LOGINغلبها النعاس أخيراً بعد ليلة شاقة، لينتشلها من بحر ذكرياتها المظلمة وتستسلم لراحة قصيرة يفتقدها جسدها المتعب...
بعد العصر بساعه، استيقظ إسلام من نومه بنشاط، توجه نحو الحمام حيث توضأ وصلى فرضه بيقين وهدوء. بعد ذلك، دلف إلى المطبخ وبدأ في تحضير الغداء؛ صنع المعكرونة والدجاج المقرمش (البانيه)، فهي الوجبة الأسهل والأسرع التي أتقن طهوها منذ وفاة والدته -رحمها الله-. فمنذ ذلك اليوم الحزين، وجد نفسه فجأة المسؤول الأول والأخير عن شقيقته الصغيرة "ملك". نسى إسلام تماماً طعم الوجبات البيئية الدافئة؛ إلا في حالات نادرة عندما تزورهم إحدى خالاته، أو تحن عليه شقيقته الكبرى وتعود إلى مصر في إجازة. لكنها منذ أن تزوجت وسافرت مع زوجها للخارج، أصبحت زياراتها نادرة، لا تتعدى المرة الواحدة كل عام، وها هو العام الثاني يمر دون أن تأتي، متحججة بالظروف وصعوبة السفر. كثيراً ما كان يكلمه عمه في أمر الزواج، يلح عليه لكي يجد زوجة صالحة تؤنس وحدته وتساعده في حمل مسؤولية البيت، لكنه كان يرفض دائماً وبشدة؛ فهو لا يريد الزواج لمجرد الهروب من المسؤولية أو للبحث عن طاهية وخادمة، بل كان يؤمن أنه لابد أن يجد شريكة حياته التي تناسب فكره ويدق لها قلبه بعاطفة حقيقية. كان يعلم تمام العلم أن عمه يحبه بشدة، ويتمنى أن يزوجه لإحدى بناته، لكن إسلام لم يكن يرى بنات عمه إلا كشقيقات له تماماً مثل ملك، ولا مكان لهن في قلبه كحبيبات. قطع حبل تفكيره ونبشه في الماضي رنين هاتفه المحمول، فنظر إلى الشاشة وابتسم تلقائياً: "ألو.. أيوا يا ملوكة، خلصتي يا قمري؟" استمع لردها عبر الطرف الآخر، ثم تابع بحنان: "حاضر، مسافة السكة وأكون عندك.. طبخت؟ آه طبعاً طبخت -ضحك بخفة وتابع- هتتفاجئي أول ما تيجي! يلا سلام يا جميل، أنا جايلك حالا...". أغلق الهاتف معها، وتأكد بحرص من إغلاق جميع شعلات البوتاجاز، ثم بدل ملابسه على عجل واستقل سيارته متوجهاً نحو مركز الدروس. أوقف السيارة أمام "السنتر"، وركبت ملك بجواره وعلامات الضيق ترتسم على وجهها الطفولي، فسألها بقلق: "أنا اتأخرت عليكي؟" ردت ملك باقتضاب: "لا". تطلع إلى وجهها العبوس وقال ممازحاً: "أمال مبوزة وشك كده ليه؟". تنهدت ملك بضيق وقالت: "البنات زميلاتي كانوا خارجين مع بعض وعاوزيني أروح معاهم، ولما قلتلهم استنوا هقول لأبله إسلام الأول وأرد عليكم، فضلوا يتريقوا عليا ويضحكوا.. كل اللي في السنتر ضحكوا عليا!". نظر إليها إسلام بهدوء وسألها: "وأنتِ يا ملك.. كنتِ عاوزة تروحي معاهم فعلاً؟" هزت رأسها نفياً وقالت بصدق: "لا مش عاوزة.. هما أصلاً مش أصحابي، مجرد زمايل وبس". تابع إسلام بابتسامة: "أمال زعلانة ومقروصة كده ليه؟ علشان اتريقوا عليكي؟". ردت بنبرة حزينة تلمع فيها الدموع: "آه.. وعلشان كمان أنا مش بخرج خالص؛ من البيت للسنتر ومن السنتر للبيت، ولما بغير جو شوية بيبقى يا إما بروح الدرس يا إما بروح عند عمو.. أنا مش بخرج مع أصحابي خالص زي بقية البنات". سألها إسلام وهو يلتفت بالطريق: "أصحابك مين يعني؟ مروة؟". أجابت بقلة حيلة: "آه مروة.. وأنت كل مرة تقولي هفسحك وأخرجك ومش بتخرجني في الآخر". شعر إسلام بالذنب تجاه شقيقته الصغيرة، وأراد أن يعوضها، فسألها: "طيب البنات دول بيخرجوا إمتى؟". ردت ببراءة: "بيخرجوا على طول وعادي". ابتسم إسلام وقال بحسم: "طيب كلمي مروة دلوقتي وخليها تستأذن باباها، ويوم الجمعة الجاية دي أنا هخرجكم ونتفسح فسحة حلوة.. اتفقنا؟". اتسعت عينا ملك بفرحة عارمة وصاحت: "بجد يا أبيه؟! يعني مش هيطلعلك شغل كالعادة كدا ولا كدا وتلغي الخروجة؟". ضحك إسلام من قلبه وقال: "ليكي عليا يا ستي.. لو طلعلي أي شغل طارئ، هوصلكم بنفسي للمكان اللي أنتوا عاوزينه وأروح أنا لشغلي، ولما تخلصوا هعدي أخذكم.. اتفقنا؟". قفزت ملك في مقعدها قائلة بحماس: "اتفقنا!". تهللت أساريرها وتابع إسلام وهو يصف سيارته أسفل بنايتهم: "طيب يلا بقى وصلنا، اطلعي أنتِ الشقة وأنا هركن العربية وجايلك على طول". بعد دقائق قليلة لحق بها في الشقة، ودخل المطبخ وهو يقول بصوت مرتفع: "يلا ادخلي غيري هدومك واغسلي إيدك بسرعة عشان نجيب الأكل ناكل". خرجت ملك من غرفتها وهي تستنشق الهواء وقالت بتهكم طريف: "أنا مش شامة يعني روايح مغرية ولا حاجة.. فين المفاجأة اللي قلت عليها في التليفون؟". رد إسلام بثقة: "اتقلي بس على رزك...". بدلت ملك ملابسها وجاءت لتجلس على طاولة الطعام، ونظرت بيأس إلى الأطباق الموضوعة أمامها، ثم التفتت إليه قائلة: "أبيه.. فين المفاجأة؟ أنت تقريباً بتعملنا مكرونة وبانيه طول الأسبوع! ويوم ما تحب تغير وتعمل ريفريش بتعمل صينية بطاطس.. فين التجديد؟". وضع إسلام لقمة في فمه وقال بنبرة تمثيلية حانقة: "أنا حاسس إن في نبرة استهزاء واضحة بطبيخي وأكلي.. ابقي اطبخي أنتِ يا أختي وورينا شطارتك، اعمليلنا حلة محشي ولا صينية بشاميل من إيديكي!". ضحكت ملك وخطفت قطعة من الدجاج وقالت وهي تأكل بتلذذ لتلطيف الأجواء: "لا إزاي يا أبيه! ده أنت أحسن واحد في الدنيا يعمل بانيه ومكرونة، هو البانيه ده سهل يعني؟ مش أي حد يعرف يضبطه ويطلعه مقرمش كده.. تصدق يا أبيه؟ أنا فعلاً اتفاجأت النهاردة، حاسة إن الطعم بيزيد حلاوة عن كل مرة!". رد عليها إسلام بضحكة رنانة هزت كتفيه وهو يشير إليها بسبابتها: "يا بت يا بكّاشة! أول ما قلتلك اطبخي أنتِ اتعدلتي على طول وبقيتي تمدحي في البانيه بتاعي؟!" ضحكت ملك بقوة ورفعت يديها ببراءة قائلة: "والله يا أبيه أنا خايفة عليك مش أكتر! ما هي صحة البني آدم مش لعبة برضه.. لو أنت مش خايف على صحتك ومستغني عنها، اديني بس 'فرصتي' وخليني أدخل المطبخ وأنا هبهرك!". نظر إليها إسلام وارتسمت على ملامحه أمارات الرعب الفكاهي، وتراجع للخلف خطوة وهو يمثل الخوف قائلاً: "لا يا ستي.. البانيه والمكرونة بتاعي أرحم بكتير لبطننا! وبعدين أنتِ السنة دي ثانوية عامة ومش عاوزك تتشغلي بأي حاجة تانية.. خلصي بس هانت أهي، وندخلك كلية سياحة وفنادق قسم طبخ، علشان تتعلمي بجد وتعمليلنا ما لذ وطاب من الأكلات العالمية.. وساعتها بقى هستغلك أسوأ استغلال!". ضاقت عينا ملك بمرح طفولي ونظرت إليه بتحدٍ طريف وهي تضع يدها في خصرها قائلة: "استغلالي!". هز إسلام رأسه ببرود مضحك وهو يبتسم: "اممممم.. جداً فوق ما تتخيلي". تلاشت ملامح التحدي من وجه ملك لتحل محلها ابتسامة دافئة ممتنة، وقالت وهي تنظر إليه بحب: "بس قمر.. وعلى قلبي زي العسل والشراب كمان يا أبيه". اتسعت ابتسامته ولمعت عيناه بالحنّية وصاح بتأثر: "قلبي يا ناس! ربنا يخليكي ليا يارب وميحرمنيش من لسانك الحلو ده.. يلا بقى خلصي أكلك بسرعة، واعمليلي فنجان قهوة مظبوط على ما أدخل أنا الأوضة ألبس هدومي عشان ألحق النبطشية التانية". هزت رأسها بحماس وقالت: "حاضر من عينيا يا أبيه، ثواني وتكون جاهزة". بعد نصف ساعة، خرج إسلام من غرفته وهو يرتدي ملابسه بكامل أناقته، وكانت رائحة عطره تسبق خطواته في الصالة. اقترب من شقيقته وربت على كتفها بحنان وهو يستعد للمغادرة قائلاً: "ملوكة، أنا نازل خلاص.. خلي بالك من نفسك كويس أوي، واقفي الباب وراكِ بالترباس والمفتاح. أنا في طريقي هعدي على بيت عمك، وهخليه يبعتلك واحدة من البنات تبات معاكي النهاردة؛ لأن 'أم سارة' كلمتني وقالت إنها مش هتعرف تيجي النهاردة كمان بسبب ظروفها". نظرت إليه ملك برجاء وهزت رأسها قائلة بعفوية: "يا أبيه مفيش لزوم خالص لكل ده، وتعب عمو وبناته.. أنا هقفل الباب ورايا كويس جداً وخلاص، وهبات لوحدي ومش هخاف.. ولو عوزت أي حاجة في أي وقت، هرن عليك فوراً على الموبايل وأنت في المستشفى".— "خلاص بقى.. يلا بينا عشان العيلة مستنيانا بره ومجهزين احتفال تاني خالص بيكِ وبخطوبتنا!" في إحدى القاعات الكبرى المطلة على النيل.. سادت أجواء من الفخامة والبهجة؛ الأضواء الدافئة تعكس جمال الورود البيضاء والذهبية الممتدة في كل أرجاء القاعة، وصوت الموسيقى الهادئة يملأ المكان بالسكينة والسرور. لم تكن هذه خطوبة العادية، بل كانت احتفالية ردّ اعتبار كاملة لياسمين أمام الأهل والجميع، واسترجاعاً لكل لحظة حزن عاشتها. تألقت ياسمين بفستان أبيض راقٍ يشبه فساتين الأميرة، تزينها ابتسامة ناصعة تعكس طيبة قلبها وكرامتها المستردة. كان إسلام يقف بجانبها بكامل أناقته وسعادته، وعيناه لا تفارقان عينيك كأنه يعتذر ويحتفل بها في كل لحظة. حضَرت العائلة بالكامل: الأم تبكي دموع الفرح، ومريم تقف بجانب ياسمين وملك تساعدهما باهتمام ومحبة صادقة، وملك ترتدي فستاناً هادئاً وابتسامتها تضيء وجهها بعد الشفاء. وفي منتصف الحفل، استأذن إسلام وأخذ الميكروفون، وعمت القاعة حالة من الصمت والاهتمام. وقف إسلام في المنتصف، ونظر إلى ياسمين ثم وجه كلامه إلى الحضور بثبات ونبرة قوية مليئة بالافتخار: — "أهلاً بكل حضراتكم
بعد أن انتهت ياسمين من كلماتها الشجاعة المؤثرة، والتي اختتمتها بالآية الكريمة: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) وهي تنظر في اتجاه الرجل المقعد على الكرسي المتحرك... كان ذلك الرجل ينكس رأسه إلى الأسفل، وعيناه تفيضان بالدموع، وجسده المنهك يرتجف انكساراً وندماً. لم يكن ذلك الرجل سوى والد سيف، الرجل الذي كان في يوم من الأيام يملك النفوذ والقوة والتجبر، وظلم ياسمين وتجبر عليها واستغل سلطته لدهس حقها! ودار الزمان دورته.. وأصبح المقعد الضعيف الذي لا يستطيع الحركة بمفرده، بينما تقف هي أمامه في قمة نجاحها وقوتها وشرفها، كالعلم الشامخ الذي يصفق له الجميع! وفي تلك اللحظة.. دخل سيف القاعة بخطوات ثقيلة ومترددة. كان سيف يرتدي بدلة أنيقة، لكن ملامح وجهه كانت تحمل ذلاً واضحاً وحزناً غائراً. تحرك بخطوات بطيئة نحو الكرسي المتحرك الذي يجلس عليه والده. التفتت إليه ياسمين بنظرة ثاقبة وهادئة، بينما نظر سيف إليها بعيون متوسلة ملؤها الخجل والندم، لا يستطيع حتى أن يرفع عينيه في عينها القويتين. اقترب سيف من والده، وانحنى على الكرسي ليضع يده على كتفه، فقال الأب بصوت متهدج ومختنق
ردت ياسمين بابتسامة خافتة ورسمية: — "ميرسي." — "ألف مبروك على النجاح." قالت بتواضع: — "دا لسه الافتتاح!" ابتسم علي وأوضح لها: — "قصدي نجاحك أنتِ.. الكلية!" تنهدت وقالت: — "اه.. الله يبارك فيك.." سألها باهتمام: — "ناوية على إيه؟" ردت بنظرة طموحة رغم الحزن: — "السلك الدبلوماسي.. بس مش عارفة هتقبل وأنجح في الاختبارات ولا لأ." قال علي علي سبيل المزاح وهو يشير بطرفه إلى القاعة: — "أظن كارت واحد من أصغر اسم في الناس اللي جوه دي ينجحك في أي اختبار!" التفتت إليه ياسمين بسرعة، وقالت بصلابة وكبرياء نقي: — "مش عوزة أنجح بالواسطة.. أفضل أسقط أحسن ما أنجح بالواسطة! عوزة أنجح علشان إمكانياتي وكفاءتي، وإني أستاهل المكان اللي أروحه.." تطلع علي إليها بإكبار شديد، وقال وابتسم في ثقة: — "تستاهلي وهتنجحي!" انتهى الحفل بسلام، وعادت ياسمين إلى منزلها مرة أخرى وإلى إيقاع حياتها الهادئ. وبعد يومين.. أضاء هاتفها برسالة رسمية من الجامعة تُبلغها بموعد حفل التخرج والتكريم؛ الموعد الذي طالما انتظرته طويلاً وحلمت به طوال سنوات دراستها واجتهادها! جهزت نفسها جلياً لهذا اليوم
أمام منزل سمر.. كانت تقف تمسك بهاتفها بقلة صبر، تنتظر بخيلاء وثقة أن تسمع خبر القبض على فارس، أو خبر انهيار ياسمين التام. ابتسامة الشماتة لم تفارق شفتيها، حتى لمحت ظل خطوات سريعة تقترب منها بقوة.. رفعت رأسها لتجد إسلام يقف أمامها! في تلك اللحظة، لم يكن إسلام ذلك الشاب المخدوع أو المتردد.. كانت عيناه كأنها الجمر المشتعل، وملامحه جامدة كالصخر تقطر غضباً وازدراءً. ابتلعت سمر ريقها بتوتر مفاجئ، لكنها حاولت رسم ابتسامة مرتبكة وادعاء البراءة كعادتها: — "إسلام؟! خير يا حبيبي.. في حاجة؟ أنت كويس؟!" خطا إسلام خطوة واحدة نحوها، فترجعت هي خطوتين للخلف رعباً من هيئته. قال بصوت خافت، هادئ بشكل يخيف العظام، ويحمل قسوة أشد من الصراخ: — "كنت فاكر إن الحقد بيعمي العيون بس.. طلع بيعمي النفوس وبيحول البني آدم لحيوان مبيفكرش غير في الأذية!" تصبب العرق البارد من جبهة سمر، وقالت بنبرة متلعثمة تتصنع الذهول: — "أنت.. أنت بتقول إيه يا إسلام؟! أنا عملت إيه؟! أنا كل اللي عملته إني حذرتك وحافظت على أختك وعلى سُمْعتك!" ضحك إسلام ضحكة سخرية ممرورة هزت المكان، ثم اقترب منها حتى صار على بعد خطوات
أطرقت ملك رأسها بخوف وقالت: — "حاضر اتفضل.." في غرفة ملك.. كان الهواء مشبعاً بالخوف والترقب، إسلام يقف كالجبل الغاضب وأصابعه تقبض على هاتف ملك بقسوة. وفجأة.. أضاءت الشاشة، وارتفع صوت نغمة الهاتف تعلن عن اتصل من ياسمين! نظرت ملك إلى الاسم المكتوب على الشاشة بلهفة وشوق، بينما تحجرت عينا إسلام، وسحبت الغيرة والغضب الأعمى عاطفته. فتح المكالمة بنفسه دون مقدمات، ووضع الهاتف على أذنه. على الناحية الأخرى، كان صوت ياسمين ينطلق كالعصفور الشادي، مفعماً بالبهجة والأمل: — "باركيييلي يا ملوووكااا.. باركيلي!" لكن إسلام لم يترك لها مساحة للتنفس، بل عاجلها بصوت كأنه صاعقة هادمة يقطر قسوة وازدراء: — "تبارك لك على إيه?! على غشك وخداعك?! عوزة مننا إيه؟! ابعدي بقى عننا.. مش كفاية نقص وكدب بقى?!" وقبل أن تستوعب كلماته، أغلق الخط في وجهها بحدة! التفت إسلام إلى ملك، ألقى الهاتف على الأرض ليتناثر أجزاءً، وصرخ بوجهها بعيون حارقة وصوت هز أركان الغرفة: — "هي السبب مش كده?! كنتِ بتكذبي عليا! مين فارس دا?! هي اللي زقته عليكِ?! كلام سمر طلع صح! بتكذبي عليا ليه?! وهي.. هي إزاي خدعتني فيها كده?
تنهد مروان بقلب مكلوم، وانسكبت الدموع من عينيه وهو يتكلم لأول مرة بعفوية: — "معرفش إذا كنت بشوفها فيكي ولا بشوف نفسي! عندك حق.. كل واحد فينا جواه شخص بيعاني ومحتاج مساعدة، حتى لو كان دكتور!" ابتسمت ياسمين في هدوء وتفهم عميق. تحدث مروان كثيراً، أفرغ كل ما في صدره من ألم وذنب وحسرة.. شعر بروحه تتحرر أخيراً من حمل ثقيل حبسه داخله لسنوات طوال! لم يكن يريد حتى إظهار المعاناة للناس؛ فكيف يكون الطبيب والمريض في آن واحد؟! كان الجميع يظنون أن كونه طبيباً نفسياً يجعله قادراً على علاج نفسه بسهولة.. لا أحد يعلم أنه كان يغرق أكثر وأكثر، حتى هو لم يكن يعلم ذلك! في وقت لاحق.. كانت المواجهة المحتومة! وقفت ياسمين أمام "سمر"، ونظرت إليها بجمود وقوة استجمعتهما لمواجهة هذا الشر. سألتها سمر بتوتر ومكابرة: — "قُلتِ عوزة تقابليني ضروري.. في إيه؟" ردت ياسمين بثبات وهي تجلس أمامهما بنبرة حادة: — "لا مفيش.. كنت عوزة أعرف بس عوزة مني إيه؟ وشاغلة دماغك بيا ليه؟ وجيت بنفسي بدل اللف والدوران!" نظرت سمر إليها بصدمة وشحوب، وبلعت ريقها بتوتر ظهَرَ جلياً على ملامحها وهي تحاول إخفاء ارتباكها وادعاء







