LOGINمرّ يومان كاملان كأنهما دهر، وشروق ما زالت قابعة داخل غرفة العناية المركزة، جسدها الضعيف موصول بالأجهزة التي تصدر رنيناً رتيباً يمزق الأعصاب. طوال هاتين الليلتين، تحولت ردهة المستشفى الباردة إلى مسكن لعليّ ونهال؛ لم يتحركا من مكانهما خطوة واحدة، يرفضان النوم أو المغادرة، وعيونهما معلقة بذلك الباب الزجاجي اللعين الذي يفصلهما عنها. كان الصمت في الممر يزداد ثقلاً مع خطف ساعات الليل، ولم يكن يقطعه سوى بكاء نهال المكتوم. التفتت نهال نحو عليّ، وكانت ملامحها متأثرة للغاية والدموع تملأ عينيها، وبدأت تحكي له بنبرة مخنوقة: — شروق هذه ليست مجرد صديقة يا عليّ، إنها أختي.. أتذكر كيف كنا نمضي الوقت معاً ونحن صغار، لم تكن تفارقني لحظة. شروق عانت كثيراً في حياتها، ورأت من الظلم والكسر ما لا يتحمله بشر.. هل استكثرت عليها الدنيا أن تفرح وتعيش أياماً جميلة؟ هل استكثرت عليها أن تُحِب وتُحَب؟ ساد الصمت لثوانٍ، وفجأة، التمعت ومضة من الشك في عقل عليّ وهو يربط بين كلام نهال وعاطفة شروق الجارفة، فسألها بنبرة جادة وخفيضة: — نهال.. هل يوجد في حياة شروق شخص ما؟ شخص من الماضي أو حاضر لا أعرفه أنا ووليد؟
انتهى أسبوع التشطيبات الأول للمكتب الجديد وسط حركة دؤوبة لا تهدأ. ورغم النجاح الساحق والتريند الذي ما زال يحمل اسم الشركة، إلا أن الأجواء لم تكن صافية تماماً؛ ففي الكواليس، كان هناك سؤال يتردد في الأفق: هل سيوافق حمدي الريان، ووفاء، على هذا النجاح الساحق لعليّ دون تدخل؟ الإجابة جاءت أسرع مما توقع الجميع، ولكن ليس في أروقة الشركات، بل في شارع جانبي هادئ بالإسكندرية.كان الوقت قد شارف على الغروب، والشمس تغرب ببطء وتلقي بظلالها الحمراء على رصيف الشارع الهادئ حيث ركن عليّ سيارته. ترجل عليّ من السيارة وطلب من شروق أن تنتظره بجوارها لبضع دقائق حتى يشتري بعض المستلزمات الهندسية وأدوات القياس من متجر قريب. وقفت شروق تسند ظهرها إلى باب السيارة، تتأمل حركتها في ساعة يدها، والابتسامة لا تفارق وجهها وهي تتذكر مناكفتها مع عليّ بالأمس. كان الحلم يكبر أمامهما، وكان الأمان الذي شعرت به في بيتها الجديد يغمر روحها بالكامل.من بعيد، خرج عليّ من المتجر يحمل بعض الأكياس، وبدأ يسير بخطواته الواثقة والوقورة باتجاهها. التقت عيناهما عبر المسافة الممتدة بينهما، ورفع يده ملوحاً لها بابتسامة خفيفة، وبادلت هي ا
ردت شروق على عليّ بنبرة هادئة غلفها مكر أنثوي ذكي، وقالت: — سعيدة طبعاً.. ولكن سعادتي الحقيقية كانت لأن خدعتك الصغيرة المكشوفة قد انكشفت أمام الجميع، وبالرغم من أنني كنت أعلم يقيناً أنك الفاعل منذ اللحظة الأولى التي رأيتُ فيها السيارة، إلا أنني فضلت الصمت.. حتى لا تستهين بذكائي مرة أخرى يا بشمهندس. أما ما حدث بعد ذلك مع سليم، فقد كان عشاءً عادياً للغاية. ساد الصمت عبر الهاتف لثوانٍ، شعر فيها عليّ بمزيج من المفاجأة والحرج الذي حاول مداراته، ثم رد بنبرة متسائلة وجادة: — إذا كنتِ تعرفين وتدركين ما فعلتُه، فلماذا لم تتحدثي وتواجهيني في وقتها إذاً؟ ولماذا وافقتِ على الذهاب معه؟ ابتسمت شروق وهي تتذكر ملامحه المخطوفة في المزرعة، وقالت مبررة بذكاء: — بصراحة.. أعجبني جو المزرعة الهادئ ليلتها، وأردتُ أن أبقى هناك لفترة أطول قليلاً، ولم أجد مبرراً للبقاء سوى مجاراة لعبتك. تحولت نبرة عليّ إلى الجمود مجدداً، وعادت الغيرة لتطل من بين كلماته وهو يسألها بفضول مكتوم: — حسناً.. وهل كان العشاء جاداً وجيداً معه؟ أجابت شروق باقتضاب لتثير فضوله أكثر: — بالتأكيد.. كان جيداً جداً. شعر علي
بينما كانت السيارة تشق الطريق، اهتز هاتف شروق في يدها معلناً وصول رسالة جديدة. فتحتها لتجدها من عليّ، وكان نصها موجزاً وحاسماً: "لا تتأخري كثيراً في العودة". ارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة عفوية لم تستطع إخفاءها، وضغطت على الشاشة لتكتب ردها السريع برقة: "حاضر.. أي أوامر أخرى؟". لاحظ سليم بطرف عينه انشغالها التام بالهاتف وتلك الابتسامة التي أضاءت وجهها، فشعر بوخزة من القلق لكنه لم يعلق. وبعد دقائق معدودة، اهتز الهاتف مجدداً برسالة أخرى من عليّ يقول فيها: "لن أنام حتى أتأكد أنكِ وصلتي بيتكِ سالمة". قرأت الكلمات وشعرت بأمان جارف يجتاح قلبها، وبدون أن تدرك، ردت بصوت هامس مسموع وهي تبتسم للشاشة: — حاضر.. التفت إليها سليم ورفع حاجبيه باستغراب قائلًا: — هل هناك شيء ضروري أو طارئ يحدث؟ انتبهت شروق لنفسها وارتبكت قليلاً، ثم حاولت تدارك الموقف فقالت بسرعة وهي تخفي شاشة الهاتف: — لا.. لا يوجد شيء، هذا أمر خاص بالعمل فقط. وحتى تقطع الشك باليقين، وضعت الهاتف داخل حقيبتها وأغلقتها بإحكام. بعد فترة وجيزة، انحرفت السيارة ودخلت إلى منطقة ميناء اليخوت بالإسكندرية، حيث كانت أ
لقد وصل سليم في وقت قياسي لم يتخيله أحد. توقفت السيارة الفارهة، وانفتح الباب لينزل منها بكامل أناقته وثقته المعهودة. في تلك اللحظة، مال عم محسن نحو عليّ وهمس في أذنه بنبرة شبه مسموعة: — يبدو أنك في منافسة شرسة جداً يا بشمهندس.. هذا الشاب ليس سهلاً. بينما وقفت شروق مندهشة تماماً، وعيناها متسعتان وهي تتساءل في سرها كيف استطاع الوصول بهذه السرعة، وكيف قطع كل هذه المسافة بمجرد أن أرسلت له الموقع! اقترب سليم بخطوات واثقة، وألقى التحية بتهذيب شديد على عم محسن وزوجته، ثم التفت نحو عليّ وصافحه بقوة، قبل أن يتجه مباشرة نحو شروق. تلاقت عيناه بعينيها، وقال بنبرة دافئة تحمل الكثير من الاهتمام: — أهلاً يا شروق.. الحمد لله أنني وصلت. حقيقةً، كنتُ قلقاً عليكِ جداً، وخفت أن يكون هذا المكان منقطعاً في ظلمة الليل والوقت متأخر. لم يحتمل عليّ نبرة الوصاية في كلمات سليم، فتحرك خطوة للأمام وتدخل فجأة بصوت صارم وحاد، قائلاً: — وكيف تقلق عليها وهي معي؟ شروق في أمان تماماً، وليست في مكان منقطع ما دمتُ بجوارها. حافظ سليم على هدوئه وابتسامته الدبلوماسية، والتفت نحو عليّ يرد بذوق ظاهري يغلف تحدياً مب
اعتدل عليّ في وقفته ببطء شديد، وهو يحاول جاهداً استجماع ثباته الذي طار في الهواء. رفع عينيه ونظر إلى صاحب الفراغ المخيم أمامه، فوجد "عم محسن" صاحب المزرعة واقفاً يحدق فيه بنظرات حملت خليطاً من الاستغراب التام والدهشة. ابتلع عليّ ريقه، وتجمدت الكلمات في حلقه، ولم يعرف كيف يفسر موقفه وهو منحني بجوار عجلات سيارته الأربعة الفارغة من الهواء. وقبل أن يفتح عم محسن فمه ليسأل أو يستفسر عن هذه الجريمة الدبلوماسية الصغيرة، شق سكون الليل صوت خطوات سريعة مقبلة من جهة الحفل. كانت شروق قادمة باتجاههما بخطوات عجولة، وهي تنظر في ساعة يدها—وقالت بنبرة متلهفة: — هيا بنا يا علي، لقد تأخر الوقت كثيراً ولا بد أن نتحرك فوراً حتى لا أتأخر عن موعد سليم، لقد اتصل بي قبل قليل وأصبح قريباً. عند سماع اسم "سليم"، التفت عم محسن ونظر إلى وجه عليّ المخطوف، ثم هبط بنظراته إلى الأرض حيث العجلات الهابطة تماماً، وهنا.. ارتسمت على وجه الرجل الريفي العجوز ابتسامه خبيثة وذكية للغاية، ابتسامة رجل عركته الأيام وفهم على الفور، وبدون أن يسأل حرفاً واحداً، طبيعة اللعبة وجنون الغيرة الذي دفع المهندس الشاب لتخريب سيارته ب







