Share

عوامة الأسرار

last update Tanggal publikasi: 2026-06-16 20:33:52

الفصل السادس

كان النيل في منطقة "الكيت كات" يختلف عنه في الزمالك. هنا، يبدو النهر أكثر وحشية، أقل تهذيبًا، يضرب ضفافه بقوة وكأنه يحاول التحرر من مجراه. كانت العوامات الخشبية القديمة تصطف كطابور من العجائز المتهالكات، بعضها غرق نصفه، وبعضها يصارع الزمن بطلاء باهت وأخشاب نخرها السوس.

​أوقف يوسف السيارة على الطريق الترابي المرتفع، ونزل يراقب المشهد. أشارت يده نحو عوامة تقبع في نهاية الصف، منعزلة ومحاطة بنباتات ورد النيل الكثيفة التي كادت تخفيها.

​"هذه هي.." قال يوسف بصوت خالٍ من المشاعر. "حارسة النيل. لم يزرها أحد منذ عشرين عامًا على الأقل."

​كانت العوامة عبارة عن هيكل خشبي من طابقين، طلاؤها الأزرق القديم تقشر ليكشف عن الخشب الرمادي تحته. نوافذها مغلقة بألواح خشبية مسمرة، وجسرها الصغير الواصل باليابسة يبدو وكأنه سيتهاوى تحت وطأة الرياح.

​ترددت ليلى في النزول من السيارة. كانت ترى الماء يتلاطم أسفل العوامة، ويصدر صوت "خضخضة" مستمر. بالنسبة لها، لم يكن هذا نهرًا؛ كان مقبرة سائلة. ذاكرة الغرق عادت تضرب صدرها بقوة.

​لاحظ يوسف شحوب وجهها وتسمرها في المقعد. فتح بابها وانحنى قليلًا:

"لستِ مضطرة للنزول يا ليلى. ابقي هنا وراقبي الطريق."

​نظرت إليه، ورأت في عينيه ذلك المزيج الغريب من القوة والضعف الذي بدأ يظهر مؤخرًا. كانت تعلم أنه خائف أيضًا، ليس من الماء، بل مما قد يجده في الداخل عن تاريخ عائلته.

"لا.." قالت وهي تفك حزام الأمان بيد مرتعشة. "لقد بدأنا هذا معًا. لن أتركك تدخل وكر جدك وحدك."

​نزلا المنحدر الترابي بحذر. رائحة الطمي والسمك النافق والرطوبة كانت تزكم الأنوف. عندما وقفا أمام الجسر الخشبي الموصل للعوامة، أمسك يوسف بيد ليلى بقوة. كانت يده دافئة وجافة، نقيض يدها الباردة والمتعرقة.

​"انظري إليّ فقط." همس لها. "لا تنظري للأسفل."

​عبرا الجسر الخشبي الذي أصدر أنينًا محذرًا مع كل خطوة. عندما وصلا إلى سطح العوامة (السطحة)، شعرت ليلى بالأرض تميد تحتها. الحركة البطيئة، المموجة، جعلت معدتها تتقلص.

​وقف يوسف أمام الباب الخشبي الضخم المحفور عليه زهرة لوتس باهتة. كان مغلقًا بقفل حديدي صدئ ضخم.

"ليس لدي مفتاح لهذا القفل." قال يوسف وهو يتفحصه. "المفتاح الذي معنا صغير جدًا."

​بحث حوله، ثم التقط قضيبًا حديديًا ملقى بجوار سور العوامة المكسور.

"أعتذر يا جدي، لكننا سندخل بطريقتي."

هوى بالقضيب على القفل بقوة. مرة، مرتان، ثلاثة. في المرة الرابعة، استسلم الحديد المتآكل وانكسر القفل وسقط في النهر بصوت "تشش".

​دفع يوسف الباب بكتفه. قاوم الباب قليلًا ثم انفتح مصدرًا صريرًا طويلًا ومزعجًا، وكأنه يصرخ من الألم.

​لفحتهما رائحة المكان المغلق. رائحة زمن توقف فجأة. غبار، خشب قديم، ورائحة عطر نسائي خفيفة جدًا لا تزال عالقة في النسيج وكأن صاحبتها غادرت للتو.

​دخلا إلى الصالة الرئيسية. كانت أشعة الشمس تتسلل من الشقوق بين ألواح النوافذ، ترسم خطوطًا من النور تقطع الظلام.

على عكس الفيلا التي كانت خالية من الأثاث، كانت العوامة مؤثثة بالكامل. أثاث من الخمسينيات، بسيط وأنيق. أرائك مغطاة بمفارش بيضاء، جرامافون في الزاوية، ومكتبة صغيرة مليئة بكتب الشعر الفرنسي.

​"كانت تعيش هنا..." همست ليلى، وهي تتلمس ظهر أريكة. "هذا لم يكن سجنًا مثل القبو. هذا كان.. منزلًا."

​"أو منفى ذهبي." رد يوسف بمرارة، وهو يتفحص الصور المعلقة على الجدران. كانت كلها مناظر طبيعية للنيل. لا توجد صور لأشخاص.

​تحركت العوامة حركة مفاجئة بسبب مرور قارب سريع في النهر، فتمسكت ليلى بطرف مكتب خشبي قريب لتتزن.

"أين يمكن أن يكون (قلبها)؟" سألت ليلى وهي تحاول السيطرة على غثيانها.

​بدأ يوسف يفتش الأدراج في المكتب. فارغة.

انتقلوا إلى غرفة النوم في الطابق العلوي. صعدا سلمًا خشبيًا ضيقًا.

غرفة النوم كانت صغيرة، تطل نافذتها المغلقة على النيل مباشرة. في وسط الغرفة، سرير حديدي، وخزانة ملابس، وتسريحة (طاولة تزيين) بمرآة بيضاوية غطاها الغبار الكثيف.

​اقتربت ليلى من التسريحة. مسحت الغبار عن سطحها.

كانت هناك أدوات زينة قديمة؛ فرشاة شعر فضية، زجاجات عطر جفت محتوياتها، و... صندوق.

​صندوق خشبي متوسط الحجم، مصنوع من خشب الأبنوس، ومطعّم بالصدف على شكل زهرة اللوتس.

خفق قلب ليلى.

"يوسف..." نادته بصوت مختنق.

​جاء يوسف ووقف خلفها، ينظر للصندوق في المرآة الغائمة.

أخرجت ليلى المفتاح النحاسي من جيبها. يدها كانت ترتجف بشدة لدرجة أنها لم تستطع إدخاله في الثقب.

أمسك يوسف يدها برفق، وثبتها، ثم أدار المفتاح.

​كليك.

​انفتحت الآلية الناعمة للصندوق.

رفع يوسف الغطاء.

​لم يكن بداخله مجوهرات.

كانت هناك رزمة من الرسائل المربوطة بشريط حريري أحمر، وصورة فوتوغرافية واحدة بالأبيض والأسود، وشيء ملفوف بقماش قطني.

​التقط يوسف الصورة أولاً. قربها من الضوء الشحيح.

كانت لامرأة شديدة الجمال، ملامحها رقيقة، وعيناها تحملان حزنًا عميقًا. كانت تقف على ظهر هذه العوامة نفسها، وتضحك للكاميرا، لكن ضحكتها لم تصل لعيونها. وكان خلفها يقف رجل.. نصف وجهه ظاهر فقط، لكن يوسف عرفه فورًا. جده، مراد عز الدين، ينظر إليها لا بحب، بل بتملك.

​"هذه هي.." قال يوسف. "اسمها مكتوب في الخلف."

قلب الصورة. كُتب بخط اليد: "نور.. ربيعي الوحيد في خريف العمر."

​وضعت ليلى يدها في الصندوق وأخرجت الشيء الملفوف بالقماش. فكته بحذر.

كان "خشخيشة" فضية صغيرة للعب الأطفال.

هزتها برفق، فأصدرت رنينًا خافتًا وحزينًا.

​"الرسائل..." قالت ليلى، وسحبت الرزمة. "يجب أن نقرأها."

​جلس الاثنان على حافة السرير المغبر، وبدأ يوسف يقرأ الرسالة الأولى بصوت متهدج. كانت مؤرخة بعد تاريخ "يوم الفقد" المكتوب في الميدالية بشهر واحد.

​"إلى مراد.. سجاني وحبيبي وقاتلي..

أكتب إليك هذه الكلمات التي لن أرسلها أبدًا، لأني أعلم أنك ستمزقها كما مزقت قلبي. أخبرتني أنه مات. قلت إن ابني ولد ميتًا وأنك دفنته في قبو الفيلا لتستر العار. وصدقتك.. بكيت وصدقتك.

لكن البارحة، سمعت الحارس يتحدث. سمعته يقول إن الطفل نُقل ليلاً. إنه حي يا مراد! ابني حي! أنت لم تقتله، أنت نفيته لكي لا يلوث اسم عائلتك العريقة بدماء خادمة فقيرة مثلي."

​توقف يوسف عن القراءة. شعر وكأن سقف الغرفة قد انهار عليه.

"حي..." همس يوسف بذهول. "الطفل لم يمت. عمي.. أو عمتي.. هناك وريث آخر لعائلة عز الدين لا نعرف عنه شيئًا."

​أخذت ليلى الرسالة التالية، وكانت يدها ترتجف من الانفعال:

"بحثت عنه في كل الملاجئ. سألت كل من أعرف. قالوا لي إنك أعطيته لعائلة ريفية في الصعيد ليربوه كيتيم. حرمتني منه وأبقيتني حبيسة هذه العوامة، أغني للنهر وأنتظر الموت."

​نظرت ليلى إلى يوسف، وعيناها تلمعان بالدموع: "يوسف.. لقد سرق طفلها. وخدعها بأنها أم ثكلى لسنوات."

​أكمل يوسف القراءة في صمت، يقلب الرسائل بسرعة بحثًا عن اسم، أو مكان. وفي الرسالة الأخيرة، وجد ما يبحث عنه.

"عرفت مكانه. الخادمة العجوز (سكينة) اعترفت لي قبل موتها. ابني موجود في (بني سويف)، في مركز (الفشن)، عند عائلة تسمى عائلة (الصاوي). سأذهب إليه يا مراد. سأهرب الليلة. سآخذ قلبي وأرحل."

​رفع يوسف عينيه عن الورقة، ونظر إلى ليلى بصدمة: "الرسالة غير مكتملة. وتاريخها... هو نفس تاريخ وفاتها المسجل في الأرشيف: (حادثة غرق في النيل)."

​شهقت ليلى: "لم تهرب... لقد لحق بها."

​نظر الاثنان باتجاه النهر من خلال شقوق النافذة. النهر الذي يبتلع الأسرار ولا يبوح بها. لم تكن حادثة غرق. كانت محاولة هرب أُجهضت بالدم.

​فجأة، تناهى إلى مسامعهم صوت غريب.

لم يكن صوت الماء.

كان صوت خطوات ثقيلة وبطيئة فوق سطح العوامة مباشرة. فوق رؤوسهم.

توقف الخشب عن الصرير للحظة، ثم سمعوا صوت شيء ثقيل يُسحب وسد الباب الخارجي للعوامة.

​انتفض يوسف واقفًا، وأشار لليلى بالصمت التام. أطفأ الكشاف الصغير الذي كانا يستعينان به.

تسلل بحذر نحو باب الغرفة ونظر لأسفل الدرج.

كان هناك ظلان طويلان يتحركان في الصالة بالأسفل، يحملان في أيديهما شيئًا يلمع في الظلام.

​وخزت أنف ليلى رائحة جديدة ومفزعة.

رائحة "جاز".

​"يوسف..." همست ليلى برعب حقيقي، وهي تشد قميصه من الخلف. "إنهم يسكبون الوقود. سيحرقون العوامة ونحن فيها."

​التفت يوسف إليها، وملامحه جامدة من التركيز. كانوا محاصرين. الباب الرئيسي مغلق ومحروس، والنوافذ مسمرة، والنار على وشك أن تلتهم الخشب القديم الجاف في دقائق.

​"النافذة." قال يوسف بصوت هامس وسريع وهو يتجه نحو نافذة الغرفة المطلة على النيل. "يجب أن نكسر الألواح ونقفز."

​"نقفز؟" تراجعت ليلى للخلف، وعيناها متسعتان برعب هستيري. "في الماء؟ لا.. لا يمكنني! لا أستطيع السباحة.. سأموت مثل سلمى!"

​سمعوا صوت عود ثقاب يُشعل في الأسفل، ثم صوت "ووف" مكتوم لاندلاع النار. بدأت الحرارة تتصاعد فورًا، والدخان الأسود الكثيف يزحف عبر شقوق الأرضية الخشبية.

​أمسك يوسف بكتفي ليلى وهزها بقوة، وعيناه تقتحمان عينيها:

"ليلى! اسمعيني! سلمى ماتت، لكن أنتِ حية! الخيار ليس بين الغرق والنجاة، الخيار بين الحرق والغرق! أنا معك.. لن أترككِ تغرقين. أقسم لكِ بروح أمي، لن أفلت يدك."

​بدأت ألسنة اللهب تلعق الدرج الخشبي، وصوت طقطقة الحريق يعلو كوحش جائع.

نظرت ليلى إلى النار التي تقترب، ثم نظرت إلى يوسف. رأت الصدق في عينيه. ورأت شيئًا آخر.. رأت شريكًا في المصير.

​"أعدني.." همست والدموع تنهمر.

​"أعدك."

​حمل يوسف الكرسي الخشبي الموجود في الغرفة، وبكل قوته حطم ألواح النافذة المتهالكة. تدفق الهواء البارد والدخان للخارج.

نظر للأسفل. الماء الأسود كان قريبًا، يعكس ضوء النيران التي بدأت تلتهم الطابق السفلي.

​"الآن!" صرخ يوسف.

​أمسك يدها، وقفزا معًا في الفراغ، تاركين خلفهما جحيم الماضي المشتعل، ليسقطا في حضن النيل البارد الغامض.

​ارتطم جسداهما بالماء بقوة. غاصت ليلى في الظلام والبرودة، وشعرت بالذعر يشل أطرافها، لكن قبل أن تستسلم للهاوية، شعرت بيد قوية تمسك بخصرها وتجذبها لأعلى.. نحو الهواء، نحو الحياة

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • شقوق في جدار الروح    فخ الطاحونه

    الفصل السادس عشر أغلق يوسف الهاتف بقوة، وعيناه تتفحصان جدران القبو المظلمة وكأنه يبحث عن طيف المتصل بين الشقوق. تردد صدى الضحكة الخشنة في الزوايا الرطبة، ليزيد من ثقل الهواء الخانق الذي يتنفسونه."من كان على الهاتف يا يوسف؟" سألت ليلى بصوت مرتجف، وهي تتراجع خطوة بعيداً عن الصندوق الزجاجي المحطم والرماد المتناثر تحته."عائلة الصاوي،" أجاب يوسف بصوت خافت لكنه مشحون بغضب أعمى. "لقد أعلنوا الحرب رسمياً. لكنهم اختاروا اللعب بعقولنا قبل أجسادنا."اقترب الشيخ عبد الله، مستنداً إلى عصاه الخشبية الثقيلة، ووجه كشاف هاتفه نحو الجدار المقابل للسرير الحديدي الصدئ. "انظر يا ولدي، لم يسرقوا الرماد والدمية فقط. انظر ماذا تركوا خلفهم."وجه يوسف نظره حيث أشار عمه. على الجدار الحجري، وبحبر أحمر طازج لم يجف بعد، كُتبت عبارة واحدة بخط عريض متعرج وكأن من كتبها كان يرتجف انفعالاً: "خطايا الجد تُدفع من دماء الحفيد.. موعدنا في الطاحونة."شعرت ليلى بغثيان مفاجئ، وبرودة تسري في أطرافها. "الطاحونة؟ أي طاحونة يتحدثون عنها؟"تنهد الشيخ عبد الله تنهيدة عميقة أخرجت معها غبار السنين الثقيل. "طاحونة الهواء المهجورة ع

  • شقوق في جدار الروح    رماد السرايا

    الفصل الخامس عشر شقت عجلات سيارة يوسف عتمة طريق الصعيد الصحراوي كشفرة سكين غاضبة، تتحدى أمطار ما قبل الفجر الباردة. كان مؤشر السرعة يتجاوز المائة وأربعين، بينما الصمت الخانق يسيطر على الكابينة، لا يقطعه سوى حفيف إطارات السيارة العنيف على الأسفلت المبلل.بجوار يوسف، جلست ليلى تضم معطفها حول جسدها المرتجف، وعيناها مثبتتان على الصندوق الخشبي المغلق الذي أصر يوسف على إحضاره. كانت تشعر وكأن الصندوق ينبض، يبث طاقة سامة تعيدها إلى أسوأ كوابيسها."يوسف، أبطئ قليلاً، لن يفيد عمك أن نموت في حادث على الطريق." قالتها ليلى بصوت متهدج.لم يلتفت إليها، بل أحكم قبضته على عجلة القيادة حتى ابيضت مفاصله. "لا يمكنني يا ليلى. آل الصاوي لا يلعبون. إنهم يضربون في المقتل، وفتحهم لغرفة جدي في الفشن يعني أنهم يبحثون عن وثائق قديمة... أو عن شيء أسوأ."بعد ساعة ونصف من القيادة اللاهثة، لاحت في الأفق لافتة (مركز الفشن). لم تكن المدينة الهادئة التي زارتها ليلى من قبل. بمجرد انحرافهم نحو الطريق الزراعي المؤدي إلى سرايا الشيخ عبد الله، زكمت أنوفهم رائحة الدخان الكثيف الممزوج برطوبة الحقول.توقفت السيارة بفرملة عنيف

  • شقوق في جدار الروح    طارق منتصف الليل

    الفصل الرابع عشر لم يكن المطر الذي يجلد نوافذ "مركز نور" بالزمالك تلك الليلة عادياً؛ كان يضرب الزجاج بقسوة وكأنه يحمل غضب السماء، أو كأن أرواحاً غاضبة تطالب بالدخول. في الداخل، كان يوسف يقف أمام طاولته الهندسية، يراجع مخططات ترميم جديدة، بينما ليلى تجلس على مقعدها تقرأ كتاباً. مرت ثمانية أشهر على إغلاق صفحة الماضي، وثمانية أشهر من الهدوء الذي ظناه أبدياً.فجأة، مزّق رنين الهاتف الأرضي جدار الصمت.نظر يوسف إلى ساعته. الثانية وربع بعد منتصف الليل. من يتصل بالمركز في هذا الوقت؟رفع السماعة ببطء. "ألو؟"لم يأتِ الرد فوراً. كان هناك صوت أنفاس متلاحقة، أزيز رياح، وصوت تشويش غريب يشبه طقطقة النيران."يوسف..."تصلب جسد يوسف وتوقفت أنفاسه. الصوت كان مألوفاً، لكنه كان يرتجف بشدة، مجرداً من وقاره المعتاد. "عمي عبد الله؟ هل أنت بخير؟ هل حدث شيء في الفشن؟"تركت ليلى كتابها ونهضت مسرعة نحوه، عيناها تتسعان بالقلق."الرماد يا ولدي... الرماد لم يبرد." سعل الشيخ عبد الله بقوة، وتداخل صوته مع أصوات صراخ بعيدة وتكسير زجاج في الخلفية. "عائلة الصاوي... لم ينسوا. ظننا أن تنازلنا عن بعض الأراضي سيرضيهم، لكنه

  • شقوق في جدار الروح    سيمفونية الغبار

    الفصل الأول كان للقاهرة في الشتاء رائحة خاصة؛ مزيج من عوادم السيارات القديمة، ورائحة الذرة المشوية، وعبق الطين المبلل الذي يكسو ضفاف النيل. لكن هنا، داخل "ڤيلا السيوفي" المهجورة في طرف جزيرة الزمالك كانت الرائحة مختلفة تمامًا. كانت رائحة الزمن وهو يحتضر. ​وقفت ليلى وسط البهو الكبير تتأمل السقف العالي الذي تتدلى منه ثريا كريستالية ضخمة وقد نسجت العناكب خيوطها بين حباتها وكأنها تحاول منعها من السقوط كانت ليلى في الثانية والثلاثين من عمرها لكن عينيها العسليتين كانتا تحملان تعباً ينتمي لإمرأة عاشت قرنًا كاملًا مهندسة ترميم آثار ومباني تاريخية، هكذا يُعرفونها في الأوراق الرسمية، لكنها كانت ترى نفسها "طبيبة شرعية للمباني المقتولة". ​مررت أصابعها النحيلة، التي لا تفارقها خشونة خفيفة بسبب التعامل مع الأحجار والجص، على الجدار البارد. تحسست شقًا طوليًا يمتد من السقف حتى الأرضية الرخامية. ​"أعلم أنك تتألم..." همست ليلى للجدار بصوت خافت، وكأنها تخاطب كائنًا حيًا. "أعلم أن الحمل ثقيل.. لكننا سنصلحه. أعدك." ​كان الصمت في الفيلا ثقيلًا، لا يقطعه سوى صوت أنفاسها المنتظمة وصرير النوافذ الخش

  • شقوق في جدار الروح    ذاكرة الماء

    الفصل الثاني للمياه ذاكرة لا تنسى، هكذا كانت ليلى تؤمن دائمًا. الماء لا يمحي الخطايا كما يظن البعض، بل يذيبها ويحفظها في جزيئاته، ثم يعيدها إليك في كل رشفة، في كل قطرة مطر، وفي كل دمعة تسقط سهوًا.​عادت ليلى إلى شقتها الصغيرة في حي المنيل، وهي تشعر بثقل العالم يجثم فوق كتفيها. كانت الشقة تشبهها؛ هادئة، مرتبة بشكل وسواسي، وتخلو من الألوان الصاخبة. الجدران مطلية بلون "أوف وايت" محايد، والأثاث بسيط، واللوحات المعلقة كلها لرسومات هندسية ومساقط أفقية لمساجد وكنائس قديمة. لا توجد صور شخصية. لا توجد وجوه تحدق فيها وتذكرها بمن كانت.​ألقت حقيبتها ومفاتيحها على الطاولة الجانبية، واتجهت مباشرة إلى المطبخ. ملأت كوبًا من الماء الزجاجي الشفاف. وقفت تحدق في الدوامة الصغيرة التي أحدثها تدفق الماء داخل الكوب. لثانية واحدة، تحولت الدوامة في عينها إلى تيار هادر، والمياه الصافية تعكرت بطمي النيل البني، وسمعت صوت الارتطام.. ذلك الصوت المكتوم لسيارة تخترق سطح النهر.​"ليلى! لا تتركي يدي!"​صوت "سلمى" شق سكون المطبخ. سقط الكوب من يد ليلى وتهشم على الأرضية السيراميكية، متناثرًا إلى مئات الشظايا التي عكست ض

  • شقوق في جدار الروح    رقصة الظلال

    الفصل الثالث لم يكن الصمت في السرداب مجرد غياب للصوت؛ كان كائنًا ثقيلًا يضغط على الطبلة، كثيفًا لدرجة تكاد تلمسه. ​بعد مرور ثلاث ساعات على حادثة الانهيار، كانت التجهيزات قد اكتملت. أحضر يوسف كشافات إضاءة قوية تعمل بالبطاريات، وحبالًا متينة، وسلّمًا معدنيًا طويلًا تم تثبيته بحرص عند حافة الفجوة. ​وقف الاثنان عند الحافة مرة أخرى. يوسف يرتدي بدلة عمل زرقاء داكنة وخوذة صفراء مثبت عليها كشاف ضوئي، بينما ارتدت ليلى سترة واقية فوق ملابسها، وربطت شعرها الأسود الفوضوي للخلف، محاولة السيطرة على ارتجافة يديها التي لم تكن بسبب البرد. ​"القاعدة الأولى: لا تلمسي شيئًا إلا بإذن." قال يوسف وهو يشد حزام الأمان حول خصره، صوته يخرج أجشًا قليلاً. "نحن لا نعلم ثبات السقف بالأسفل. خطوة خاطئة قد تجعلنا جزءًا من التاريخ الذي تعشقينه." ​نظرت إليه ليلى شذرًا: "أعرف بروتوكولات الأماكن المغلقة جيدًا يا حضرة المهندس. لستُ سائحة." ​"جيد. ابقي خلفي." ​هبط يوسف أولًا. كانت خطواته على السلم المعدني تصدر رنينًا مكتومًا يبتلعه الظلام بالأسفل. راقبته ليلى وهو يغيب تدريجيًا في جوف الأرض، حتى لم يبقَ منه سوى هالة

  • شقوق في جدار الروح    حين يزهر الحجر

    الفصل الثالث عشر والأخير لم تكن القاهرة في ذلك المساء مجرد مدينة من الإسمنت والضجيج؛ كانت تبدو وكأنها لوحة انطباعية غُسلت بماء المطر لتوها. في حي الزمالك، وتحديدًا في حديقة "فيلا عز الدين" (مركز نور)، كانت الأضواء الخافتة المعلقة على الأشجار تتلألأ كأنها نجوم هبطت لتستريح على الأرض.​وقف الشيخ "عب

  • شقوق في جدار الروح    أكتمال السوناتا

    الفصل الثاني عشر عاد الهدوء ليسكن "فيلا السيوفي" - أو بالأحرى "فيلا مراد عز الدين" - ولكن هذه المرة، لم يكن هدوء الموت والنسيان، بل هدوء الانتظار والترقب. البوابة الحديدية كانت مفتوحة، ليس للصوص، بل لأصحاب الدار الشرعيين.​دخل يوسف وليلى إلى البهو الكبير. كانت شمس الأصيل الذهبية تتسلل عبر النوافذ

  • شقوق في جدار الروح    حكم القدر

    لفصل الحادي عشر لم يكن السقوط مجرد استجابة لقانون الجاذبية، بل بدا وكأن روح "العدالة" الكامنة في التمثال قد استيقظت لتنتقم لنفسها. هوت كفة الميزان البرونزية الثقيلة، التي تزن عشرات الكيلوجرامات، بسرعة خاطفة، شاقة الهواء بصوت صفير مرعب.​تجمدت ملامح فريد التهامي. اتسعت عيناه خلف نظارته الطبية في جز

  • شقوق في جدار الروح    ظلال المدينه القديمه

    الفصل العاشر تسلل الفجر إلى سماء "حلوان" الصناعية بلون رمادي كئيب، مختلطًا بدخان المصانع الذي يعانق الضباب. تباطأت عجلات قطار البضائع، مصدرة صريرًا معدنيًا حادًا يعلن عن نهاية الرحلة.​قفز يوسف أولًا من العربة المكشوفة قبل أن يتوقف القطار تمامًا، وتلقى ليلى بين ذراعيه. تدحرجا معًا على الحصى بجوار

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status