LOGINأمام منزل سمر.. كانت تقف تمسك بهاتفها بقلة صبر، تنتظر بخيلاء وثقة أن تسمع خبر القبض على فارس، أو خبر انهيار ياسمين التام. ابتسامة الشماتة لم تفارق شفتيها، حتى لمحت ظل خطوات سريعة تقترب منها بقوة.. رفعت رأسها لتجد إسلام يقف أمامها! في تلك اللحظة، لم يكن إسلام ذلك الشاب المخدوع أو المتردد.. كانت عيناه كأنها الجمر المشتعل، وملامحه جامدة كالصخر تقطر غضباً وازدراءً. ابتلعت سمر ريقها بتوتر مفاجئ، لكنها حاولت رسم ابتسامة مرتبكة وادعاء البراءة كعادتها: — "إسلام؟! خير يا حبيبي.. في حاجة؟ أنت كويس؟!" خطا إسلام خطوة واحدة نحوها، فترجعت هي خطوتين للخلف رعباً من هيئته. قال بصوت خافت، هادئ بشكل يخيف العظام، ويحمل قسوة أشد من الصراخ: — "كنت فاكر إن الحقد بيعمي العيون بس.. طلع بيعمي النفوس وبيحول البني آدم لحيوان مبيفكرش غير في الأذية!" تصبب العرق البارد من جبهة سمر، وقالت بنبرة متلعثمة تتصنع الذهول: — "أنت.. أنت بتقول إيه يا إسلام؟! أنا عملت إيه؟! أنا كل اللي عملته إني حذرتك وحافظت على أختك وعلى سُمْعتك!" ضحك إسلام ضحكة سخرية ممرورة هزت المكان، ثم اقترب منها حتى صار على بعد خطوات
أطرقت ملك رأسها بخوف وقالت: — "حاضر اتفضل.." في غرفة ملك.. كان الهواء مشبعاً بالخوف والترقب، إسلام يقف كالجبل الغاضب وأصابعه تقبض على هاتف ملك بقسوة. وفجأة.. أضاءت الشاشة، وارتفع صوت نغمة الهاتف تعلن عن اتصل من ياسمين! نظرت ملك إلى الاسم المكتوب على الشاشة بلهفة وشوق، بينما تحجرت عينا إسلام، وسحبت الغيرة والغضب الأعمى عاطفته. فتح المكالمة بنفسه دون مقدمات، ووضع الهاتف على أذنه. على الناحية الأخرى، كان صوت ياسمين ينطلق كالعصفور الشادي، مفعماً بالبهجة والأمل: — "باركيييلي يا ملوووكااا.. باركيلي!" لكن إسلام لم يترك لها مساحة للتنفس، بل عاجلها بصوت كأنه صاعقة هادمة يقطر قسوة وازدراء: — "تبارك لك على إيه?! على غشك وخداعك?! عوزة مننا إيه؟! ابعدي بقى عننا.. مش كفاية نقص وكدب بقى?!" وقبل أن تستوعب كلماته، أغلق الخط في وجهها بحدة! التفت إسلام إلى ملك، ألقى الهاتف على الأرض ليتناثر أجزاءً، وصرخ بوجهها بعيون حارقة وصوت هز أركان الغرفة: — "هي السبب مش كده?! كنتِ بتكذبي عليا! مين فارس دا?! هي اللي زقته عليكِ?! كلام سمر طلع صح! بتكذبي عليا ليه?! وهي.. هي إزاي خدعتني فيها كده?
تنهد مروان بقلب مكلوم، وانسكبت الدموع من عينيه وهو يتكلم لأول مرة بعفوية: — "معرفش إذا كنت بشوفها فيكي ولا بشوف نفسي! عندك حق.. كل واحد فينا جواه شخص بيعاني ومحتاج مساعدة، حتى لو كان دكتور!" ابتسمت ياسمين في هدوء وتفهم عميق. تحدث مروان كثيراً، أفرغ كل ما في صدره من ألم وذنب وحسرة.. شعر بروحه تتحرر أخيراً من حمل ثقيل حبسه داخله لسنوات طوال! لم يكن يريد حتى إظهار المعاناة للناس؛ فكيف يكون الطبيب والمريض في آن واحد؟! كان الجميع يظنون أن كونه طبيباً نفسياً يجعله قادراً على علاج نفسه بسهولة.. لا أحد يعلم أنه كان يغرق أكثر وأكثر، حتى هو لم يكن يعلم ذلك! في وقت لاحق.. كانت المواجهة المحتومة! وقفت ياسمين أمام "سمر"، ونظرت إليها بجمود وقوة استجمعتهما لمواجهة هذا الشر. سألتها سمر بتوتر ومكابرة: — "قُلتِ عوزة تقابليني ضروري.. في إيه؟" ردت ياسمين بثبات وهي تجلس أمامهما بنبرة حادة: — "لا مفيش.. كنت عوزة أعرف بس عوزة مني إيه؟ وشاغلة دماغك بيا ليه؟ وجيت بنفسي بدل اللف والدوران!" نظرت سمر إليها بصدمة وشحوب، وبلعت ريقها بتوتر ظهَرَ جلياً على ملامحها وهي تحاول إخفاء ارتباكها وادعاء
لمح دراجة نارية تفر مسرعة.. لقد صدمها سائقها بقوة وهو يقود بطيش ولم يتوقف حتى للرؤية! بدأ الناس يتجمعون حولهما في ذعر، بينما هو يجثو على ركبتيه ويحضن جسدها بتملك وصدمة ذهول.. منظر الدماء التي أغرقت ثيابها وثيابه لا يغادر مخيلته ولا يغيب عن عينيه حتى هذه اللحظة! وصلت سيارة الإسعاف التي لحسن الحظ كانت قريبة جداً من موقع الحادث، خلص المسعفون جسدها من بين يديه بصعوبة بالغة وهو يصرخ ويرفض ترك يدها المعلقة بيده، فركب جوارها في السيارة. فتحت منار عينيها بضعف أنفاسها الأخيرة، وهمست له بكلمات متقطعة.. اقترب منها والدموع تغرق وجهه ليسمع ما تقوله: — "مش هتسيبني؟" هز رأسه بعنف ودموع حارقة: — "لا!" تطلعت فيه بعيون تذبل: — "بتحبني؟.. بتحبني?!" هز رأسه بالإيجاب، كأنه فقد القدرة على النطق من هول الفاجعة! همست بمنتهى الضعف: — "متسيبنيش.. متزعلش.. هتلاقيني.. هتلاقيني فيها.. في عينيها.. متسيبنيش.. بحبك.." رجع صوته أخيراً بالصراخ والبكاء والمرارة: — "مش هتمشي! مش هتسيبيني! هتبقي كويسة!" غلب صوته البكاء والشهيق، بينما كانت آخر كلمات نطقتها منار بعد أن تلفظت بالشهادتين بصوت خافت
أحنى فارس رأسه، والتف صوته بمرارة الندم الشديد وهو يواصل كلامه: — "أنا فعلاً بحبها ومن قبل كده! أنا اضطريت أوافق علشان أكون جنبها قبل ما يكون خوف من تهديدات سمر.. أنا بعدت عنها لما هي طلبت مني، وسمر بتضغط عليا وبتقول هتسلم الفيديو! أنا مش عاوز أخدع ملك ولا أأذيها تاني.. أنا عقاب لنفسي أهملت دراستي زيها وأكتر، مش عارف أعمل إيه!" كانت الصدمة ظاهرة على وجهي وبشدة! شعرتُ وكأن عقلي يتجمد في مكانه، أيُعقل أن يكون كلامه حقيقياً؟! تفعل سمر كل ذلك لمجرد أنه لم يحبها هي فقط؟! دون أي أسباب أخرى تجعلها بتلك الشراسة! تريد إيذاءه في شقيقته الوحيدة! وأنا؟! ماذا فعلتُ لها لتزجّ بي في هذا الجحيم؟! تريد توريطي لمجرد أنه أحبني أنا؟! ماذا إذن كانت ستفعل بنا لو استمرت علاقتنا ولم نفترق؟! صدقاً.. شعرتُ بالخوف يتسلل إلى أطرافي، وفي ذات الوقت التمستُ له العذر؛ مع أنه مذنب لا محالة، لكن شعوره الصادق بالذنب، واعترافه الخطأ وعدم الاستمرار فيه يشفع له.. تشفع له توبته النقيّة. نظرتُ في عينيه وتساءلتُ بحذر: — "كلامك دا حقيقي ولااا.." قاطعني لهفاً وهو يرفع يده بالحلفان: — "والله العظيم حقيقي! لو
رددتُ بثبات وتطلع: — "أنجح في شغلي.. على فكرة أنا خلصت جامعة، لكن لسه عندي دراسات عليا." قطم شفتيه وقال بلهجة آمرة ومستبقاً للأحداث: — "بس الشغل والدراسة زائد مسؤولية الجواز والأولاد هتكون كبيرة عليكِ! أعتقد لو حصل نصيب واتجوزنا يبقى تأجلي موضوع الدراسات العليا دا شويه.." سألته مباشرة دون مواربة: — "والشغل؟" اتكأ على ظهر المقعد وقال بنبرة لا تخلو من الفوقية: — "بصي بالنسبة ليا مش محتاج شغلك في حاجة، لكن لو شغلك مش هيتعارض مع البيت وهتعرفي تنظمي وقتك.. فبراحتك." رمقته بنظرة حادة وأنا أردف بوضوح: — "بس أنا ممكن في شغلي أضطر أسافر، أو يكون بره مصر أصلاً لو اتأقبلت في السلك الدبلوماسي!" تغير لون وجهه وانقبضت ملامحه بحدة: — "سلك دبلوماسي!! أنا على حد علمي إن آخرك معيدة في الجامعة، أو شغل الجمعية.. مش سفر واستقرار بره! أنا أصلاً شغلي بره بس شقتي ومراتي هتكون في مصر وأنا هنزل زيارات!" استنكرتُ كلامه وقاطعتُه بصلابة: — "أنت أكيد عارف مجال دراستي كويس، وأكيد مدخلتش الكلية دي علشان بس أبقى معيدة!" وليه مراتك متبقاش معاك وانت مسافر؟؟ تهكم وجهه ونطق بصفاقة متناهية ووقا







