تسجيل الدخولوصلت شروق إلى سيارة سليم. توقفت بجوار الباب. وقالت باستغراب: — خير؟ ماذا حدث؟ ابتسم سليم ابتسامة هادئة. ثم فتح باب السيارة وقال: — اركبي. عندي لكِ مفاجأة صغيرة. ترددت شروق. ونظرت إليه. ثم وقبل أن تتحرك… التفتت تلقائيًا ناحية شاليه علي. الأنوار ما زالت مطفأة. وقفت لحظة. ثم ركبت. أغلق سليم الباب. وانطلقت السيارة. لكن شروق لم تكن مرتاحة. وضعت يديها فوق بعضهما. وظلت تنظر للطريق. لاحظ سليم ارتباكها. فابتسم وقال مازحًا: — لا تقلقي… لن أختطفك. ابتسمت بخفة مجاملة. لكن التوتر لم يختفِ. وفجأة… تذكرت شيئًا. وقالت بسرعة: — هاتفي… تركته في الغرفة. سكتت لحظة. ثم قالت لنفسها: — لا بأس… لن نتأخر. لكنها لم تكن مرتاحة. مرت دقائق. ثم بدأت الطريق يتغير. وأصبح المكان أكثر هدوءًا. حتى توقفت السيارة. نزلت شروق. ونظرت حولها. ثم توقفت. أمامها… مطار صغير. وعلى الساحة… طائرة هليكوبتر. نظرت إليه بدهشة واضحة. ثم قالت: — سليم؟ ابتسم. وقبل أن تسأله… قال: — سنذهب سريعًا. لكي تطمئني على نهال. ثم نعود صباحًا.
الفصل — يا بشمهندس انتهى اليوم أخيرًا. وكان طويلًا أكثر من المعتاد. عمل كثير. وكلام قليل. بل يكاد لا يوجد. شروق حاولت أكثر من مرة أن تقترب من علي. مرة لتسأله عن المخطط. ومرة لتخبره أن العمال أنهوا الجزء المطلوب. وفي كل مرة… كان يرد بهدوء. لكن بجمل قصيرة. عملية. وكأنهما عادا إلى أول يوم عمل. لم يسألها ماذا كان يريد سليم. ولم يسأل لماذا كانت حزينة. ولم يقل حتى كعادته: «هل أنتِ بخير؟» أما هي… فبعد الظهيرة توقفت عن المحاولة. وفي طريق العودة… جلسا في السيارة. والبحر بجوارهما. لكن لأول مرة… لم يكن هناك حديث. ظلت شروق تنظر من النافذة. وترددت أكثر من مرة. هل تسأله؟ هل تقول له إن هناك شيئًا تغيّر؟ هل تخبره أن طريقته اليوم أزعجتها؟ لكن شيئًا داخلها منعها. وقالت لنفسها: إذا كان يريد الكلام… سيتكلم. أما علي… فكان ممسكًا بالمقود أكثر من اللازم. يحاول ألا يسأل. يحاول ألا يقول: ماذا كان يريد سليم؟ هل ضايقك؟ لماذا لم تكملي الحديث؟ ووصلوا الفندق. توقفت السيارة. فتح كل منهما الباب. نزلت شروق. وقفت لحظة. استدارت.
في صباح اليوم التالي… كان علي واقفًا في الشرفة. يحمل كوب القهوة. لكن عقله لم يكن حاضرًا. رن هاتفه. نظر إلى الاسم. ريم. رد. جاءه صوتها مضطربًا ومنهارًا: — أنت إزاي عملت كده؟ عقد حاجبيه وقال: — ماذا حدث؟ قالت بسرعة: — افتح الرسائل. فتح الهاتف. بدأت الصور تظهر أمامه. عقود. أوراق بيع وشراء. نقل ملكيات. وتوقيع واضح. نجوان السكري. زوجة والده. تجمدت ملامحه. ثم ظهرت رسالة أخرى. إعلان داخلي. وفاء أصبحت المدير التنفيذي للمجموعة. ظل ينظر للشاشة دون كلام. جاء صوت ريم من الطرف الآخر: — أنت بسبب عنادك خسرتنا كل شيء. قفلت السكة بنفسك. كان ممكن ترجع. كان ممكن تصلح الوضع. سكت. ثم قال بهدوء جعلها تتوقف: — هل انتهيتِ؟ سكتت. فقال: — لم أخسر شيئًا. قالت بانفعال: — المجموعة كلها راحت. رفع عينيه وقال: — سأستعيد كل شيء. سكت لحظة. ثم أكمل: — لكن ليس بالطريقة التي يريدها. ثم أغلق الهاتف. ظل واقفًا. ينظر للبحر. ملامحه هادئة. لكن يده كانت تقبض على الهاتف بقوة. ثم قال بصوت منخفض: — لن أجعله يتحكم فيّ. في صباح
انتهى يوم العمل. وركبا السيارة في طريق العودة. كان الطريق هادئًا. والبحر يظهر من بعيد. لكن علي لم يكن كعادته. كان صامتًا أكثر من اللازم. لاحظت شروق ذلك. فنظرت إليه وقالت: — ماذا بك؟ سكت لحظة. ثم قال وكأنه يقول شيئًا عاديًا: — حاولي أن تضعي حدودًا أكثر بينك وبين سليم. التفتت إليه شروق باستغراب. وقالت: — ماذا تقصد؟ ظل ينظر للطريق وقال: — كلامي واضح. لا يعجبني تقربه الزائد. ثم أضاف بعد لحظة وكأنه يصحح كلامه: — أقصد… لا أريد أن يسبب لكِ ضغطًا أو يضعك في موقف غير مريح. نظرت إليه شروق قليلًا. ثم قالت بهدوء: — وهل بدا لك أنني مرتاحة؟ سكت. فأكملت وهي تنظر أمامها: — أنا أتعامل معه باحترام. لأنه صاحب المشروع. ولا أكثر. ثم نظرت إليه وقالت بخفة: — أم أنك تخاف على شريكتك المميزة بمائة رجل؟ ابتسم رغماً عنه. ثم قال: — لا تغيري الموضوع. سكتت لحظة. ثم قالت بابتسامة صغيرة: — لا تقلق. هذا الموضوع مغلق تمامًا. نظر إليها سريعًا. فأكملت بهدوء شديد: — قلبي… لا يتقبل الحب. اختفت ابتسامته قليلًا. وسألها دون أن ينظر إليها:
في صباح اليوم التالي… استيقظ علي مبكرًا. جلس على طرف السرير للحظات. شعر أن حالته أفضل بكثير. لم تعد الحرارة كما كانت. لكن التعب ما زال موجودًا. نظر إلى الساعة. ثم نظر ناحية الباب. وسأل نفسه: هل يذهب إلى الموقع مباشرة؟ أم ينتظر شروق؟ ابتسم بسخرية خفيفة من نفسه. منذ متى أصبح ينتظر أحدًا ليبدأ يومه؟ نهض. ارتدى ملابسه بهدوء. ثم وقف أمام الباب. وتردد ثانية. وفي النهاية… خرج. وتوقف أمام شاليه شروق. رفع يده. ثم أنزلها. ثم رفعها مرة أخرى. وطرق الباب بخفة. لا رد. انتظر قليلًا. ثم طرق مرة أخرى. وجاءه صوت متعب من الداخل: — دقيقة… فتح الباب ببطء. ووقفت شروق أمامه. كانت ما تزال نصف نائمة. شعرها مرفوع بسرعة. وعيناها متعبتان. ونظرت إليه باستغراب: — علي؟ إنت صاحي؟ نظر إليها للحظة ثم قال: — سؤال غريب… المفروض أنا اللي أسأله. ابتسمت وقالت: — كنت مرهقة جدًا أمس. ثم فتحت الباب أكثر وقالت: — تفضل. دخل. ونظر حوله. كانت هناك أوراق ورسومات على الطاولة. ولابتوب مفتوح. قال مستغربًا: — أنتِ اشتغلتي بعد ما رجعتي؟
أخذ علي الدواء. وجلس قليلًا يحاول مقاومة النعاس. لكنه لم يشعر بنفسه. وأغمض عينيه. عندما استيقظ… نهض بسرعة. واعتدل في جلسته. نظر حوله. الغرفة مظلمة. رفع الهاتف. ورأى الوقت. فات الوقت أكثر مما توقع. تجهم وجهه. أمسك الهاتف واتصل بشروق فورًا. ردت بعد عدة رنات. جاء صوتها مرهقًا: — ألو؟ قال مباشرة: — أين أنتِ؟ ألم تعودي بعد؟ سكتت لحظة ثم قالت بتعب واضح: — للأسف لا… ليس بعد. اعتدل أكثر. وسأل بسرعة وقد ارتفعت نبرة صوته دون أن ينتبه: — لماذا؟ هل حدث شيء؟ قالت بسرعة وكأنها لا تريد أن تقلقه: — لا… عندما أعود سأحكي لك. سكت ثانية. ثم قال بهدوء هذه المرة لكنه بدا أكثر جدية: — انتظري. سآتي وآخذك. لا تعودي وحدك الآن. ابتسمت بخفة وقالت: — لا داعي. سآخذ سيارة أجرة. لا تأتِ. وفجأة… سمع صوتًا من الجهة الأخرى. صوت سليم. واضح وقريب. قال بصوت مرتفع: — لا تقلق يا علي. أنا سأوصلها. لن أتركها بمفردها. سنتحرك الآن. ساد الصمت. لم يتكلم علي. ولم يرد. نظر أمامه للحظات. ثم قال بهدوء شديد: — حسنًا. وأغلق المكا







