分享

في حضرة الشيخ

last update publish date: 2026-06-16 20:29:37

الفصل الثامن 

لم تكن الرحلة إلى "دوار" عائلة الصاوي طويلة بالسيارة، لكنها بدت كدهر من التوتر الصامت. كانت الحقول الخضراء المترامية لأعواد القصب الكثيفة تشكل جدارًا حيًا على جانبي الطريق الترابي، وكأن الأرض نفسها تتواطأ لإخفاء ما يحدث في الداخل.

​وصلت القافلة الصغيرة إلى بوابة حديدية ضخمة تتوسط سورًا عاليًا من الطوب اللبن المدعم بالحجر الجيري. فُتحت البوابة بصرير ثقيل، لتدخل السيارات إلى فناء واسع تتوسطه شجرة جميز عملاقة، تمد فروعها كأذرع أخطبوط عجوز يحرس المكان.

​نزل يوسف وليلى، يحيط بهما الحراس ببنادقهم المشرعة. لم تكن هناك عدائية صريحة، بل حذر وترقب. في الصعيد، الغريب ليس عدوًا حتى يثبت العكس، لكنه ليس ضيفًا حتى يأذن "الكبير".

​"ادخلوا المندرة." أمر الرجل ذو الشارب الكثيف، مشيرًا إلى قاعة استقبال كبيرة أبوابها مفتوحة على مصراعيها.

​دخل الاثنان. كانت "المندرة" مهيبة؛ سقفها عالي جدًا ومسنود بعروق خشبية ضخمة، والأرضية مغطاة بسجاد يدوي صوفي سميك. رائحة الهيل والقهوة العربية القوية تعبّق المكان، ممزوجة برائحة تبغ "المعسل". على الجدران، عُلقت بنادق قديمة وسيوف، وصور لرجال بشوارب مفتولة ونظرات صارمة، تاريخ كامل من القوة والسيطرة.

​جلس يوسف وليلى على أريكة خشبية جانبية. كانت ليلى تشعر بقلبها يقرع في صدرها كجرس إنذار.

"هل تعتقد أنه سيصدقنا؟" همست ليوسف.

​لم يجب يوسف. كانت عيناه تمسحان المكان، تبحثان عن ملامح مألوفة في الصور المعلقة. هل يرى وجه جده هنا؟ هل يرى ملامح والده؟

​فجأة، ساد صمت مطبق في الفناء الخارجي. توقفت الحركة، وانخفضت الأصوات.

دخل رجل من باب جانبي داخلي.

​لم يكن ضخم الجثة كما توقعت ليلى، ولا يحمل سلاحًا. كان رجلاً في السبعينيات من عمره، يرتدي جلبابًا أبيض ناصعًا وعمامة بيضاء دقيقة اللف. لكن ما لفت انتباههم لم يكن ملابسه، بل هالته. كان يمشي ببطء ولكن بظهر مستقيم، متكئًا بخفة على عصا من خشب الأبنوس. وجهه كان خريطة من التجاعيد الدقيقة، لكن عينيه... عيناه كانتا رماديتين، صافيتين، ومخترقتين، تختلفان تمامًا عن العيون السوداء للحراس من حوله.

​جلس الشيخ "عبد الله" على المقعد الرئيسي في صدر القاعة. وضع عصاه جانباً، وأخرج مسبحة من الكهرمان بدأ يداعب حباتها بإيقاع منتظم: تك.. تك.. تك.

​نظر إلى يوسف طويلاً، ثم إلى ليلى، قبل أن يتحدث بصوت هادئ ولكنه يحمل بحة الزمن:

"قالوا إنك تقول إنك من دمي. وإنك تحمل اسم (عز الدين)."

​نهض يوسف ووقف أمامه باحترام، لكن دون خضوع:

"أنا يوسف عز الدين. حفيد مراد باشا. وجئت لأبحث عن الحقيقة التي دُفنت قبل أن أولد."

​ابتسم الشيخ عبد الله ابتسامة غامضة، لا تصل لعينيه:

"الحقيقة يا ولدي كلمة كبيرة. الناس هنا تدفن الحقائق مع الموتى، وتزرع مكانها الصبار. ماذا تريد؟ ميراث؟ أرض؟ عائلة الصاوي لا تعطي لحمها للغرباء."

​"لا أريد مالاً." قال يوسف بحدة، وأخرج من جيبه الداخلي "الخشخيشة" الفضية والصورة الفوتوغرافية الوحيدة التي نجت من الحريق. تقدم خطوة ووضعهما على الطاولة الصغيرة أمام الشيخ.

"جئت لأعطيك هذا. ولأخبرك أن أمك لم تتركك بإرادتها."

​توقف صوت المسبحة.

نظر الشيخ عبد الله إلى الأشياء الموضوعة أمامه. مد يده المرتجفة قليلاً – تلك اليد التي بدت أنعم وأرق من أيادي الفلاحين حوله – وأمسك بالخشخيشة.

هزها برفق.

رنين خافت.

​أغمض الشيخ عينيه عند سماع الصوت. تغيرت ملامح وجهه. تلاشت الصرامة للحظة، وحل محلها ألم طفل تائه. هذا الصوت.. كان يعرفه. صوت يأتي من أعمق نقطة في ذاكرته، من زمن ما قبل الكلام.

​ثم أمسك الصورة. قربها من عينيه الرماديتين. نظر إلى وجه المرأة الواقفة على العوامة.

"الجنيه..." همس الشيخ بصوت متهدج، والدموع تتجمع في عينيه. "كانوا يعايرونني وأنا طفل.. يقولون (ابن الجنيه اللي رماها البحر). كنت أظنها شتيمة. لم أكن أعرف أنها كانت.. ملاكًا."

​رفعت ليلى رأسها، وتأثرت بشدة للمشهد. "اسمها نور يا سيدي. وقد أحبتك أكثر من حياتها. سُرقت منك، وسُرقت أنت منها."

​رفع الشيخ عبد الله رأسه لينظر ليوسف. هذه المرة، كانت النظرة مختلفة. كانت نظرة فحص وتدقيق للملامح.

"أنت تشبهه." قال الشيخ فجأة، وصوته يكتسي بالمرارة. "تشبه الرجل الذي يقف خلفها في الصورة. الرجل الذي كنت أراه في كوابيسي يغلق عليّ بابًا مظلمًا."

​"إنه جدي." قال يوسف بصوت منخفض، معترفًا بذنبه الوراثي. "أنا أحمل دمه، لكنني لا أحمل إثمه. جئت لأصلح ما كسره."

​تنهد الشيخ تنهيدة طويلة، وكأن جبلاً انزاح عن صدره، أو ربما جبل جديد قد استقر. أشار للحراس بالانصراف.

"اخرجوا جميعًا. أغلقوا الباب."

​عندما خلت القاعة إلا من ثلاثتهم، قال الشيخ عبد الله بصوت خافت:

"عائلة الصاوي لم تتبنني كرمًا يا بني. جدي بالتبني (كبير العائلة وقتها) قبض ثمن صمته ذهبًا وأراضي من الباشا جدك. كنت أنا الصفقة. عاشوا في خير (ثمن بيعي) سبعين سنة. وهم يخافون الآن أن تظهر الحقيقة فتضيع منهم الأرض، أو يطالبهم أحد بالدم."

​اتسعت عينا يوسف. لم تكن مجرد مأساة عائلية، بل كانت جريمة ممتدة الأثر، شبكة مصالح بُنيت على جسد طفل رضيع.

"لهذا السبب كان الحراس متوترين.." قالت ليلى. "هم لا يحمونك.. هم يحرسون سرهم."

​"بالضبط." أومأ الشيخ. "أنا هنا (البركة) التي تجلب الرزق، والسجين الذي لا يملك مفتاح زنزانته. عشت عمري كله غريبًا بينهم، روحي معلقة بالنيل، أنتظر شيئًا لا أعرف ما هو. حتى جئت أنت."

​فجأة، دوى صوت "بوق" سيارة قوي من الخارج، تبعه صوت لغط وصياح وتبادل شتائم عند البوابة الخارجية.

انتفض الشيخ عبد الله، وعادت ملامح الحذر لوجهه.

"من يجرؤ على رفع صوته في دوار الصاوي؟"

​تحرك يوسف نحو النافذة ليختلس النظر.

تجمد في مكانه.

​"سيارات دفع رباعي سوداء.." قال يوسف وهو يلتفت لليلى والشيخ، وجهه شاحب. "رجال يرتدون بذلات رسمية وسط الفلاحين. إنه فريد التهامي."

​شهقت ليلى: "كيف عرفوا مكاننا بهذه السرعة؟"

​"الهاتف.." ضرب يوسف جبهته بيده. "نسيت أن أتخلص من هاتفي أو أغلقه. لقد تتبعوا الإشارة!"

​وقف الشيخ عبد الله، واستند على عصاه بقوة، وعيناه تلمعان بغضب مكبوت لسنوات.

"التهامي؟ محامي الشيطان؟ سمعت الاسم في أوراق العائلة القديمة."

​"جاءوا ليأخذونا، وربما ليقتلوك يا عمي." قال يوسف بسرعة، وهو يبحث بعينيه عن مخرج. "وجودك حي يهدد صفقة البيع الجديدة للفيلا، ويهدد ميراثًا ضخمًا تم توزيعه زورًا."

​في الخارج، ارتفع صوت فريد التهامي عبر مكبر صوت، يخترق جدران الدوار بوقاحة:

"يا شيخ عبد الله.. سلمنا الضيوف اللي عندك بهدوء. دول مجرمين هاربين من حريق في القاهرة، والشرطة بتدور عليهم. سلمهم واحمي نجعك وأهلك من المشاكل."

​نظر الشيخ عبد الله إلى يوسف، ثم إلى صورة أمه "نور" التي لا تزال على الطاولة.

أمسك الصورة ووضعها في جيب جلبابه، قريبًا من قلبه.

​"سبعين سنة وأنا أعيش بأمرهم..." قال الشيخ بصوت قوي، وهو يتجه نحو الباب. "اليوم، سأعيش بأمري."

​التفت ليوسف وليلى وقال بلهجة آمرة:

"هناك باب خلفي للمندرة يؤدي لمخازن الغلال، ومنها لزراعات القصب. خذ ابنة عمك واهرب. سأعطلهم."

​"لن أتركك!" صاح يوسف. "لقد وجدتك للتو!"

​"أنت لم تجدني لتنقذني يا يوسف." ابتسم الشيخ ابتسامة حزينة وحكيمة. "أنت وجدتني لتنقذ نفسك. لتطهر روحك. اذهب الآن! واكشف الحقيقة للعالم. هذا هو حق (نور) وحقي."

​دفعهم الشيخ بيده نحو الباب الخلفي، ثم استدار وفتح الباب الرئيسي للمندرة على مصراعيه، ليواجه جيش المحامي والقتلة بصدر مكشوف، وعصا أبنوس، وروح تحررت أخيرًا من سجنها الطويل.

​سحبت ليلى يوسف المتردد بقوة، ودخلا في الظلام المعتم لمخازن الغلال، بينما كان صوت الشيخ عبد الله يجلجل في الفناء الخارجي بكلمات لم يميزوها، لكنها كانت تبدو كتعويذة حماية أخيرة.. أو كإعلان حرب.

​ركض الاثنان وسط أكوام القمح، ورائحة الغبار تملأ أنوفهم، وصدى طلقة رصاص واحدة مزق سكون الظهيرة، ليعلن أن الماضي قد بدأ في استيفاء ديونه.. بالدم.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • شقوق في جدار الروح    فخ الطاحونه

    الفصل السادس عشر أغلق يوسف الهاتف بقوة، وعيناه تتفحصان جدران القبو المظلمة وكأنه يبحث عن طيف المتصل بين الشقوق. تردد صدى الضحكة الخشنة في الزوايا الرطبة، ليزيد من ثقل الهواء الخانق الذي يتنفسونه."من كان على الهاتف يا يوسف؟" سألت ليلى بصوت مرتجف، وهي تتراجع خطوة بعيداً عن الصندوق الزجاجي المحطم والرماد المتناثر تحته."عائلة الصاوي،" أجاب يوسف بصوت خافت لكنه مشحون بغضب أعمى. "لقد أعلنوا الحرب رسمياً. لكنهم اختاروا اللعب بعقولنا قبل أجسادنا."اقترب الشيخ عبد الله، مستنداً إلى عصاه الخشبية الثقيلة، ووجه كشاف هاتفه نحو الجدار المقابل للسرير الحديدي الصدئ. "انظر يا ولدي، لم يسرقوا الرماد والدمية فقط. انظر ماذا تركوا خلفهم."وجه يوسف نظره حيث أشار عمه. على الجدار الحجري، وبحبر أحمر طازج لم يجف بعد، كُتبت عبارة واحدة بخط عريض متعرج وكأن من كتبها كان يرتجف انفعالاً: "خطايا الجد تُدفع من دماء الحفيد.. موعدنا في الطاحونة."شعرت ليلى بغثيان مفاجئ، وبرودة تسري في أطرافها. "الطاحونة؟ أي طاحونة يتحدثون عنها؟"تنهد الشيخ عبد الله تنهيدة عميقة أخرجت معها غبار السنين الثقيل. "طاحونة الهواء المهجورة ع

  • شقوق في جدار الروح    رماد السرايا

    الفصل الخامس عشر شقت عجلات سيارة يوسف عتمة طريق الصعيد الصحراوي كشفرة سكين غاضبة، تتحدى أمطار ما قبل الفجر الباردة. كان مؤشر السرعة يتجاوز المائة وأربعين، بينما الصمت الخانق يسيطر على الكابينة، لا يقطعه سوى حفيف إطارات السيارة العنيف على الأسفلت المبلل.بجوار يوسف، جلست ليلى تضم معطفها حول جسدها المرتجف، وعيناها مثبتتان على الصندوق الخشبي المغلق الذي أصر يوسف على إحضاره. كانت تشعر وكأن الصندوق ينبض، يبث طاقة سامة تعيدها إلى أسوأ كوابيسها."يوسف، أبطئ قليلاً، لن يفيد عمك أن نموت في حادث على الطريق." قالتها ليلى بصوت متهدج.لم يلتفت إليها، بل أحكم قبضته على عجلة القيادة حتى ابيضت مفاصله. "لا يمكنني يا ليلى. آل الصاوي لا يلعبون. إنهم يضربون في المقتل، وفتحهم لغرفة جدي في الفشن يعني أنهم يبحثون عن وثائق قديمة... أو عن شيء أسوأ."بعد ساعة ونصف من القيادة اللاهثة، لاحت في الأفق لافتة (مركز الفشن). لم تكن المدينة الهادئة التي زارتها ليلى من قبل. بمجرد انحرافهم نحو الطريق الزراعي المؤدي إلى سرايا الشيخ عبد الله، زكمت أنوفهم رائحة الدخان الكثيف الممزوج برطوبة الحقول.توقفت السيارة بفرملة عنيف

  • شقوق في جدار الروح    طارق منتصف الليل

    الفصل الرابع عشر لم يكن المطر الذي يجلد نوافذ "مركز نور" بالزمالك تلك الليلة عادياً؛ كان يضرب الزجاج بقسوة وكأنه يحمل غضب السماء، أو كأن أرواحاً غاضبة تطالب بالدخول. في الداخل، كان يوسف يقف أمام طاولته الهندسية، يراجع مخططات ترميم جديدة، بينما ليلى تجلس على مقعدها تقرأ كتاباً. مرت ثمانية أشهر على إغلاق صفحة الماضي، وثمانية أشهر من الهدوء الذي ظناه أبدياً.فجأة، مزّق رنين الهاتف الأرضي جدار الصمت.نظر يوسف إلى ساعته. الثانية وربع بعد منتصف الليل. من يتصل بالمركز في هذا الوقت؟رفع السماعة ببطء. "ألو؟"لم يأتِ الرد فوراً. كان هناك صوت أنفاس متلاحقة، أزيز رياح، وصوت تشويش غريب يشبه طقطقة النيران."يوسف..."تصلب جسد يوسف وتوقفت أنفاسه. الصوت كان مألوفاً، لكنه كان يرتجف بشدة، مجرداً من وقاره المعتاد. "عمي عبد الله؟ هل أنت بخير؟ هل حدث شيء في الفشن؟"تركت ليلى كتابها ونهضت مسرعة نحوه، عيناها تتسعان بالقلق."الرماد يا ولدي... الرماد لم يبرد." سعل الشيخ عبد الله بقوة، وتداخل صوته مع أصوات صراخ بعيدة وتكسير زجاج في الخلفية. "عائلة الصاوي... لم ينسوا. ظننا أن تنازلنا عن بعض الأراضي سيرضيهم، لكنه

  • شقوق في جدار الروح    سيمفونية الغبار

    الفصل الأول كان للقاهرة في الشتاء رائحة خاصة؛ مزيج من عوادم السيارات القديمة، ورائحة الذرة المشوية، وعبق الطين المبلل الذي يكسو ضفاف النيل. لكن هنا، داخل "ڤيلا السيوفي" المهجورة في طرف جزيرة الزمالك كانت الرائحة مختلفة تمامًا. كانت رائحة الزمن وهو يحتضر. ​وقفت ليلى وسط البهو الكبير تتأمل السقف العالي الذي تتدلى منه ثريا كريستالية ضخمة وقد نسجت العناكب خيوطها بين حباتها وكأنها تحاول منعها من السقوط كانت ليلى في الثانية والثلاثين من عمرها لكن عينيها العسليتين كانتا تحملان تعباً ينتمي لإمرأة عاشت قرنًا كاملًا مهندسة ترميم آثار ومباني تاريخية، هكذا يُعرفونها في الأوراق الرسمية، لكنها كانت ترى نفسها "طبيبة شرعية للمباني المقتولة". ​مررت أصابعها النحيلة، التي لا تفارقها خشونة خفيفة بسبب التعامل مع الأحجار والجص، على الجدار البارد. تحسست شقًا طوليًا يمتد من السقف حتى الأرضية الرخامية. ​"أعلم أنك تتألم..." همست ليلى للجدار بصوت خافت، وكأنها تخاطب كائنًا حيًا. "أعلم أن الحمل ثقيل.. لكننا سنصلحه. أعدك." ​كان الصمت في الفيلا ثقيلًا، لا يقطعه سوى صوت أنفاسها المنتظمة وصرير النوافذ الخش

  • شقوق في جدار الروح    ذاكرة الماء

    الفصل الثاني للمياه ذاكرة لا تنسى، هكذا كانت ليلى تؤمن دائمًا. الماء لا يمحي الخطايا كما يظن البعض، بل يذيبها ويحفظها في جزيئاته، ثم يعيدها إليك في كل رشفة، في كل قطرة مطر، وفي كل دمعة تسقط سهوًا.​عادت ليلى إلى شقتها الصغيرة في حي المنيل، وهي تشعر بثقل العالم يجثم فوق كتفيها. كانت الشقة تشبهها؛ هادئة، مرتبة بشكل وسواسي، وتخلو من الألوان الصاخبة. الجدران مطلية بلون "أوف وايت" محايد، والأثاث بسيط، واللوحات المعلقة كلها لرسومات هندسية ومساقط أفقية لمساجد وكنائس قديمة. لا توجد صور شخصية. لا توجد وجوه تحدق فيها وتذكرها بمن كانت.​ألقت حقيبتها ومفاتيحها على الطاولة الجانبية، واتجهت مباشرة إلى المطبخ. ملأت كوبًا من الماء الزجاجي الشفاف. وقفت تحدق في الدوامة الصغيرة التي أحدثها تدفق الماء داخل الكوب. لثانية واحدة، تحولت الدوامة في عينها إلى تيار هادر، والمياه الصافية تعكرت بطمي النيل البني، وسمعت صوت الارتطام.. ذلك الصوت المكتوم لسيارة تخترق سطح النهر.​"ليلى! لا تتركي يدي!"​صوت "سلمى" شق سكون المطبخ. سقط الكوب من يد ليلى وتهشم على الأرضية السيراميكية، متناثرًا إلى مئات الشظايا التي عكست ض

  • شقوق في جدار الروح    رقصة الظلال

    الفصل الثالث لم يكن الصمت في السرداب مجرد غياب للصوت؛ كان كائنًا ثقيلًا يضغط على الطبلة، كثيفًا لدرجة تكاد تلمسه. ​بعد مرور ثلاث ساعات على حادثة الانهيار، كانت التجهيزات قد اكتملت. أحضر يوسف كشافات إضاءة قوية تعمل بالبطاريات، وحبالًا متينة، وسلّمًا معدنيًا طويلًا تم تثبيته بحرص عند حافة الفجوة. ​وقف الاثنان عند الحافة مرة أخرى. يوسف يرتدي بدلة عمل زرقاء داكنة وخوذة صفراء مثبت عليها كشاف ضوئي، بينما ارتدت ليلى سترة واقية فوق ملابسها، وربطت شعرها الأسود الفوضوي للخلف، محاولة السيطرة على ارتجافة يديها التي لم تكن بسبب البرد. ​"القاعدة الأولى: لا تلمسي شيئًا إلا بإذن." قال يوسف وهو يشد حزام الأمان حول خصره، صوته يخرج أجشًا قليلاً. "نحن لا نعلم ثبات السقف بالأسفل. خطوة خاطئة قد تجعلنا جزءًا من التاريخ الذي تعشقينه." ​نظرت إليه ليلى شذرًا: "أعرف بروتوكولات الأماكن المغلقة جيدًا يا حضرة المهندس. لستُ سائحة." ​"جيد. ابقي خلفي." ​هبط يوسف أولًا. كانت خطواته على السلم المعدني تصدر رنينًا مكتومًا يبتلعه الظلام بالأسفل. راقبته ليلى وهو يغيب تدريجيًا في جوف الأرض، حتى لم يبقَ منه سوى هالة

  • شقوق في جدار الروح    حين يزهر الحجر

    الفصل الثالث عشر والأخير لم تكن القاهرة في ذلك المساء مجرد مدينة من الإسمنت والضجيج؛ كانت تبدو وكأنها لوحة انطباعية غُسلت بماء المطر لتوها. في حي الزمالك، وتحديدًا في حديقة "فيلا عز الدين" (مركز نور)، كانت الأضواء الخافتة المعلقة على الأشجار تتلألأ كأنها نجوم هبطت لتستريح على الأرض.​وقف الشيخ "عب

  • شقوق في جدار الروح    أكتمال السوناتا

    الفصل الثاني عشر عاد الهدوء ليسكن "فيلا السيوفي" - أو بالأحرى "فيلا مراد عز الدين" - ولكن هذه المرة، لم يكن هدوء الموت والنسيان، بل هدوء الانتظار والترقب. البوابة الحديدية كانت مفتوحة، ليس للصوص، بل لأصحاب الدار الشرعيين.​دخل يوسف وليلى إلى البهو الكبير. كانت شمس الأصيل الذهبية تتسلل عبر النوافذ

  • شقوق في جدار الروح    حكم القدر

    لفصل الحادي عشر لم يكن السقوط مجرد استجابة لقانون الجاذبية، بل بدا وكأن روح "العدالة" الكامنة في التمثال قد استيقظت لتنتقم لنفسها. هوت كفة الميزان البرونزية الثقيلة، التي تزن عشرات الكيلوجرامات، بسرعة خاطفة، شاقة الهواء بصوت صفير مرعب.​تجمدت ملامح فريد التهامي. اتسعت عيناه خلف نظارته الطبية في جز

  • شقوق في جدار الروح    ظلال المدينه القديمه

    الفصل العاشر تسلل الفجر إلى سماء "حلوان" الصناعية بلون رمادي كئيب، مختلطًا بدخان المصانع الذي يعانق الضباب. تباطأت عجلات قطار البضائع، مصدرة صريرًا معدنيًا حادًا يعلن عن نهاية الرحلة.​قفز يوسف أولًا من العربة المكشوفة قبل أن يتوقف القطار تمامًا، وتلقى ليلى بين ذراعيه. تدحرجا معًا على الحصى بجوار

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status