مشاركة

الفصل الخامس

last update تاريخ النشر: 2026-06-18 05:08:52

غلبها النعاس أخيراً بعد ليلة شاقة، لينتشلها من بحر ذكرياتها المظلمة وتستسلم لراحة قصيرة يفتقدها جسدها المتعب...

بعد العصر بساعه، استيقظ إسلام من نومه بنشاط، توجه نحو الحمام حيث توضأ وصلى فرضه بيقين وهدوء. بعد ذلك، دلف إلى المطبخ وبدأ في تحضير الغداء؛ صنع المعكرونة والدجاج المقرمش (البانيه)، فهي الوجبة الأسهل والأسرع التي أتقن طهوها منذ وفاة والدته -رحمها الله-. فمنذ ذلك اليوم الحزين، وجد نفسه فجأة المسؤول الأول والأخير عن شقيقته الصغيرة "ملك". نسى إسلام تماماً طعم الوجبات البيئية الدافئة؛ إلا في حالات نادرة عندما تزورهم إحدى خالاته، أو تحن عليه شقيقته الكبرى وتعود إلى مصر في إجازة. لكنها منذ أن تزوجت وسافرت مع زوجها للخارج، أصبحت زياراتها نادرة، لا تتعدى المرة الواحدة كل عام، وها هو العام الثاني يمر دون أن تأتي، متحججة بالظروف وصعوبة السفر.

كثيراً ما كان يكلمه عمه في أمر الزواج، يلح عليه لكي يجد زوجة صالحة تؤنس وحدته وتساعده في حمل مسؤولية البيت، لكنه كان يرفض دائماً وبشدة؛ فهو لا يريد الزواج لمجرد الهروب من المسؤولية أو للبحث عن طاهية وخادمة، بل كان يؤمن أنه لابد أن يجد شريكة حياته التي تناسب فكره ويدق لها قلبه بعاطفة حقيقية. كان يعلم تمام العلم أن عمه يحبه بشدة، ويتمنى أن يزوجه لإحدى بناته، لكن إسلام لم يكن يرى بنات عمه إلا كشقيقات له تماماً مثل ملك، ولا مكان لهن في قلبه كحبيبات.

قطع حبل تفكيره ونبشه في الماضي رنين هاتفه المحمول، فنظر إلى الشاشة وابتسم تلقائياً:

"ألو.. أيوا يا ملوكة، خلصتي يا قمري؟"

استمع لردها عبر الطرف الآخر، ثم تابع بحنان: "حاضر، مسافة السكة وأكون عندك.. طبخت؟ آه طبعاً طبخت -ضحك بخفة وتابع- هتتفاجئي أول ما تيجي! يلا سلام يا جميل، أنا جايلك حالا...".

أغلق الهاتف معها، وتأكد بحرص من إغلاق جميع شعلات البوتاجاز، ثم بدل ملابسه على عجل واستقل سيارته متوجهاً نحو مركز الدروس.

أوقف السيارة أمام "السنتر"، وركبت ملك بجواره وعلامات الضيق ترتسم على وجهها الطفولي، فسألها بقلق: "أنا اتأخرت عليكي؟"

ردت ملك باقتضاب: "لا".

تطلع إلى وجهها العبوس وقال ممازحاً: "أمال مبوزة وشك كده ليه؟".

تنهدت ملك بضيق وقالت: "البنات زميلاتي كانوا خارجين مع بعض وعاوزيني أروح معاهم، ولما قلتلهم استنوا هقول لأبله إسلام الأول وأرد عليكم، فضلوا يتريقوا عليا ويضحكوا.. كل اللي في السنتر ضحكوا عليا!".

نظر إليها إسلام بهدوء وسألها: "وأنتِ يا ملك.. كنتِ عاوزة تروحي معاهم فعلاً؟"

هزت رأسها نفياً وقالت بصدق: "لا مش عاوزة.. هما أصلاً مش أصحابي، مجرد زمايل وبس".

تابع إسلام بابتسامة: "أمال زعلانة ومقروصة كده ليه؟ علشان اتريقوا عليكي؟".

ردت بنبرة حزينة تلمع فيها الدموع: "آه.. وعلشان كمان أنا مش بخرج خالص؛ من البيت للسنتر ومن السنتر للبيت، ولما بغير جو شوية بيبقى يا إما بروح الدرس يا إما بروح عند عمو.. أنا مش بخرج مع أصحابي خالص زي بقية البنات".

سألها إسلام وهو يلتفت بالطريق: "أصحابك مين يعني؟ مروة؟".

أجابت بقلة حيلة: "آه مروة.. وأنت كل مرة تقولي هفسحك وأخرجك ومش بتخرجني في الآخر".

شعر إسلام بالذنب تجاه شقيقته الصغيرة، وأراد أن يعوضها، فسألها: "طيب البنات دول بيخرجوا إمتى؟".

ردت ببراءة: "بيخرجوا على طول وعادي".

ابتسم إسلام وقال بحسم: "طيب كلمي مروة دلوقتي وخليها تستأذن باباها، ويوم الجمعة الجاية دي أنا هخرجكم ونتفسح فسحة حلوة.. اتفقنا؟".

اتسعت عينا ملك بفرحة عارمة وصاحت: "بجد يا أبيه؟! يعني مش هيطلعلك شغل كالعادة كدا ولا كدا وتلغي الخروجة؟".

ضحك إسلام من قلبه وقال: "ليكي عليا يا ستي.. لو طلعلي أي شغل طارئ، هوصلكم بنفسي للمكان اللي أنتوا عاوزينه وأروح أنا لشغلي، ولما تخلصوا هعدي أخذكم.. اتفقنا؟".

قفزت ملك في مقعدها قائلة بحماس: "اتفقنا!".

تهللت أساريرها وتابع إسلام وهو يصف سيارته أسفل بنايتهم: "طيب يلا بقى وصلنا، اطلعي أنتِ الشقة وأنا هركن العربية وجايلك على طول".

بعد دقائق قليلة لحق بها في الشقة، ودخل المطبخ وهو يقول بصوت مرتفع: "يلا ادخلي غيري هدومك واغسلي إيدك بسرعة عشان نجيب الأكل ناكل".

خرجت ملك من غرفتها وهي تستنشق الهواء وقالت بتهكم طريف: "أنا مش شامة يعني روايح مغرية ولا حاجة.. فين المفاجأة اللي قلت عليها في التليفون؟".

رد إسلام بثقة: "اتقلي بس على رزك...".

بدلت ملك ملابسها وجاءت لتجلس على طاولة الطعام، ونظرت بيأس إلى الأطباق الموضوعة أمامها، ثم التفتت إليه قائلة:

"أبيه.. فين المفاجأة؟ أنت تقريباً بتعملنا مكرونة وبانيه طول الأسبوع! ويوم ما تحب تغير وتعمل ريفريش بتعمل صينية بطاطس.. فين التجديد؟".

وضع إسلام لقمة في فمه وقال بنبرة تمثيلية حانقة: "أنا حاسس إن في نبرة استهزاء واضحة بطبيخي وأكلي.. ابقي اطبخي أنتِ يا أختي وورينا شطارتك، اعمليلنا حلة محشي ولا صينية بشاميل من إيديكي!".

ضحكت ملك وخطفت قطعة من الدجاج وقالت وهي تأكل بتلذذ لتلطيف الأجواء: "لا إزاي يا أبيه! ده أنت أحسن واحد في الدنيا يعمل بانيه ومكرونة، هو البانيه ده سهل يعني؟ مش أي حد يعرف يضبطه ويطلعه مقرمش كده.. تصدق يا أبيه؟ أنا فعلاً اتفاجأت النهاردة، حاسة إن الطعم بيزيد حلاوة عن كل مرة!".

رد عليها إسلام بضحكة رنانة هزت كتفيه وهو يشير إليها بسبابتها:

"يا بت يا بكّاشة! أول ما قلتلك اطبخي أنتِ اتعدلتي على طول وبقيتي تمدحي في البانيه بتاعي؟!"

ضحكت ملك بقوة ورفعت يديها ببراءة قائلة: "والله يا أبيه أنا خايفة عليك مش أكتر! ما هي صحة البني آدم مش لعبة برضه.. لو أنت مش خايف على صحتك ومستغني عنها، اديني بس 'فرصتي' وخليني أدخل المطبخ وأنا هبهرك!".

نظر إليها إسلام وارتسمت على ملامحه أمارات الرعب الفكاهي، وتراجع للخلف خطوة وهو يمثل الخوف قائلاً: "لا يا ستي.. البانيه والمكرونة بتاعي أرحم بكتير لبطننا! وبعدين أنتِ السنة دي ثانوية عامة ومش عاوزك تتشغلي بأي حاجة تانية.. خلصي بس هانت أهي، وندخلك كلية سياحة وفنادق قسم طبخ، علشان تتعلمي بجد وتعمليلنا ما لذ وطاب من الأكلات العالمية.. وساعتها بقى هستغلك أسوأ استغلال!".

ضاقت عينا ملك بمرح طفولي ونظرت إليه بتحدٍ طريف وهي تضع يدها في خصرها قائلة: "استغلالي!".

هز إسلام رأسه ببرود مضحك وهو يبتسم: "اممممم.. جداً فوق ما تتخيلي".

تلاشت ملامح التحدي من وجه ملك لتحل محلها ابتسامة دافئة ممتنة، وقالت وهي تنظر إليه بحب: "بس قمر.. وعلى قلبي زي العسل والشراب كمان يا أبيه".

اتسعت ابتسامته ولمعت عيناه بالحنّية وصاح بتأثر: "قلبي يا ناس! ربنا يخليكي ليا يارب وميحرمنيش من لسانك الحلو ده.. يلا بقى خلصي أكلك بسرعة، واعمليلي فنجان قهوة مظبوط على ما أدخل أنا الأوضة ألبس هدومي عشان ألحق النبطشية التانية".

هزت رأسها بحماس وقالت: "حاضر من عينيا يا أبيه، ثواني وتكون جاهزة".

بعد نصف ساعة، خرج إسلام من غرفته وهو يرتدي ملابسه بكامل أناقته، وكانت رائحة عطره تسبق خطواته في الصالة. اقترب من شقيقته وربت على كتفها بحنان وهو يستعد للمغادرة قائلاً:

"ملوكة، أنا نازل خلاص.. خلي بالك من نفسك كويس أوي، واقفي الباب وراكِ بالترباس والمفتاح. أنا في طريقي هعدي على بيت عمك، وهخليه يبعتلك واحدة من البنات تبات معاكي النهاردة؛ لأن 'أم سارة' كلمتني وقالت إنها مش هتعرف تيجي النهاردة كمان بسبب ظروفها".

نظرت إليه ملك برجاء وهزت رأسها قائلة بعفوية: "يا أبيه مفيش لزوم خالص لكل ده، وتعب عمو وبناته.. أنا هقفل الباب ورايا كويس جداً وخلاص، وهبات لوحدي ومش هخاف.. ولو عوزت أي حاجة في أي وقت، هرن عليك فوراً على الموبايل وأنت في المستشفى".

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • صدفة غيرت حياتي    الفصل الخامس

    غلبها النعاس أخيراً بعد ليلة شاقة، لينتشلها من بحر ذكرياتها المظلمة وتستسلم لراحة قصيرة يفتقدها جسدها المتعب... بعد العصر بساعه، استيقظ إسلام من نومه بنشاط، توجه نحو الحمام حيث توضأ وصلى فرضه بيقين وهدوء. بعد ذلك، دلف إلى المطبخ وبدأ في تحضير الغداء؛ صنع المعكرونة والدجاج المقرمش (البانيه)، فهي الوجبة الأسهل والأسرع التي أتقن طهوها منذ وفاة والدته -رحمها الله-. فمنذ ذلك اليوم الحزين، وجد نفسه فجأة المسؤول الأول والأخير عن شقيقته الصغيرة "ملك". نسى إسلام تماماً طعم الوجبات البيئية الدافئة؛ إلا في حالات نادرة عندما تزورهم إحدى خالاته، أو تحن عليه شقيقته الكبرى وتعود إلى مصر في إجازة. لكنها منذ أن تزوجت وسافرت مع زوجها للخارج، أصبحت زياراتها نادرة، لا تتعدى المرة الواحدة كل عام، وها هو العام الثاني يمر دون أن تأتي، متحججة بالظروف وصعوبة السفر. كثيراً ما كان يكلمه عمه في أمر الزواج، يلح عليه لكي يجد زوجة صالحة تؤنس وحدته وتساعده في حمل مسؤولية البيت، لكنه كان يرفض دائماً وبشدة؛ فهو لا يريد الزواج لمجرد الهروب من المسؤولية أو للبحث عن طاهية وخادمة، بل كان يؤمن أنه لابد أن يجد شريكة حيا

  • صدفة غيرت حياتي    الفصل الرابع

    نهض إسلام من مقعده مستجمعاً بقايا قوته وقال: "طب يلا يا ملك، اجهزي بسرعة علشان أوصلك في طريقي". نظرت إليه ملك بدهشة وإشفاق على حاله وقالت: "هتنزل تاني دلوقتي يا أبيه وأنت لسه راجع حالا من بره وما ارتحتش؟! ارتاح أنت وأنا هروح مع مروة صاحبتي، هي مستنياني بره". رد إسلام بنبرة صارمة لا تقبل النقاش، لكنها مغلفة بالخوف الأبوي عليها: "ملك.. يلا قلت، اجهزي فوراً، أنا هروح أغسل وشي وجاي وراكِ على طول". أذعنت ملك لطلب شقيقها وقالت باحترام: "حاضر يا أبيه". فعلت ملك مثلما طلب منها ونزلت بصحبته، وبعد نصف ساعة من القيادة وسط شوارع المدينة، وصلا أخيراً وتوقفت السيارة أمام مركز الدروس (السنتر). التفت إسلام إلى شقيقته، وتلاشت صرامته لتحل محلها نبرة دافئة وقال: "ملوكة.. متزعليش مني ومن تحكماتي، بس أنتِ عارفة أنا بخاف عليكي قد إيه يا حبيبتي الدنيا مبقتش أمان.. أول ما تخلصي كلميني فوراً وهجيلك في ثواني، أوعي ترجعي لوحدك، ماشي؟". ابتسمت له ملك بامتنان ودفء وقالت: "حاضر يا أبيه، متقلقش". ترجلت من السيارة، وظل إسلام يتابعها بنظراته القلقة والمليئة بالمسؤولية إلى أن اختفت تماماً بالداخل ودخلت مبن

  • صدفة غيرت حياتي    الفصل الثالث

    ضغطت بأصابع مرتجفة على زر الجرس، ونبضات قلبها تتسارع مع كل ثانية تمر. وبعد برهة قصيرة، فُتح الباب لتطل منه والدتها، وما إن رأتها حتى بادرتها بلهفة وعتاب خفيف: "إيه ده؟ جيتي بدري يعني؟ مش كنتِ قلتي لي الصبح إنك هتتأخري في الجامعة؟". لم تكد الأم تُنهي جملتها حتى وقعت عيناها على الشاب الطويل الواقف بجوار ابنتها في الممر، فتبدلت ملامحها وتوجست ريبة، وسألت بنبرة حائرة: "مين ده يا ياسمين؟". أجابتها ياسمين بتوتر واضح محاولةً مداراة الموقف: "عدّيني بس يا ماما ندخل جوه وهفهمك كل حاجة..". وما إن بدأت تخطو أولى خطواتها نحو الداخل، حتى انزاح ذيل فستانها الطويل كاشفاً عن قدمها المغطاة بالجبس الأبيض. تيبست الأم في مكانها، وشخصت عيناها بصدمة، ثم أطلقت شهقة فزع مزقت سكون الشقة: "يا لهوي! إيه اللي حصل لرجلك؟! إيه ده يا بنتي!". أمسكت بيديها بلهفة وجنون، وأجلستها على أول مقعد في الصالون، وعلى وقع صرخات الأم المذعورة، هرع الأب من غرفته وعلامات القلق تكسو وجهه. في تلك الأثناء، قالت ياسمين بصوت مهتز ومتحشرج تحاول طمأنتهما: "اتفضل يا دكتور إسلام، ادخل جوه لو سمحت.. اهدي بس يا ماما أرجوكي، أنا كويسة

  • صدفة غيرت حياتي    الفصل الثاني

    ردت نهاد وهي تشعر ببعض التعب: "روحوا أنتوا هاتو الأكل، وأنا هستناكم هنا في المكان ده مش هتحرك". أمسكت ياسمين بيد نهلة وقالت بحماس: "يلا بينا!". ذهبا مسرعتين وأحضرا الطعام والضحكات لا تفارق وجوههما. وعند عودتهما، لمحتا نهاد على الطرف الآخر من الطريق وهي تشير إليهما بسعادة بالغة حثاً لهما على العبور. أمسكت ياسمين يد نهلة بمرح وطفولية، ونظرت إلى الشارع قائلة: "الطريق فاضي.. يلا بسرعة نعدي!". وفي جزء من الثانية، ومن حيث لا يحتسب أحد، ظهرت سيارة مسرعة جنونية من العدم، شقت صمت الشارع وهي تنطلق بأقصى سرعتها. وقبل أن تستوعبا ما يحدث، صدمتهما السيارة بكل قوة وعنف. وبفعل قوة الارتطام، طارت ياسمين عالياً في الهواء لتسقط على الأرض جثة خامدة والدماء تسيل منها، أما نهلة، فقد دفعتها الصدمة الأولى لتسقط إلى الأمام مباشرة تحت عجلات السيارة، ليقوم السائق بدهسها مرة أخرى بوحشية وهو يهرب مسرعاً بالسيارة دون رحمة. انطلقت صرخات نهاد الممزقة للقلب وهي تنادي عليهما بأعلى صوتها، وركضت نحوهما والدموع تعمي عينيها، اقتربت من جسديهما الغارقين في الدماء وهي تصرخ وتبكي بهستيرية، ولم يتحمل عقلها بشاعة الم

  • صدفة غيرت حياتي    الفصل الاول

    في ساعات الصباح الأولى، والأيام تلفظ أنفاسها الأخيرة من فصل الشتاء البارد، كانت تمشي في رصيف الشارع بخطوات وئيدة، يشوبها عرج خفيف تحاول جاهدة أن تخفيه عن أعين المارين كبرياءً وخجلاً. كانت تضم إلى صدرها كتبها الجامعية كمن يتمسك بأمانه الوحيد، بينما يداعب الهواء العليل ذيل فستانها الطويل ويطيره بخفة، لتمسكه بأصابع مرتجفة واستحياء، محاولة السيطرة عليه وسط زحام الشارع وموجات الصباح الباردة. وصلت إلى حافة الرصيف، وكان عليها أن تعبر إلى الطرف الآخر من الطريق؛ تلك اللحظة بالذات هي أكثر ما تخشاه دائماً، حيث تبدو السيارات كوحوش معدنية لا ترحم. وقفت لبرهة، استجمعت شجاعتها المحتبسة في صدرها، وتلت الشهادتين بصوت خافت وقلب ينبض رعباً، ثم بدأت في السير. وفجأة، في منتصف الطريق، انفلت أحد كتبها من يديها ليسقط أرضاً. انحنت بلهفة ومدت يدها المرتجفة لتلتقطه، وفي تلك اللحظة الخاطفة، دَوَّى صوت محرك سيارة يقترب بسرعة جنونية، تبعه صرير حاد وقاسٍ لكبح الفرامل. تزلزل العالم من حولها، وبفعل الصدمة والرعب، لم تحتمل أنفاسها فسقطت مغشياً عليها قبل أن تلامسها السيارة، لتغرق في ظلام دامس. نزل السائق من سيارته

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status