميداني في أرض رأس الحكمة، ونظراً لـضخامة المرحلة الحالية وأهميتها الاستثمارية، تم تجهيز غرفة فاخرة وخاصة لها هناك في المقر الإداري لـتكون بمثابة استراحة مؤقتة لها. التفتت شروق نحو مساعدتها الخاصة وقالت بـنبرة رسمية وهادئة: — "سـأبقى هنا في الموقع لـمدة يومين لـلإشراف التام والانتهاء من هذه المرحلة الحرجة، وأي أوراق أو عقود تحتاج إلى توقيعي احضريها لي هنا في الغرفة فوراً". وتفاجأ عليّ ووليد بـبقائها وإقامتها معهم في نفس محيط الموقع، وهو الأمر الذي فرض حالة من الطوارئ الصامتة. وفي نهاية ذلك اليوم الشاق، فاجأت شروق الجميع بـلفتة إنسانية غاية في النبل؛ حيث جعلت مساعديها يرسلون مئات الوجبات الفاخرة والمشروبات المثلجة لـكافة العمال والمهندسين بـلا استثناء، كـمكافأة مباشرة لهم على تعبهم وعرقهم تحت أشعة الشمس. ولم تكتفِ بـذلك؛ بل وقفت وسط الهتافات وقالت بـصوت جهوري دافئ: "بـناءً على توجيهات الإدارة، سيتم صرف مكافأة تعادل أجر شهر كامل لكل فرد منكم، نتيجة لـتعبكم وإخلاصكم في إنجاز هذا العمل!". تعالت صيحات الفرح والدعاء من الع
وبعد أيام، وفي قلب قرية "رأس الحكمة" الساحلية، حيث تباشر الشركة العالمية مشروع بناء مدينة سياحية وضخمة على أرض مصرية، كان عليّ ووليد متواجدين في موقع العمل وسط الأتربة والخرسانات، يضعان التعليمات النهائية والخطط الهندسية مع المهندسين والعمال بـكل صرامة. وفي غمرة انشغالهم، قاطع سكون الموقع هدير سيارة سوداء وفارهة تتقدم بـهيبة، توقفت سريعا ونزل منها السائق بـعجلة لـيفتح الباب الخلفي، لـتنزل منه شروق بـكامل أناقتها، وتتبعها سيارة أخرى نزل منها وفد المساعدين والمستشارين الأجانب. ترجلت شروق وهي ترتدي نظارة شمسية سوداء قاتمة وبـملابسها الرسمية الصارمة التي تتحدى طبيعة الموقع الصحراوية، واتجهت نحوهم بـخطوات واثقة وقالت بـصوت هادئ: — "صباح الخير جميعاً". سلمت بـرأسها على عليّ ووليد بـرسمية جافة، ثم تابعت بـعملية: "أخبرني يا بشمهندس وليد.. ما هي أخبار التصميمات الهندسية والإنشائية النهائية لـلموقع؟" بدأ وليد بـسرعة يفتح اللوحات والتصميمات الكبرى على طاولة خشبية مؤقتة، وفي تلك اللحظة خلعت شروق نظارتها الشمسية بـحسم، ووقفت تتفحص كل جزء وكل زاوية في الرسم بـمهنية عالية وثقابة هندسية ملفتة
كانت شروق تجلس بـثقة بالغة وشموخ ساحر على مقعد رئيس مجلس الإدارة، تطوف بـنظراتها الباردة والمتساوية على جميع الحاضرين كأنهم مجرد أرقام في صفقة تجارية؛ بدت كأنها لا ترى عليّ بـالذات في وسط المتواجدين، ولكن قلبها في الحقيقة كان يشتعل بـداخلها كـالبركان الثائر من فرط الشوق والوجع. إلا أنها طوال عامين من الاغتراب في دبي، أصبحت محترفة بـشكل مرعب، لـدرجة أن تقاطيع وجهها لم تعد تشتعل خجلاً أو ارتباكاً عندما تراه أو تتذكر ليلتهما الأخيرة بـالمسطرة. أما في الطرف الآخر من القاعة، فقد كان الذهول المطلق والأخرس هو سيد الموقف؛ تجمد عليّ ووليد ومعهما الوالد حمدي الريان في مقاعدهم، ولم تنطق ألسنتهم بـحرف واحد من فرط الصدمة! كانت التساؤلات تنهش عقولهم: كيف وصلت هذه الفتاة إلى هذه المكانة الدولية المرموقة بـهذه السرعة الخيالية؟! وانتبه الجميع بـأنفاس مكتومة لـكلماتها الرسمية الصارمة. أمسكت شروق بـملفات العروض؛ وبعد أن درست جميع العروض المقدمة بـدقة، وجدت أن عرض شركة عليّ هو الأفضل والأقوى هندسياً ومالياً بـالفعل. دار صراع عنيف في عقلها وثارت في صدرها التساؤلات: هل ترفض عرضه وتستبعده لـكي يبتعد
سرى الخجل في أوصال شروق كتيار كهربائي، وشعرت بوجنتيها تشتعلان حمرة بعد أن أدركت ما قالته . حاولت سريعاً لملمة ارتباكها والهروب من نظرات عليّ التي اتسعت ببريق انتصار دافئ، فتنحنحت وقالت بجدية مصطنعة وهي تحاول تشتيت الانتباه: — أقصد.. إذا حدث لك شيء، فإن أعمالنا ومشاريعنا كلها ستتوقف تماماً، فأنت ع
عندما انفتح الباب ودخل عليّ بخطواته الثقيلة والمحملة بلهفة الأيام الماضية، انسحب فريد بهدوء ومن وراء ملامحه غضب مكتوم، وغادر الغرفة مفسحاً المجال للمواجهة بين قلبين كادا أن يفقدا بعضهما. ما إن وقعت عيناها على عليّ، حتى لمعت أسارير وجهها، وحاولت جاهدة أن تنهض وتعتدل في فراشها لتستقبله، لكن وخزة
انتهى أسبوع التشطيبات الأول للمكتب الجديد وسط حركة دؤوبة لا تهدأ. ورغم النجاح الساحق والتريند الذي ما زال يحمل اسم الشركة، إلا أن الأجواء لم تكن صافية تماماً؛ ففي الكواليس، كان هناك سؤال يتردد في الأفق: هل سيوافق حمدي الريان، ووفاء، على هذا النجاح الساحق لعليّ دون تدخل؟ الإجابة جاءت أسرع مما توقع ا
ردت شروق على عليّ بنبرة هادئة غلفها مكر أنثوي ذكي، وقالت: — سعيدة طبعاً.. ولكن سعادتي الحقيقية كانت لأن خدعتك الصغيرة المكشوفة قد انكشفت أمام الجميع، وبالرغم من أنني كنت أعلم يقيناً أنك الفاعل منذ اللحظة الأولى التي رأيتُ فيها السيارة، إلا أنني فضلت الصمت.. حتى لا تستهين بذكائي مرة أخرى يا بشمهند







