Masukالفصل السابع
كانت اللحظات تحت الماء دهرًا كاملاً من الصمت الأزرق القاتل. في تلك الثواني، عادت "ليلى" لتعيش كابوسها القديم. رأت وجه أختها "سلمى" يبتسم لها من بين الأعشاب المائية، تلوح لها لتبقى معها في القاع البارد. استسلمت ليلى لثقل ملابسها، وللخدر اللذيذ الذي بدأ يتسرب لأطرافها. الاستسلام كان سهلاً.. أسهل بكثير من الكفاح. لكن قبضة حديدية أطبقت على ذراعها، انتشلتها من حلم الموت بعنف. سحبها يوسف بقوة تتحدى قانون الطفو، رافساً الماء بقدميه بشراسة. وفجأة، اخترقت رؤوسهم سطح الماء، وشهق الاثنان الهواء بصوت عالٍ ومؤلم، وكأن الحياة تقتحم رئتيهم غصبًا. "تَنفّسي!" صرخ يوسف في وجهها وهو يصارع التيار، ممسكًا بها بذراع، ويجدف بالآخر نحو الضفة الطينية المظلمة البعيدة عن أضواء العوامة المحترقة. سحبها حتى وصلا إلى الطين الرطب. زحفت ليلى على يديها وركبتيها، تتقيأ ماء النهر، جسدها يرتجف بانتفاضات لا إرادية عنيفة. سقط يوسف بجوارها، مستلقيًا على ظهره، يلهث وصدره يعلو ويهبط بجنون، وعيناه مثبتتان على السماء التي صبغت باللون البرتقالي المتوهج. نهض يوسف نصف نهضة، ونظر نحو العوامة. كانت قد تحولت إلى شعلة عملاقة تطفو فوق الماء. الخشب القديم الجاف استسلم للنار بسرعة مرعبة. "لقد رحلت..." همس يوسف، والعرق يختلط بماء النهر على وجهه. "كل شيء احترق. الصور، الأثاث، رائحتها..." رفعت ليلى رأسها بصعوبة، وشعرها المبلل يغطي وجهها كستارة سوداء: "والرسائل؟" ابتسم يوسف ابتسامة باهتة ومرهقة، وضرب بيده على جيب داخلي في سترته الجلدية المبللة التي كان يرتديها قبل القفز: "الرسالة الأخيرة.. وضعتها هنا. الجلد سميك، وهذا الجيب مقاوم للماء. أما الباقي.. فقد أصبح رمادًا." نظرت إليه ليلى، ولأول مرة، لم ترَ فيه المهندس المغرور، ولا حفيد الباشا القاسي. رأت رجلاً خاطر بحياته لينقذها وينقذ قصاصة ورق. "لقد.. لقد أوفيت بوعدك." قالتها بصوت مرتعش، وأسنانها تصطك من البرد. "لم تتركني أغرق." زحف يوسف نحوها، وخلع سترته الثقيلة المبللة وعصرها قليلًا ثم وضعها حول كتفيها، رغم أنه كان يرتجف هو الآخر بقميصه الرقيق الملتصق بجسده. "الخطر لم ينتهِ يا ليلى. هؤلاء الرجال سيراقبون المكان ليتأكدوا من موتنا. يجب أن نختفي قبل وصول الشرطة والمطافئ." "إلى أين؟" "إلى السيارة. أوقفتها بعيدًا في الظلام. هل تستطيعين المشي؟" أومأت برأسها، وتحاملت على نفسها لتنهض. كانت ساقاها كالمطاط، لكن الخوف كان وقودًا كافيًا للحركة. تسللا عبر الحشائش الطويلة في الظلام، متجنبين الطريق الرئيسي، حتى وصلا إلى السيارة الجيب الرابضة في الظل. قفزا بداخلها بسرعة. أدار يوسف المحرك، وشغل المدفأة على أقصى درجة. انطلق بالسيارة دون أن يشعل المصابيح الأمامية في البداية، حتى ابتعد مسافة كافية عن منطقة الكيت كات، ثم انخرط في زحام شوارع الجيزة. "هل نذهب للشرطة؟" سألت ليلى وهي تفرك يديها أمام فتحة التكييف الساخن. "الشرطة؟" ضحك يوسف بمرارة. "فريد التهامي محامٍ يملك نصف ضباط القسم في جيبه. سيقلبون التهمة علينا. سيقولون إننا أحرقنا العوامة عن طريق الخطأ أو العمد لإخفاء شيء ما. لا.. القانون الآن ليس في صفنا." "إذن؟" نظر يوسف إلى الطريق الممتد أمامه، ثم نظر إلى اللافتة الزرقاء التي ظهرت في الأفق: (طريق الصعيد الصحراوي الغربي). "سنذهب إلى حيث لا يتوقع أحد." قال يوسف وعيناه تلمعان بتصميم جديد. "سنذهب إلى بني سويف. إلى مركز الفشن" "الآن؟ بملابسنا المبللة هذه؟" "ليس لدينا وقت لنضيعه. سنشتري ملابس جافة من أي استراحة على الطريق. المهم أن نخرج من نطاق القاهرة قبل أن يدركوا أننا نجونا." صمتت ليلى، ونظرت من النافذة إلى أضواء القاهرة التي بدأت تتلاشى خلفهم. كانت تترك حياتها كلها وراء ظهرها. شقتها، عملها، روتينها الآمن. "يوسف..." قالت فجأة. "لماذا تفعل هذا؟ كان بإمكانك أن تسافر غدًا لأوروبا وتنسى الأمر كله. أنت غني، ولا شيء يربطك بهذه المأساة." قبض يوسف على المقود بقوة، وصمت لبرهة قبل أن يجيب بصوت خافت: "لأنني طوال عمري كنت أظن أن قسوتي هي درع ورثته عن أبي وجدي، وأنها ميزة تجعلني ناجحًا. لكن عندما قرأت كلمات تلك المرأة.. (نور).. شعرت بشيء انكسر بداخلي. جدي دمر حياتها لأنها كانت (أضعف) منه. وأنا.. أنا كنت أفعل نفس الشيء مع المباني، ومع الناس. أهدم الضعيف لأبني القوي." التفت إليها سريعًا ثم عاد للطريق: "هذه الرحلة ليست للبحث عن عمي المفقود فقط. إنها.. محاولة لترميم ما تبقى من إنسانيتي. هل تفهمين ذلك؟" نظرت ليلى إليه بعمق. "أفهمك. أكثر مما تتصور." مرت ثلاث ساعات. الطريق الصحراوي كان موحشًا، شريط أسود طويل يشق قلب الصحراء الصامتة. الظلام هنا كان مختلفًا، كان صافيًا، قديماً، ومخيفاً. توقفا عند استراحة مهجورة لشاحنات النقل. اشترى يوسف "جلبابين" صوفيين واسعين وشيلان ثقيلة من بائع متجول ينام نصف نومة أمام الكشك، فالملابس العصرية لم تكن متوفرة، كما أن التنكر في زي أهل الصعيد قد يكون مفيدًا. بدّلا ملابسهما في السيارة. عندما ارتدت ليلى الجلباب الصعيدي الأسود ولفّت الشال حول رأسها، بدت وكأنها امرأة أخرى. امرأة من زمن تلك الرسائل. عاد يوسف ليجلس خلف المقود، وقد ارتدى جلبابًا رماديًا ووضع الشال على كتفيه. "تبدين.. مختلفة." قال يوسف، ونظرة إعجاب خفية تسللت لعينيه. "وأنت تبدو كأحد أعيان الجبل." ردت بابتسامة خفيفة. واصلا القيادة. الصمت بينهما لم يعد محرجًا، بل أصبح صمت رفاق السلاح. أخرجت ليلى الرسالة المبللة جزئيًا من جيب سترتها التي جفت قليلاً، وسلطت ضوء هاتفها عليها. "عائلة الصاوي.. الفشن. " قرأت بصوت مسموع. "هل تعتقد أنهم سيقبلون الحديث معنا؟ مر على الأمر سبعون عامًا. من استلم الطفل قد يكون مات." "الأحفاد يعرفون." قال يوسف بثقة. "في الصعيد، الأنساب لا تضيع. والطفل المتبنى في عائلة كبيرة كعائلة الصاوي لا بد أن يكون له حكاية معروفة في البلدة. حكاية (اللقيط) الذي جاء من مصر." "اللقيط..." كررت ليلى الكلمة بألم. "إنه عمك يا يوسف. دمه من دمك." "سنعرف من هو." مع بزوغ الفجر، بدأت ملامح الصحراء تتغير. ظهرت الحقول الخضراء الممتدة على جانبي النيل كشريط من الزمرد وسط الصفرة القاحلة. وصلوا إلى مشارف "الفشن ". كانت المدينة تستيقظ ببطء. رائحة الخبز المخبوز في الأفران الطينية تمتزج برائحة الندى والسماد. الرجال يخرجون للحقول، والنساء يحملن الجرار والمقاطف. أوقف يوسف السيارة أمام مقهى بلدي صغير على طرف المدينة. "سننزل هنا. نسأل بحذر." نزلا من السيارة. جلسوا على طاولة حديدية متهالكة. اقترب منهم النادل، صبي صغير بملابس رثة. "تشربوا إيه يا بيه؟" "اثنين شاي صعيدي.. تقيل." قال يوسف، ثم أخرج ورقة نقدية كبيرة وضعها في يد الصبي. "وبسألك يا ولد.. تعرف فين دوار عيلة الصاوي؟" تغيرت ملامح الصبي. نظر للعملة، ثم نظر ليوسف وليلى بريبة. تراجع خطوة للخلف. "عيلة الصاوي؟ الكبار؟" "أيوه، الكبار." تلفت الصبي حوله وخفض صوته: "الدوار الكبير في (عزبة الجبل)، آخر المركز. بس.." "بس إيه؟" "بس محدش بيروح هناك يا بيه غير لو مطلوب. الناس دي.. دمهم حامي، وعندهم تار (ثأر) قديم محدش عارف أوله من آخره. ونصيحة.. لو رايحين تسألوا عن (الشيخ عبد الله).. بلاش." تبادل يوسف وليلى النظرات. الاسم سقط كحجر في بركة راكدة. "مين الشيخ عبد الله؟" سألت ليلى بلهفة. قال الصبي وهو ينسحب: "ده كبيرهم. الراجل البركة.. اللي بيقولوا إنه مش منهم. بيقولوا أمه كانت جنيه من البحر." جمد الدم في عروق ليلى. "جنيه من البحر..." همست. "نور.. كانوا يسمونها جنيه لأنها جاءت من النيل." نظر يوسف إليها، وشعر بقلبه يدق بعنف. "عبد الله." قال الاسم وكأنه يتذوقه. "عمي اسمه عبد الله." نهض يوسف بسرعة، ونسي الشاي. "عزبة الجبل.. عرفنا الطريق." لكن قبل أن يتحركوا، وقفت سيارة نصف نقل ضخمة (بيك أب) أمام المقهى فجأة، نزل منها ثلاثة رجال ضخام الجثة، يرتدون الجلاليب ويحملون عصيًا غليظة (شوم)، وعلى أكتافهم بنادق آلية تتدلى بوضوح مرعب. تقدم أحدهم، رجل ذو شارب كثيف وعينين كالصقر، ووقف أمام يوسف مباشرة، ساداً عليه الطريق. "مين اللي بيسأل عن الشيخ عبد الله من صباحية ربنا؟" سأل الرجل بصوت جهوري هز أركان المقهى. وقف يوسف بثبات، رغم أنه أعزل وفي أرض غريبة. "أنا يوسف عز الدين. وجئت لأقابل عمي." ساد صمت تام في المقهى. حتى الهواء توقف عن الحركة. نظر الرجل ليوسف من رأسه لقدميه، ثم ضحك ضحكة ساخرة ومخيفة: "عمك؟ الشيخ عبد الله مقطوع من شجرة يا ولدي.. واللي يدعي إنه قريبه، يبقى بيطلب موته." رفع الرجل يده، وأحاط الرجال بيوسف وليلى. "هاتهم على الدوار. الشيخ لازم يشوف (القرايب) اللي طلعوا له فجأة دول." نظرت ليلى ليوسف برعب، لكن يوسف أمسك يدها وضغط عليها مطمئنًا، رغم أنه كان يعلم أنهم يساقون الآن إلى عرين الأسد، وأن الخروج من هناك قد يكون أصعب من الخروج من النهر.الفصل الأول كان للقاهرة في الشتاء رائحة خاصة؛ مزيج من عوادم السيارات القديمة، ورائحة الذرة المشوية، وعبق الطين المبلل الذي يكسو ضفاف النيل. لكن هنا، داخل "ڤيلا السيوفي" المهجورة في طرف جزيرة الزمالك كانت الرائحة مختلفة تمامًا. كانت رائحة الزمن وهو يحتضر. وقفت ليلى وسط البهو الكبير تتأمل السقف العالي الذي تتدلى منه ثريا كريستالية ضخمة وقد نسجت العناكب خيوطها بين حباتها وكأنها تحاول منعها من السقوط كانت ليلى في الثانية والثلاثين من عمرها لكن عينيها العسليتين كانتا تحملان تعباً ينتمي لإمرأة عاشت قرنًا كاملًا مهندسة ترميم آثار ومباني تاريخية، هكذا يُعرفونها في الأوراق الرسمية، لكنها كانت ترى نفسها "طبيبة شرعية للمباني المقتولة". مررت أصابعها النحيلة، التي لا تفارقها خشونة خفيفة بسبب التعامل مع الأحجار والجص، على الجدار البارد. تحسست شقًا طوليًا يمتد من السقف حتى الأرضية الرخامية. "أعلم أنك تتألم..." همست ليلى للجدار بصوت خافت، وكأنها تخاطب كائنًا حيًا. "أعلم أن الحمل ثقيل.. لكننا سنصلحه. أعدك." كان الصمت في الفيلا ثقيلًا، لا يقطعه سوى صوت أنفاسها المنتظمة وصرير النوافذ الخش
الفصل الثاني للمياه ذاكرة لا تنسى، هكذا كانت ليلى تؤمن دائمًا. الماء لا يمحي الخطايا كما يظن البعض، بل يذيبها ويحفظها في جزيئاته، ثم يعيدها إليك في كل رشفة، في كل قطرة مطر، وفي كل دمعة تسقط سهوًا.عادت ليلى إلى شقتها الصغيرة في حي المنيل، وهي تشعر بثقل العالم يجثم فوق كتفيها. كانت الشقة تشبهها؛ هادئة، مرتبة بشكل وسواسي، وتخلو من الألوان الصاخبة. الجدران مطلية بلون "أوف وايت" محايد، والأثاث بسيط، واللوحات المعلقة كلها لرسومات هندسية ومساقط أفقية لمساجد وكنائس قديمة. لا توجد صور شخصية. لا توجد وجوه تحدق فيها وتذكرها بمن كانت.ألقت حقيبتها ومفاتيحها على الطاولة الجانبية، واتجهت مباشرة إلى المطبخ. ملأت كوبًا من الماء الزجاجي الشفاف. وقفت تحدق في الدوامة الصغيرة التي أحدثها تدفق الماء داخل الكوب. لثانية واحدة، تحولت الدوامة في عينها إلى تيار هادر، والمياه الصافية تعكرت بطمي النيل البني، وسمعت صوت الارتطام.. ذلك الصوت المكتوم لسيارة تخترق سطح النهر."ليلى! لا تتركي يدي!"صوت "سلمى" شق سكون المطبخ. سقط الكوب من يد ليلى وتهشم على الأرضية السيراميكية، متناثرًا إلى مئات الشظايا التي عكست ض
الفصل الثالث لم يكن الصمت في السرداب مجرد غياب للصوت؛ كان كائنًا ثقيلًا يضغط على الطبلة، كثيفًا لدرجة تكاد تلمسه. بعد مرور ثلاث ساعات على حادثة الانهيار، كانت التجهيزات قد اكتملت. أحضر يوسف كشافات إضاءة قوية تعمل بالبطاريات، وحبالًا متينة، وسلّمًا معدنيًا طويلًا تم تثبيته بحرص عند حافة الفجوة. وقف الاثنان عند الحافة مرة أخرى. يوسف يرتدي بدلة عمل زرقاء داكنة وخوذة صفراء مثبت عليها كشاف ضوئي، بينما ارتدت ليلى سترة واقية فوق ملابسها، وربطت شعرها الأسود الفوضوي للخلف، محاولة السيطرة على ارتجافة يديها التي لم تكن بسبب البرد. "القاعدة الأولى: لا تلمسي شيئًا إلا بإذن." قال يوسف وهو يشد حزام الأمان حول خصره، صوته يخرج أجشًا قليلاً. "نحن لا نعلم ثبات السقف بالأسفل. خطوة خاطئة قد تجعلنا جزءًا من التاريخ الذي تعشقينه." نظرت إليه ليلى شذرًا: "أعرف بروتوكولات الأماكن المغلقة جيدًا يا حضرة المهندس. لستُ سائحة." "جيد. ابقي خلفي." هبط يوسف أولًا. كانت خطواته على السلم المعدني تصدر رنينًا مكتومًا يبتلعه الظلام بالأسفل. راقبته ليلى وهو يغيب تدريجيًا في جوف الأرض، حتى لم يبقَ منه سوى هالة
الفصل الرابع لم يكن الظلام مجرد غياب للنور، بل كان حضورًا كثيفًا، ماديًا، يطبق على الصدور كيدٍ عملاقة من دخان بارد. في اللحظة التي انطفأت فيها الكشافات، اختفى العالم المرئي، وحل محله عالم الأصوات والأنفاس المتلاحقة ودقات القلوب التي تقرع في الآذان كطبول الحرب."يوسف؟" همست ليلى، وصوتها يخرج مرتجفًا، ضائعًا في الفراغ الأسود. مدت يدها في العتمة، تبحث عن أي شيء ملموس يثبت لها أنها لا تزال في عالم الأحياء."أنا هنا.. لا تتحركي." جاء صوته من مكان قريب جدًا، لكنه بدا مختلفًا. نبرة الثقة المعتادة، تلك النبرة الآمرة، قد شابتها شقوق من القلق. سمعت صوت ارتطام بلاستيكي، ثم صوت ضربات قوية على جسم صلب. كان يضرب الكشاف بيده محاولًا إعادته للعمل."اللعنة!" شتم يوسف بصوت مخنوق. "البطاريات جديدة تمامًا. هذا مستحيل فيزيائيًا.""إنه ليس عطلاً.." قالت ليلى، وهي تشعر ببرودة الغرفة السرية تتسلل تحت سترتها وتلسع جلدها. "المكان يرفضنا. إنه يريدنا أن نرى بقلوبنا، لا بعيوننا.""وفري الشعر الآن يا ليلى!" رد بحدة ناتجة عن التوتر. سمعت صوت حركة قماش، ثم صوت "تشيك" معدني مميز.انبثق لهب صغير برتقالي من ولاع
الفصل الخامس كان لصوت ارتطام المفتاح النحاسي بالأرضية السيراميكية رنين حاد، شق سكون الشقة كأنه طلقة رصاص. ظل المفتاح يدور حول نفسه للحظات قبل أن يستقر ساكنًا، لامعًا تحت ضوء الممر الخافت.انحنت ليلى والتقطته بسرعة، وكأنها تخفي دليل إدانة، ثم عادت لتنظر إلى يوسف. كان الرجل الذي يقف أمامها الآن شبحًا لمهندس "الجزار" الواثق الذي عرفته. شعره مبلل وملتصق بجبينه، وسترته الفاخرة تقطر ماءً على سجادة المدخل، وصدره يعلو ويهبط بوتيرة غير منتظمة."ادخل.." قالت ليلى بصوت خفيض، وسحبت ذراعه برفق لتخرجه من ذهوله. "لا يمكننا الحديث عند الباب."قادته إلى غرفة الجلوس الصغيرة. جلس يوسف على الأريكة بانهيار، واضعًا الملف الأصفر المتورم من الرطوبة على الطاولة أمامه. ذهبت ليلى سريعًا إلى المطبخ وعادت بمنشفة وكوبين من الشاي الساخن. لم يشكرها، ولم ينظر إليها، كانت عيناه مثبتتين على الملف كأنه قنبلة موقوتة."كيف؟" سألت ليلى وهي تجلس على المقعد المقابل، تضم كوب الشاي بيديها لتدفئتهما من برودة الخوف التي سرت في أوصالها. "كيف تكون الفيلا ملكًا لعائلتك ونحن نعرفها باسم (فيلا السيوفي)؟"أخذ يوسف نفسًا عميقًا،
الفصل السادس كان النيل في منطقة "الكيت كات" يختلف عنه في الزمالك. هنا، يبدو النهر أكثر وحشية، أقل تهذيبًا، يضرب ضفافه بقوة وكأنه يحاول التحرر من مجراه. كانت العوامات الخشبية القديمة تصطف كطابور من العجائز المتهالكات، بعضها غرق نصفه، وبعضها يصارع الزمن بطلاء باهت وأخشاب نخرها السوس.أوقف يوسف السيارة على الطريق الترابي المرتفع، ونزل يراقب المشهد. أشارت يده نحو عوامة تقبع في نهاية الصف، منعزلة ومحاطة بنباتات ورد النيل الكثيفة التي كادت تخفيها."هذه هي.." قال يوسف بصوت خالٍ من المشاعر. "حارسة النيل. لم يزرها أحد منذ عشرين عامًا على الأقل."كانت العوامة عبارة عن هيكل خشبي من طابقين، طلاؤها الأزرق القديم تقشر ليكشف عن الخشب الرمادي تحته. نوافذها مغلقة بألواح خشبية مسمرة، وجسرها الصغير الواصل باليابسة يبدو وكأنه سيتهاوى تحت وطأة الرياح.ترددت ليلى في النزول من السيارة. كانت ترى الماء يتلاطم أسفل العوامة، ويصدر صوت "خضخضة" مستمر. بالنسبة لها، لم يكن هذا نهرًا؛ كان مقبرة سائلة. ذاكرة الغرق عادت تضرب صدرها بقوة.لاحظ يوسف شحوب وجهها وتسمرها في المقعد. فتح بابها وانحنى قليلًا:"لستِ مضطرة







