Share

متاهة القصب

Penulis: writer
last update Tanggal publikasi: 2026-06-16 20:40:36

الفصل التاسع 

لم تكن الرصاصة التي دوت خلفهم مجرد صوت؛ كانت حكمًا نهائيًا، وفاصلاً حادًا بين زمنين. تردد صداها في أروقة المخازن القديمة، ثم ابتلعته زراعات القصب الممتدة كبحر أخضر لا نهاية له.

​تجمد يوسف للحظة واحدة، وقدمه مغروزة في طين الحقل الرطب. التفت برأسه للخلف، وعيناه متسعتان بذهول، محاولًا اختراق الجدران الطينية بنظره ليرى ما حدث لعمه.

​"يوسف، تحرك!" صرخت ليلى بصوت مخنوق وهي تشده من كم جلبابه بقوة. "إذا عدت الآن، ستموتان معًا!"

​"لقد قتلوه..." تمتم يوسف، والدم يهرب من وجهه. "لقد ضحى بنفسه من أجلي... وأنا هربت."

​"هو اختار هذا!" هزته ليلى بعنف، وأظافرها تنغرس في ذراعه لتفيقـه من صدمة الذنب. "لا تجعل تضحيته بلا ثمن. فريد ورجاله قادمون خلفنا. اسمع!"

​تناهى إلى مسامعهم صوت صياح وأوامر تصدر من ناحية الدوار، وصوت محركات سيارات تدور بجنون.

"مشطوا الغيط! هاتوه حي ولا ميت!" كان صوت فريد التهامي يسبح فوق رؤوسهم كالسم.

​عاد يوسف إلى الواقع. نظر إلى ليلى، ورأى الخوف في عينيها ممزوجًا بإصرار عجيب. أدرك أنها محقة. النجاة هي الانتقام الوحيد المتاح الآن.

​"إلى الداخل." قال يوسف بصوت أجش. "يجب أن نغوص في العمق."

​انطلقا يركضان وسط عيدان القصب الشاهقة التي يتجاوز طولها المترين. كانت أوراق القصب الطويلة والمدببة تشبه السيوف المسنونة؛ تلسع وجوههم وأيديهم العارية، وتترك جروحًا دقيقة وحارقة مع كل خطوة.

​الأرض تحت أقدامهم كانت موحلة، زلقة، تبتلع الأحذية وتعيق الحركة. الهواء داخل الحقل كان مختلفًا تمامًا عن الخارج؛ كان ثقيلاً، رطبًا، ومشبعًا برائحة التخمر والسماد، وكأن الحقل يتنفس أنفاسًا لزجة تحبس الحرارة وتخنق الرئة.

​بعد عشر دقائق من الركض العشوائي، توقفت ليلى وهي تلهث بشدة، واستندت على حزمة من العيدان، واضعة يدها على جنبها الذي يؤلمها.

"أنا.. لا أستطيع.. التنفس.."

​توقف يوسف بجانبها، وتلفت حوله بحذر. في كل الاتجاهات، لم يكن يرى سوى الجدار الأخضر الأصفر. لقد ابتلعتهم المتاهة تمامًا. السماء فوقهم كانت مجرد شرائط زرقاء رفيعة تظهر وتختفي مع حركة الأوراق في الريح.

​"شـشش.." وضع يوسف إصبعه على شفتيه، وأشار لها بالانخفاض.

​جلسا القرفصاء في الوحل، مختبئين خلف كثافة العيدان.

سمعوا صوت "خشنة" خطوات تقترب. أحدهم يكسر العيدان بعنف وهو يسير.

​"باين فص ملح وداب يا ريس." صوت رجل غليظ يأتي من مسافة قريبة جدًا، ربما عشرة أمتار فقط.

"دور كويس يا غبي!" رد صوت آخر. "دول اتنين من (البندر)، مش هيقدروا يمشوا في الطين كتير. هتلاقيهم واقعين في أي مصرف."

​نظرت ليلى إلى يوسف برعب. كانت يده تمسك بقطعة حجر مدببة التقطها من الأرض، وعضلات فكه تتوتر استعدادًا لاشتباك يائس.

​مرت دقيقتان بدتا كساعتين. صوت الخطوات اقترب، ثم توقف، ثم بدأ يبتعد تدريجيًا نحو اليمين.

زفرت ليلى الهواء المحبوس في صدرها ببطء شديد.

​"يجب أن نغير الاتجاه." همس يوسف في أذنها. "هم يتوقعون أن نتجه نحو الطريق الرئيسي أو المحطة. سنفعل العكس. سنتجه نحو النهر."

​"النهر؟" نظرت إليه ليلى بتعب. "مرة أخرى؟"

​"النهر هو طريقنا الوحيد الذي لا يملكون السيطرة عليه بالكامل. كما أن زراعات القصب تنتهي دائمًا عند المصارف المائية التي تصب في النيل."

​واصلا المسير، لكن هذه المرة بحذر أكبر وبطء مدروس. كانت الشمس قد بدأت تميل للغروب، وتسللت خيوط برتقالية دموية عبر العيدان، مما زاد المشهد وحشة.

​أثناء سيرهما، لاحظت ليلى الدماء التي تلطخ جبهة يوسف.

"أنت تنزف." قالت بصوت خافت، ومدت يدها لتمسح الدم بطرف شالها. "ورقة قصب جرحتك بعمق."

​أمسك يوسف يدها وأبعدها برفق، لكنه لم يتركها. نظر إلى كفها الملطخ بالطين والدم.

"أنا آسف يا ليلى." قالها بصدق مؤلم. "سحبتك من حياتك الهادئة إلى هذا الجحيم. كان يجب أن أتركك تذهبين بعد حادثة العوامة."

​ابتسمت ليلى بمرارة: "حياتي لم تكن هادئة يا يوسف، كانت فارغة. والفرق كبير. أنا هنا لأني اخترت أن أكون هنا. ربما لأول مرة منذ سنوات، أشعر أنني... حية. خائفة، نعم. متألمة، نعم. لكنني لست ميتة."

​ضغط يوسف على يدها: "سنخرج من هنا. أعدك."

​فجأة، انقشع القصب أمامهم لتظهر قناة مائية (مصرف) بعرض مترين تقريبًا، مياهها راكدة ومعكرة. وعلى الجانب الآخر، يمتد شريط سكة حديد قديم ومهمل، خاص بقطارات نقل القصب (القطارات الديكوفيل) التي تسير ببطء.

​"هذا هو المخرج." قال يوسف، وعيناه تلمعان بأمل.

​لكن قبل أن يخطوا خطوة واحدة، دوى صوت رصاصة أخرى، لكن هذه المرة ارتطمت بالطين بجوار قدم يوسف مباشرة، مسببة تناثر الوحل على وجهه.

​"هناك! عند المصرف!" صرخ أحد الرجال من خلفهم.

​التفت يوسف ليرى ثلاثة رجال يخرجون من بين القصب، يركضون نحوهم، والبنادق مصوبة.

"اركضي!" صرخ يوسف، ودفع ليلى نحو القناة المائية.

​قفزا في المياه الضحلة واللزجة، وخاضا فيها بصعوبة للوصول للضفة الأخرى. الرصاص بدأ يئز حولهم كالدبابير الغاضبة.

​تسلقا الضفة المقابلة بصعوبة بالغة، وانزلقا عدة مرات.

عندما وصلا إلى شريط السكة الحديد، سمعا صوتًا قادمًا من بعيد. صفارة قطار. قطار بضائع ثقيل يقترب ببطء، محملًا بأطنان من القصب.

​"القطار!" صاح يوسف. "يجب أن نلحق به!"

​كان القطار يسير ببطء نسبي، لكنه لا يزال سريعًا بالنسبة لشخصين منهكين. العربات كانت مكشوفة، مكدسة بأعواد القصب.

​ركض يوسف بمحاذاة القطار، وليلى خلفه، تستجمع آخر ذرات طاقتها.

"هاتي يدك!" صرخ يوسف وهو يقفز ليتشبت بسلم معدني صدئ لإحدى العربات، ثم مد يده الأخرى لليلى التي كانت تركض بجواره.

​مدت ليلى يدها، وأطراف أصابعها تلامس أطراف أصابعه.

في الخلف، كان الرجال قد وصلوا للضفة، وتوقفوا ليصوبوا بدقة أكبر.

​"أمسكيني!" زأر يوسف.

​قفزت ليلى قفزة يائسة، وأطبقت يدها على يده. سحبها يوسف بقوة عضلية خارقة نابعة من الأدرينالين الخالص، ورفعها لتسقط فوق كومة القصب داخل العربة.

​تسلق يوسف خلفها بسرعة، وانبطحا معًا وسط العيدان، في اللحظة التي انهمر فيها وابل من الرصاص، ليرتطم بالحديد الخارجي للعربة محدثًا شرارات ودويًا معدنيًا.

​استمر القطار في سيره ببرود لا مبالٍ، مبتعدًا عن الحقل، وعن الرجال، وعن الموت الذي كان يركض خلفهم.

​ظلا منبطحين لدقائق طويلة، لا يسمعان سوى صوت العجلات الحديدية وهي تطحن القضبان: تادُم.. تادُم.. تادُم.

​رفعت ليلى رأسها ببطء، ونظرت من فوق حافة العربة. رأت أشكال الرجال تتضاءل في البعد حتى اختفوا.

سقطت بظهرها على القصب، ونظرت للسماء التي تحولت للون البنفسجي الغامق. بدأت تضحك. ضحك هستيري، متقطع، يمتزج بالبكاء.

​جلس يوسف بجوارها، يمسح الدم والعرق عن وجهه، وينظر إليها بقلق: "ليلى؟"

​"نحن مجانين..." قالت وهي تضحك وتبكي. "نحن أحياء ومجانين."

​ابتسم يوسف ابتسامة واسعة وحقيقية لأول مرة. استلقى بجوارها، ناظرًا للنجوم التي بدأت تظهر.

"نعم.. نحن كذلك."

​سار القطار بهم في عمق الليل، متجهًا شمالاً، عائدًا نحو القاهرة، أو ربما نحو مصير مجهول آخر.

وسط صوت القطار الرتيب، أخرج يوسف الصورة القديمة من جيبه. كانت قد تضررت قليلاً، لكن وجه "نور" كان لا يزال واضحًا.

​"الشيخ عبد الله قال لي شيئًا قبل أن يدفعنا للخروج..." قال يوسف فجأة، وصوته يغلب عليه التفكير.

​اعتدلت ليلى في جلستها: "ماذا قال؟"

​"قال: (ابحث عن الميزان. مراد باشا لم يترك ماله في البنوك، ترك ثروته في الميزان)."

​"الميزان؟" قطبت ليلى جبينها. "هل يقصد ميزان العدل؟ أم شيء رمزي؟"

​"لا أعرف." تذكر يوسف الرسومات الهندسية للفيلا، وتذكر العوامة. "جدي كان مهووسًا بالرموز. الميزان قد يكون مكانًا، أو مبنى، أو حتى.."

صمت قليلاً ثم اتسعت عيناه:

"ليلى.. مبنى المحكمة المختلطة القديم في وسط البلد. جدي شارك في ترميمه في الأربعينيات. وتمثاله المفضل.. تمثال العدالة الذي يحمل الميزان."

​"هل تعتقد أنه خبأ شيئًا هناك؟"

​"الشيخ عبد الله قال إن عائلة الصاوي خافت أن يطالبهم أحد بالدم أو الأرض. هذا يعني أن هناك وثائق تثبت النسب، وتثبت الجريمة.. وربما تثبت ملكية ثروة لا يعلم عنها أحد."

​نظر يوسف إلى الأفق المظلم أمام القطار.

"سنعود للقاهرة. لكن ليس لبيوتنا. سنذهب للمحكمة. إذا كان هناك دليل يدين فريد التهامي ويبرئ اسم عائلتي، فهو هناك."

​وضعت ليلى رأسها على كتفه بتلقائية ناتجة عن التعب الشديد.

"إذن، هي رحلة أخرى."

​"الرحلة الأخيرة." همس يوسف، وهو يغمض عينيه ليسترق بضع دقائق من النوم قبل أن تصل المعركة إلى فصلها الختامي.

​لكنهما لم يكونا يعلمان أن "الميزان" الذي تحدث عنه الشيخ عبد الله لم يكن تمثالاً من حجر، بل كان شيئًا أخطر بكثير.. شيئًا يتطلب تضحية تساوي وزن الروح.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • شقوق في جدار الروح    سيمفونية الغبار

    الفصل الأول كان للقاهرة في الشتاء رائحة خاصة؛ مزيج من عوادم السيارات القديمة، ورائحة الذرة المشوية، وعبق الطين المبلل الذي يكسو ضفاف النيل. لكن هنا، داخل "ڤيلا السيوفي" المهجورة في طرف جزيرة الزمالك كانت الرائحة مختلفة تمامًا. كانت رائحة الزمن وهو يحتضر. ​وقفت ليلى وسط البهو الكبير تتأمل السقف العالي الذي تتدلى منه ثريا كريستالية ضخمة وقد نسجت العناكب خيوطها بين حباتها وكأنها تحاول منعها من السقوط كانت ليلى في الثانية والثلاثين من عمرها لكن عينيها العسليتين كانتا تحملان تعباً ينتمي لإمرأة عاشت قرنًا كاملًا مهندسة ترميم آثار ومباني تاريخية، هكذا يُعرفونها في الأوراق الرسمية، لكنها كانت ترى نفسها "طبيبة شرعية للمباني المقتولة". ​مررت أصابعها النحيلة، التي لا تفارقها خشونة خفيفة بسبب التعامل مع الأحجار والجص، على الجدار البارد. تحسست شقًا طوليًا يمتد من السقف حتى الأرضية الرخامية. ​"أعلم أنك تتألم..." همست ليلى للجدار بصوت خافت، وكأنها تخاطب كائنًا حيًا. "أعلم أن الحمل ثقيل.. لكننا سنصلحه. أعدك." ​كان الصمت في الفيلا ثقيلًا، لا يقطعه سوى صوت أنفاسها المنتظمة وصرير النوافذ الخش

  • شقوق في جدار الروح    ذاكرة الماء

    الفصل الثاني للمياه ذاكرة لا تنسى، هكذا كانت ليلى تؤمن دائمًا. الماء لا يمحي الخطايا كما يظن البعض، بل يذيبها ويحفظها في جزيئاته، ثم يعيدها إليك في كل رشفة، في كل قطرة مطر، وفي كل دمعة تسقط سهوًا.​عادت ليلى إلى شقتها الصغيرة في حي المنيل، وهي تشعر بثقل العالم يجثم فوق كتفيها. كانت الشقة تشبهها؛ هادئة، مرتبة بشكل وسواسي، وتخلو من الألوان الصاخبة. الجدران مطلية بلون "أوف وايت" محايد، والأثاث بسيط، واللوحات المعلقة كلها لرسومات هندسية ومساقط أفقية لمساجد وكنائس قديمة. لا توجد صور شخصية. لا توجد وجوه تحدق فيها وتذكرها بمن كانت.​ألقت حقيبتها ومفاتيحها على الطاولة الجانبية، واتجهت مباشرة إلى المطبخ. ملأت كوبًا من الماء الزجاجي الشفاف. وقفت تحدق في الدوامة الصغيرة التي أحدثها تدفق الماء داخل الكوب. لثانية واحدة، تحولت الدوامة في عينها إلى تيار هادر، والمياه الصافية تعكرت بطمي النيل البني، وسمعت صوت الارتطام.. ذلك الصوت المكتوم لسيارة تخترق سطح النهر.​"ليلى! لا تتركي يدي!"​صوت "سلمى" شق سكون المطبخ. سقط الكوب من يد ليلى وتهشم على الأرضية السيراميكية، متناثرًا إلى مئات الشظايا التي عكست ض

  • شقوق في جدار الروح    رقصة الظلال

    الفصل الثالث لم يكن الصمت في السرداب مجرد غياب للصوت؛ كان كائنًا ثقيلًا يضغط على الطبلة، كثيفًا لدرجة تكاد تلمسه. ​بعد مرور ثلاث ساعات على حادثة الانهيار، كانت التجهيزات قد اكتملت. أحضر يوسف كشافات إضاءة قوية تعمل بالبطاريات، وحبالًا متينة، وسلّمًا معدنيًا طويلًا تم تثبيته بحرص عند حافة الفجوة. ​وقف الاثنان عند الحافة مرة أخرى. يوسف يرتدي بدلة عمل زرقاء داكنة وخوذة صفراء مثبت عليها كشاف ضوئي، بينما ارتدت ليلى سترة واقية فوق ملابسها، وربطت شعرها الأسود الفوضوي للخلف، محاولة السيطرة على ارتجافة يديها التي لم تكن بسبب البرد. ​"القاعدة الأولى: لا تلمسي شيئًا إلا بإذن." قال يوسف وهو يشد حزام الأمان حول خصره، صوته يخرج أجشًا قليلاً. "نحن لا نعلم ثبات السقف بالأسفل. خطوة خاطئة قد تجعلنا جزءًا من التاريخ الذي تعشقينه." ​نظرت إليه ليلى شذرًا: "أعرف بروتوكولات الأماكن المغلقة جيدًا يا حضرة المهندس. لستُ سائحة." ​"جيد. ابقي خلفي." ​هبط يوسف أولًا. كانت خطواته على السلم المعدني تصدر رنينًا مكتومًا يبتلعه الظلام بالأسفل. راقبته ليلى وهو يغيب تدريجيًا في جوف الأرض، حتى لم يبقَ منه سوى هالة

  • شقوق في جدار الروح    أصداء في الظلام

    الفصل الرابع لم يكن الظلام مجرد غياب للنور، بل كان حضورًا كثيفًا، ماديًا، يطبق على الصدور كيدٍ عملاقة من دخان بارد. في اللحظة التي انطفأت فيها الكشافات، اختفى العالم المرئي، وحل محله عالم الأصوات والأنفاس المتلاحقة ودقات القلوب التي تقرع في الآذان كطبول الحرب.​"يوسف؟" همست ليلى، وصوتها يخرج مرتجفًا، ضائعًا في الفراغ الأسود. مدت يدها في العتمة، تبحث عن أي شيء ملموس يثبت لها أنها لا تزال في عالم الأحياء.​"أنا هنا.. لا تتحركي." جاء صوته من مكان قريب جدًا، لكنه بدا مختلفًا. نبرة الثقة المعتادة، تلك النبرة الآمرة، قد شابتها شقوق من القلق. سمعت صوت ارتطام بلاستيكي، ثم صوت ضربات قوية على جسم صلب. كان يضرب الكشاف بيده محاولًا إعادته للعمل.​"اللعنة!" شتم يوسف بصوت مخنوق. "البطاريات جديدة تمامًا. هذا مستحيل فيزيائيًا."​"إنه ليس عطلاً.." قالت ليلى، وهي تشعر ببرودة الغرفة السرية تتسلل تحت سترتها وتلسع جلدها. "المكان يرفضنا. إنه يريدنا أن نرى بقلوبنا، لا بعيوننا."​"وفري الشعر الآن يا ليلى!" رد بحدة ناتجة عن التوتر. سمعت صوت حركة قماش، ثم صوت "تشيك" معدني مميز.​انبثق لهب صغير برتقالي من ولاع

  • شقوق في جدار الروح    دماء على الورق

    الفصل الخامس كان لصوت ارتطام المفتاح النحاسي بالأرضية السيراميكية رنين حاد، شق سكون الشقة كأنه طلقة رصاص. ظل المفتاح يدور حول نفسه للحظات قبل أن يستقر ساكنًا، لامعًا تحت ضوء الممر الخافت.​انحنت ليلى والتقطته بسرعة، وكأنها تخفي دليل إدانة، ثم عادت لتنظر إلى يوسف. كان الرجل الذي يقف أمامها الآن شبحًا لمهندس "الجزار" الواثق الذي عرفته. شعره مبلل وملتصق بجبينه، وسترته الفاخرة تقطر ماءً على سجادة المدخل، وصدره يعلو ويهبط بوتيرة غير منتظمة.​"ادخل.." قالت ليلى بصوت خفيض، وسحبت ذراعه برفق لتخرجه من ذهوله. "لا يمكننا الحديث عند الباب."​قادته إلى غرفة الجلوس الصغيرة. جلس يوسف على الأريكة بانهيار، واضعًا الملف الأصفر المتورم من الرطوبة على الطاولة أمامه. ذهبت ليلى سريعًا إلى المطبخ وعادت بمنشفة وكوبين من الشاي الساخن. لم يشكرها، ولم ينظر إليها، كانت عيناه مثبتتين على الملف كأنه قنبلة موقوتة.​"كيف؟" سألت ليلى وهي تجلس على المقعد المقابل، تضم كوب الشاي بيديها لتدفئتهما من برودة الخوف التي سرت في أوصالها. "كيف تكون الفيلا ملكًا لعائلتك ونحن نعرفها باسم (فيلا السيوفي)؟"​أخذ يوسف نفسًا عميقًا،

  • شقوق في جدار الروح    عوامة الأسرار

    الفصل السادس كان النيل في منطقة "الكيت كات" يختلف عنه في الزمالك. هنا، يبدو النهر أكثر وحشية، أقل تهذيبًا، يضرب ضفافه بقوة وكأنه يحاول التحرر من مجراه. كانت العوامات الخشبية القديمة تصطف كطابور من العجائز المتهالكات، بعضها غرق نصفه، وبعضها يصارع الزمن بطلاء باهت وأخشاب نخرها السوس.​أوقف يوسف السيارة على الطريق الترابي المرتفع، ونزل يراقب المشهد. أشارت يده نحو عوامة تقبع في نهاية الصف، منعزلة ومحاطة بنباتات ورد النيل الكثيفة التي كادت تخفيها.​"هذه هي.." قال يوسف بصوت خالٍ من المشاعر. "حارسة النيل. لم يزرها أحد منذ عشرين عامًا على الأقل."​كانت العوامة عبارة عن هيكل خشبي من طابقين، طلاؤها الأزرق القديم تقشر ليكشف عن الخشب الرمادي تحته. نوافذها مغلقة بألواح خشبية مسمرة، وجسرها الصغير الواصل باليابسة يبدو وكأنه سيتهاوى تحت وطأة الرياح.​ترددت ليلى في النزول من السيارة. كانت ترى الماء يتلاطم أسفل العوامة، ويصدر صوت "خضخضة" مستمر. بالنسبة لها، لم يكن هذا نهرًا؛ كان مقبرة سائلة. ذاكرة الغرق عادت تضرب صدرها بقوة.​لاحظ يوسف شحوب وجهها وتسمرها في المقعد. فتح بابها وانحنى قليلًا:"لستِ مضطرة

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status