เข้าสู่ระบบالفصل العاشر
تسلل الفجر إلى سماء "حلوان" الصناعية بلون رمادي كئيب، مختلطًا بدخان المصانع الذي يعانق الضباب. تباطأت عجلات قطار البضائع، مصدرة صريرًا معدنيًا حادًا يعلن عن نهاية الرحلة.
قفز يوسف أولًا من العربة المكشوفة قبل أن يتوقف القطار تمامًا، وتلقى ليلى بين ذراعيه. تدحرجا معًا على الحصى بجوار القضبان، وسرعان ما ركضا نحو سور المحطة الخلفي ليختفيا في الأزقة الضيقة للمنطقة العشوائية المحيطة.
كانا يبدوان كمتسولين أو كهاربين من كارثة؛ الجلاليب الصعيدية ملطخة بالطين الأسود وبقع الدم الجاف، ووجوههما شاحبة يعلوها السخام، وعيونهما تحكي قصة ألف عام من التعب.
"إلى أين الآن؟" سألت ليلى وهي تسحب الشال لتغطي وجهها، وتتفادى النظر إلى مجموعة من الكلاب الضالة التي تنبح عليهما.
"وسط البلد." قال يوسف بصوت خفيض، وهو يتلفت حوله بحذر شديد. "لا يمكننا استخدام البطاقات البنكية، ولا الهواتف، ولا الذهاب للفنادق المعروفة. سنذهب إلى مكان لا يسأل أحد فيه عن الأسماء."
استقلا "ميكروباص" متهالكًا متجهًا إلى ميدان رمسيس. جلسا في المقعد الخلفي، وانكمشا على نفسيهما. كان ضجيج الركاب وصوت المذياع الذي يصدح بأغاني شعبية صاخبة غطاءً مثاليًا لصمتهما. ليلى نظرت إلى وجوه الناس؛ وجوه متعبة، كادحة، لا تبالي بمن يجلس بجوارها. لأول مرة، شعرت أنها جزء من هذا الزحام، وليست مراقبة له من برج عاجي.
وصلا إلى منطقة "وسط البلد" (Downtown). كانت العمارات الخديوية القديمة تقف شامخة وحزينة، واجهاتها مزيج من الجمال الأوروبي والإهمال المصري.
قادها يوسف عبر شارع جانبي متفرع من شارع طلعت حرب، ودخلا مدخل عمارة قديمة متهالكة، وصعدا سلمًا رخاميًا متآكلاً إلى الطابق الثالث. كانت هناك لافتة نحاسية قديمة: "بنسيون الزهرة - للغرف المفروشة".
استقبلهما موظف الاستقبال العجوز بنظرة فاحصة من وراء نظارته السميكة، لكنه لم يطرح أسئلة عندما وضع يوسف ورقة نقدية كبيرة – مما تبقى معه من النقدية – على الطاولة الخشبية.
"غرفة بأسرة مزدوجة.. وحمام خاص إن وجد."
"موجود يا بيه. الغرفة 12. الحمام في الممر، بس المياه سخنة."
دخلا الغرفة. كانت بسيطة، جدرانها مطلية بلون أزرق باهت، وسقفها عالٍ، وبها نافذة طويلة تطل على منور مظلم.
بمجرد أن أغلق يوسف الباب، أسند ظهره إليه وانزلق جالسًا على الأرض، مغمضًا عينيه.
جلست ليلى على حافة السرير الحديدي الذي أصدر صريرًا. خلعت الشال عن رأسها، ونظرت في المرآة الصغيرة المعلقة فوق الحوض. لم تعرف المرأة التي تحدق فيها. شعرها مشعث، وعيناها تلمعان ببريق غريب.. بريق الناجيات.
"يجب أن ننتظر حتى المساء." قال يوسف وهو ينهض ببطء ليغسل وجهه في الحوض الصغير. "مبنى المحكمة يكون خاليًا نسبيًا في الليل، والحراسة تتركز على البوابات الخارجية فقط."
"أنت متأكد من المكان؟" سألت ليلى وهي تراقبه.
نظر يوسف إليها عبر المرآة، والماء يقطر من وجهه: "دار القضاء العالي.. أو ما كان يُعرف بالمحكمة المختلطة سابقًا. جدي كان مهووسًا بذلك المبنى. كان يقول دائمًا: (العدالة عمياء، لكن ميزانها من ذهب). كنت أظنه يقصد الرشوة، لكن الآن.. أعتقد أنه كان يقصد شيئًا ماديًا."
خلع يوسف الجلباب الملطخ، وبقي بقميصه وسرواله اللذين جفا ولكنهما كانا في حالة يرثى لها. جلس بجوارها على السرير، وأخرج ورقة وقلمًا رصاصًا وجدهما في الدرج.
بدأ يرسم مخططًا للمبنى من ذاكرته.
"المبنى مصمم على الطراز الإيطالي الكلاسيكي. القاعة الرئيسية.. قاعة الأعمدة.. وهنا.." رسم دائرة في المنتصف. "تمثال العدالة البرونزي الضخم."
راقبت ليلى يده وهي ترسم الخطوط بدقة هندسية معتادة.
"يوسف.." قالت فجأة. "إذا وجدنا الدليل.. ماذا سنفعل به؟"
توقف عن الرسم ونظر إليها: "نسلمه للنائب العام. ننشره في الصحف. المهم أن نوقف فريد التهامي، ونعيد الحق لاسم عمي.. واسم عائلتي."
"وهل تعتقد أن هذا سيكفر عن ذنب جدك؟"
صمت يوسف طويلاً، ثم وضع يده فوق يدها.
"لا شيء يكفر عن الماضي يا ليلى. نحن لا نصلح ما كُسر ليعود جديدًا، أنتِ مهندسة ترميم وتعرفين هذا. نحن فقط نمنع الانهيار الكامل. نحن ندعم الشروخ لكي يستمر البناء واقفًا."
ابتسمت ليلى. لقد استخدم لغتها. لغة الترميم.
"حسنًا يا باشمهندس." قالت وهي تشد على يده. "فلنذهب لترميم العدالة."
حل الليل على القاهرة. تحولت المدينة إلى بحر من أضواء النيون والضوضاء. تسللا من البنسيون بعد أن حاولا تنظيف ملابسهما قدر الإمكان لتبدو مقبولة.
سارا في شارع 26 يوليو، وسط الزحام، حتى لاح المبنى الضخم في الأفق. "دار القضاء العالي".
كان المبنى مهيبًا، أعمدته الضخمة توحي بالرهبة والسلطة. الأضواء الكاشفة تضيء واجهته، لكن الجوانب كانت تغرق في الظلال.
"كيف سندخل؟" همست ليلى وهما يقفان في زاوية مظلمة يراقبان البوابة الرئيسية المحروسة بشرطة نظامية.
أشار يوسف بيده نحو الجانب الشرقي للمبنى.
"انظري هناك. السقالات."
كانت هناك سقالات معدنية تغطي جزءًا من الجناح الشرقي للمبنى، حيث تجري أعمال صيانة للواجهة.
"أعمال الترميم..." ابتسمت ليلى. "يبدو أن مهنتي ستنفعنا أخيرًا."
تسللا عبر سور جانبي منخفض بعيدًا عن أعين الحراس، مستغلين لحظة مرور حافلة نقل عام ضخمة حجبت الرؤية. وصلا إلى قاعدة السقالات.
"هل ما زلتِ تذكرين كيف تتسلقين؟" سأل يوسف وهو يختبر ثبات السقالة.
"أنا قضيت نصف عمري معلقة بين السماء والأرض." ردت بثقة، وبدأت التسلق بخفة ورشاقة أذهلت يوسف.
صعدا الطوابق الثلاثة بحذر، متجنبين النوافذ المضاءة، حتى وصلا إلى نافذة صغيرة في الطابق العلوي، كانت مفتوحة جزئيًا لتهوية مواد الطلاء.
انزلقا منها إلى الداخل.
كانا الآن في ممر طويل مظلم، رائحته عبق الأوراق القديمة وشمع الأرضيات.
"نحن في طابق الأرشيف." همس يوسف. "يجب أن نصل إلى البهو الرئيسي في الطابق الأرضي."
سارا بحذر شديد، خطواتهما محسوبة على البلاط القديم الذي قد يصدر صوتًا في أي لحظة. كان المبنى خاليًا تمامًا من الموظفين، لكن صدى خطوات الحراس في الخارج كان مسموعًا.
نزلا الدرج الخلفي المخصص للخدمات.
عندما وصلا إلى البهو الرئيسي، توقفت ليلى مذهولة.
كان البهو واسعًا، سقفه شاهق الارتفاع مزين بنقوش ورسومات وزخارف جصية دقيقة. وفي المنتصف، يقف التمثال.
امرأة برونزية ضخمة، معصوبة العينين، تحمل في يدها اليسرى سيفًا، وفي اليمنى ميزانًا.
"العدالة..." همس يوسف، واقترب من التمثال بتبجيل. "الميزان."
وقف أمام التمثال، ورفع رأسه ليتأمل كفتي الميزان. كانتا مرتفعتين عن الأرض بحوالي ثلاثة أمتار.
"يجب أن أصعد هناك."
نظر حوله، وجد طاولة خشبية ثقيلة لأحد الحجاب. سحبها بمساعدة ليلى ووضعاها أسفل التمثال. صعد يوسف فوق الطاولة، ثم تسلق قاعدة التمثال البرونزية، وتمسك بطيات ثوب "العدالة" المعدني حتى وصل إلى مستوى ذراعها الممدودة.
"ماذا ترى؟" سألت ليلى من الأسفل، وهي تراقب المدخل بخوف.
تحسس يوسف كفتي الميزان. كانت الكفة فارغة.
"فارغة..." قال بخيبة أمل. "مجرد معدن بارد."
"ابحث عن آلية، رمز، أي شيء غير طبيعي!"
مرر يوسف أصابعه على ذراع التمثال، ثم وصل إلى السيف في اليد الأخرى. ثم عاد للميزان.
لاحظ شيئًا.
محور ارتكاز الميزان (نقطة التعليق) كان به نتوء صغير على شكل زهرة لوتس. نفس الشعار.
"وجدتها."
ضغط يوسف على زهرة اللوتس بقوة. لم تتحرك.
"إنها عالقة.. أو تحتاج لمفتاح."
تذكر المفتاح النحاسي الذي لا يزال في جيبه. لكن هذا النتوء لم يكن ثقب مفتاح، بل كان زرًا مضغوطًا.
"المفتاح ليس هنا..." تمتم يوسف. "المفتاح كان للصندوق في العوامة."
"يوسف!" همست ليلى بصوت محذر. "أسمع صوت خطوات تقترب!"
توتر يوسف. نظر إلى الميزان مرة أخرى.
"الثقل..." تذكر كلمات جده. "العدالة تحتاج لثقل لتتحرك."
أخرج "الخشخيشة" الفضية من جيبه. كانت ثقيلة نسبيًا ومصمتة.
وضعها في إحدى كفتي الميزان.
مالت الكفة للأسفل ببطء شديد، وأصدرت صوت "طقطقة" ميكانيكية داخل ذراع التمثال البرونزي المجوف.
وفجأة، انفتح درج سري صغير جدًا في قاعدة التمثال الحجرية بالأسفل، أمام ليلى مباشرة.
"ليلى! الدرج!"
انحنت ليلى بسرعة ومدت يدها داخل الفجوة الحجرية.
سحبت مظروفًا جلديًا سميكًا ومغبرًا.
"وجدته!"
لكن في تلك اللحظة بالذات، انارت الأضواء الكاشفة للقاعة فجأة، وغمرهم ضوء أبيض ساطع أعشى أبصارهم.
"برافو!"
جاء الصوت من شرفة الطابق العلوي المطلة على البهو. صوت مألوف ومكروه.
رفع يوسف رأسه، وهو لا يزال معلقًا بتمثال العدالة.
وقف فريد التهامي هناك، يصفق ببطء، وبجانبه رجلان يصوبان مسدسات كاتمة للصوت نحوهما.
"كنت أعلم أن عبقرية (عز الدين) ستقودك إلى هنا في النهاية." قال فريد بابتسامة منتصرة. "لقد وفرت عليّ عناء هدم نصف المبنى للبحث عن هذا المظروف."
نظر يوسف إلى ليلى التي كانت تضم المظروف إلى صدرها. كانوا محاصرين. في قلب دار العدالة، وتحت تهديد السلاح.
"أعطني المظروف يا آنسة ليلى." قال فريد وهو ينزل الدرج الرخامي ببطء، وخطواته تدوي في القاعة الصامتة. "وإلا سأجعل تمثال العدالة هذا يشهد أول جريمة قتل في تاريخه."
نظرت ليلى إلى يوسف بالأعلى، ثم إلى المظروف، ثم إلى فريد.
"يوسف..." قالت بصوت يرتجف ولكنه يحمل تحديًا. "ما بداخل هذا المظروف ينهيه."
"أعرف." قال يوسف، واستعد للقفز من فوق التمثال. "لا تعطيه شيئًا."
"قرار خاطئ." قال فريد ببرود، وأشار لأحد رجاله.
دوت طلقة مكتومة.
ولم تصب يوسف.
بل أصابت السلسلة التي تحمل الميزان.
اهتز التمثال، وانفصلت كفة الميزان الثقيلة، وسقطت...
ليس على الأرض.
بل باتجاه فريد التهامي الذي كان يقف أسفلها مباشرة.
الفصل الأول كان للقاهرة في الشتاء رائحة خاصة؛ مزيج من عوادم السيارات القديمة، ورائحة الذرة المشوية، وعبق الطين المبلل الذي يكسو ضفاف النيل. لكن هنا، داخل "ڤيلا السيوفي" المهجورة في طرف جزيرة الزمالك كانت الرائحة مختلفة تمامًا. كانت رائحة الزمن وهو يحتضر. وقفت ليلى وسط البهو الكبير تتأمل السقف العالي الذي تتدلى منه ثريا كريستالية ضخمة وقد نسجت العناكب خيوطها بين حباتها وكأنها تحاول منعها من السقوط كانت ليلى في الثانية والثلاثين من عمرها لكن عينيها العسليتين كانتا تحملان تعباً ينتمي لإمرأة عاشت قرنًا كاملًا مهندسة ترميم آثار ومباني تاريخية، هكذا يُعرفونها في الأوراق الرسمية، لكنها كانت ترى نفسها "طبيبة شرعية للمباني المقتولة". مررت أصابعها النحيلة، التي لا تفارقها خشونة خفيفة بسبب التعامل مع الأحجار والجص، على الجدار البارد. تحسست شقًا طوليًا يمتد من السقف حتى الأرضية الرخامية. "أعلم أنك تتألم..." همست ليلى للجدار بصوت خافت، وكأنها تخاطب كائنًا حيًا. "أعلم أن الحمل ثقيل.. لكننا سنصلحه. أعدك." كان الصمت في الفيلا ثقيلًا، لا يقطعه سوى صوت أنفاسها المنتظمة وصرير النوافذ الخش
الفصل الثاني للمياه ذاكرة لا تنسى، هكذا كانت ليلى تؤمن دائمًا. الماء لا يمحي الخطايا كما يظن البعض، بل يذيبها ويحفظها في جزيئاته، ثم يعيدها إليك في كل رشفة، في كل قطرة مطر، وفي كل دمعة تسقط سهوًا.عادت ليلى إلى شقتها الصغيرة في حي المنيل، وهي تشعر بثقل العالم يجثم فوق كتفيها. كانت الشقة تشبهها؛ هادئة، مرتبة بشكل وسواسي، وتخلو من الألوان الصاخبة. الجدران مطلية بلون "أوف وايت" محايد، والأثاث بسيط، واللوحات المعلقة كلها لرسومات هندسية ومساقط أفقية لمساجد وكنائس قديمة. لا توجد صور شخصية. لا توجد وجوه تحدق فيها وتذكرها بمن كانت.ألقت حقيبتها ومفاتيحها على الطاولة الجانبية، واتجهت مباشرة إلى المطبخ. ملأت كوبًا من الماء الزجاجي الشفاف. وقفت تحدق في الدوامة الصغيرة التي أحدثها تدفق الماء داخل الكوب. لثانية واحدة، تحولت الدوامة في عينها إلى تيار هادر، والمياه الصافية تعكرت بطمي النيل البني، وسمعت صوت الارتطام.. ذلك الصوت المكتوم لسيارة تخترق سطح النهر."ليلى! لا تتركي يدي!"صوت "سلمى" شق سكون المطبخ. سقط الكوب من يد ليلى وتهشم على الأرضية السيراميكية، متناثرًا إلى مئات الشظايا التي عكست ض
الفصل الثالث لم يكن الصمت في السرداب مجرد غياب للصوت؛ كان كائنًا ثقيلًا يضغط على الطبلة، كثيفًا لدرجة تكاد تلمسه. بعد مرور ثلاث ساعات على حادثة الانهيار، كانت التجهيزات قد اكتملت. أحضر يوسف كشافات إضاءة قوية تعمل بالبطاريات، وحبالًا متينة، وسلّمًا معدنيًا طويلًا تم تثبيته بحرص عند حافة الفجوة. وقف الاثنان عند الحافة مرة أخرى. يوسف يرتدي بدلة عمل زرقاء داكنة وخوذة صفراء مثبت عليها كشاف ضوئي، بينما ارتدت ليلى سترة واقية فوق ملابسها، وربطت شعرها الأسود الفوضوي للخلف، محاولة السيطرة على ارتجافة يديها التي لم تكن بسبب البرد. "القاعدة الأولى: لا تلمسي شيئًا إلا بإذن." قال يوسف وهو يشد حزام الأمان حول خصره، صوته يخرج أجشًا قليلاً. "نحن لا نعلم ثبات السقف بالأسفل. خطوة خاطئة قد تجعلنا جزءًا من التاريخ الذي تعشقينه." نظرت إليه ليلى شذرًا: "أعرف بروتوكولات الأماكن المغلقة جيدًا يا حضرة المهندس. لستُ سائحة." "جيد. ابقي خلفي." هبط يوسف أولًا. كانت خطواته على السلم المعدني تصدر رنينًا مكتومًا يبتلعه الظلام بالأسفل. راقبته ليلى وهو يغيب تدريجيًا في جوف الأرض، حتى لم يبقَ منه سوى هالة
الفصل الرابع لم يكن الظلام مجرد غياب للنور، بل كان حضورًا كثيفًا، ماديًا، يطبق على الصدور كيدٍ عملاقة من دخان بارد. في اللحظة التي انطفأت فيها الكشافات، اختفى العالم المرئي، وحل محله عالم الأصوات والأنفاس المتلاحقة ودقات القلوب التي تقرع في الآذان كطبول الحرب."يوسف؟" همست ليلى، وصوتها يخرج مرتجفًا، ضائعًا في الفراغ الأسود. مدت يدها في العتمة، تبحث عن أي شيء ملموس يثبت لها أنها لا تزال في عالم الأحياء."أنا هنا.. لا تتحركي." جاء صوته من مكان قريب جدًا، لكنه بدا مختلفًا. نبرة الثقة المعتادة، تلك النبرة الآمرة، قد شابتها شقوق من القلق. سمعت صوت ارتطام بلاستيكي، ثم صوت ضربات قوية على جسم صلب. كان يضرب الكشاف بيده محاولًا إعادته للعمل."اللعنة!" شتم يوسف بصوت مخنوق. "البطاريات جديدة تمامًا. هذا مستحيل فيزيائيًا.""إنه ليس عطلاً.." قالت ليلى، وهي تشعر ببرودة الغرفة السرية تتسلل تحت سترتها وتلسع جلدها. "المكان يرفضنا. إنه يريدنا أن نرى بقلوبنا، لا بعيوننا.""وفري الشعر الآن يا ليلى!" رد بحدة ناتجة عن التوتر. سمعت صوت حركة قماش، ثم صوت "تشيك" معدني مميز.انبثق لهب صغير برتقالي من ولاع
الفصل الخامس كان لصوت ارتطام المفتاح النحاسي بالأرضية السيراميكية رنين حاد، شق سكون الشقة كأنه طلقة رصاص. ظل المفتاح يدور حول نفسه للحظات قبل أن يستقر ساكنًا، لامعًا تحت ضوء الممر الخافت.انحنت ليلى والتقطته بسرعة، وكأنها تخفي دليل إدانة، ثم عادت لتنظر إلى يوسف. كان الرجل الذي يقف أمامها الآن شبحًا لمهندس "الجزار" الواثق الذي عرفته. شعره مبلل وملتصق بجبينه، وسترته الفاخرة تقطر ماءً على سجادة المدخل، وصدره يعلو ويهبط بوتيرة غير منتظمة."ادخل.." قالت ليلى بصوت خفيض، وسحبت ذراعه برفق لتخرجه من ذهوله. "لا يمكننا الحديث عند الباب."قادته إلى غرفة الجلوس الصغيرة. جلس يوسف على الأريكة بانهيار، واضعًا الملف الأصفر المتورم من الرطوبة على الطاولة أمامه. ذهبت ليلى سريعًا إلى المطبخ وعادت بمنشفة وكوبين من الشاي الساخن. لم يشكرها، ولم ينظر إليها، كانت عيناه مثبتتين على الملف كأنه قنبلة موقوتة."كيف؟" سألت ليلى وهي تجلس على المقعد المقابل، تضم كوب الشاي بيديها لتدفئتهما من برودة الخوف التي سرت في أوصالها. "كيف تكون الفيلا ملكًا لعائلتك ونحن نعرفها باسم (فيلا السيوفي)؟"أخذ يوسف نفسًا عميقًا،
الفصل السادس كان النيل في منطقة "الكيت كات" يختلف عنه في الزمالك. هنا، يبدو النهر أكثر وحشية، أقل تهذيبًا، يضرب ضفافه بقوة وكأنه يحاول التحرر من مجراه. كانت العوامات الخشبية القديمة تصطف كطابور من العجائز المتهالكات، بعضها غرق نصفه، وبعضها يصارع الزمن بطلاء باهت وأخشاب نخرها السوس.أوقف يوسف السيارة على الطريق الترابي المرتفع، ونزل يراقب المشهد. أشارت يده نحو عوامة تقبع في نهاية الصف، منعزلة ومحاطة بنباتات ورد النيل الكثيفة التي كادت تخفيها."هذه هي.." قال يوسف بصوت خالٍ من المشاعر. "حارسة النيل. لم يزرها أحد منذ عشرين عامًا على الأقل."كانت العوامة عبارة عن هيكل خشبي من طابقين، طلاؤها الأزرق القديم تقشر ليكشف عن الخشب الرمادي تحته. نوافذها مغلقة بألواح خشبية مسمرة، وجسرها الصغير الواصل باليابسة يبدو وكأنه سيتهاوى تحت وطأة الرياح.ترددت ليلى في النزول من السيارة. كانت ترى الماء يتلاطم أسفل العوامة، ويصدر صوت "خضخضة" مستمر. بالنسبة لها، لم يكن هذا نهرًا؛ كان مقبرة سائلة. ذاكرة الغرق عادت تضرب صدرها بقوة.لاحظ يوسف شحوب وجهها وتسمرها في المقعد. فتح بابها وانحنى قليلًا:"لستِ مضطرة