LOGINبعد مغادرة ويل ونيك، عاد الهدوء إلى المكتب من جديد. أمسك وارن قلمه ووقّع عدة مستندات كانت تنتظر موافقته منذ الصباح، ثم انتقل إلى مراجعة بعض العقود الجديدة. مرّت الدقائق سريعاً كما يحدث دائماً عندما ينشغل بالعمل، حتى إن مساعدته اضطرت إلى تذكيره بموعد الاجتماع التالي قبل دقائق قليلة من بدايته.
استمرت بقية ساعات النهار على الوتيرة نفسها؛ اجتماعات، مراجعات، مكالمات، وقرارات لا تنتهي. كان هذا النوع من الأيام مألوفاً بالنسبة إلى وارن، حتى إنه لم يعد يلاحظ كم يبدو مرهقاً للآخرين. فبينما كان بعض الموظفين يعدّون الدقائق المتبقية لانتهاء الدوام، كان هو ينتقل من مهمة إلى أخرى بالتركيز نفسه الذي بدأ به صباحه. عندما بدأت المكاتب تفرغ تدريجياً من الموظفين، بقي الضوء مشتعلاً في مكتبه كعادته. جلس يراجع بعض التقارير المالية قبل أن يرن هاتفه المحمول على سطح المكتب. نظر إلى الشاشة، وما إن رأى اسم المتصل حتى أجاب مباشرة. "مساء الخير يا أمي." جاءه صوت والدته الدافئ من الطرف الآخر: "مساء الخير يا وارن. لا تقل لي إنك ما زلت في الشركة." ابتسم بخفة وهو ينظر إلى الملفات المكدسة أمامه. "للأسف سأخيب ظنك." تنهدت والدته قائلة: "كنت أعرف ذلك. أحياناً أشعر أن بروميثيوس تحتل المرتبة الأولى في حياتك، ونحن نتنافس على المركز الثاني." "هذا افتراء." ضحكت السيدة على الفور. "إذن متى كانت آخر مرة زرتنا فيها؟" فكر لثوانٍ قبل أن يجيب، فسبقته والدته قائلة بانتصار: "ها أنت ترى؟" هز رأسه مبتسماً رغم أنه يعلم أنها لا تراه. "كنت مشغولاً." "وأنت دائماً مشغول." لم يكن في كلامها عتاب حقيقي، بل ذلك النوع من الشكوى التي لا تأتي إلا من شخص يفتقد وجودك. سادت لحظة صمت قصيرة قبل أن تضيف: "وبين يشتكي منك أيضاً." ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه وارن. "رأيته صباح اليوم." "أعرف، لكنه يقول إنك لا تتحدث معه إلا عن العمل." "لأنه يأتي إليّ أثناء العمل." ضحكت والدته مجدداً. كان بين جزءاً ثابتاً من حياته اليومية. فبحكم عمله ضمن فريق عارضي الأزياء في بروميثيوس، لم يكن يمر يوم تقريباً دون أن يلتقيا داخل الشركة. ورغم أن وارن كان يكبره بعدة سنوات، فإن العلاقة بينهما لم تكن رسمية أبداً. منذ وفاة والد بين عندما كان أصغر سناً، ازداد قربهما أكثر، حتى أصبح وارن بالنسبة إليه أكثر من مجرد خال. أما وارن، فرغم أنه لا يعبّر كثيراً عما يشعر به، فقد كان ينظر إلى بين باعتباره أحد أقرب الأشخاص إليه. أنهى المكالمة بعد أن وعد والدته بزيارة قريبة، ثم أعاد الهاتف إلى مكانه وأغلق آخر الملفات الموجودة أمامه. وعندما رفع عينيه نحو الساعة، اكتشف أن الوقت تجاوز الثامنة مساءً. تنهد بهدوء، ثم نهض من مقعده أخيراً. خارج المبنى، كانت لندن قد ارتدت ثوبها الليلي المعتاد. انعكست أضواء السيارات والمحلات على الأرصفة الرطبة بفعل مطر خفيف هطل خلال النهار، بينما استمرت المدينة في حركتها كأنها لا تعرف معنى التوقف. قاد سيارته نحو شقته وسط الزحام المسائي، ثم وصل بعد نحو نصف ساعة. وما إن دخل حتى خلع سترته ووضع مفاتيحه على الطاولة القريبة من الباب. ساد الصمت في المكان، وهو أمر اعتاد عليه منذ سنوات. كانت الشقة مرتبة كما تركها صباحاً، واسعة وأنيقة، لكنها بدت هادئة أكثر مما ينبغي في بعض الليالي. اتجه إلى المطبخ ليعد لنفسه فنجان قهوة، ثم جلس في الصالة وهو يتصفح بعض الأخبار على هاتفه. لم يكد يمضي وقت طويل حتى اهتز الهاتف بين يديه معلناً عن مكالمة جديدة. ظهر اسم شارلوت على الشاشة. نظر إليه لثوانٍ قبل أن يجيب. "مرحباً." جاءه صوتها مفعماً بالحيوية: "إذا أخبرتني أنك كنت تعمل حتى الآن فلن أستغرب." "لأنك تعرفين الجواب مسبقاً." "طبعاً أعرفه." سمع ضحكتها قبل أن تتابع: "أحياناً أشعر أنني أحتاج إلى حجز موعد مسبق لأتحدث معك." أجابها بنبرة هادئة: "أنت تبالغين." "وأنت تعمل أكثر مما ينبغي." استمر الحديث بينهما لبعض الوقت. أخبرته عن حفل تنوي حضوره خلال الأيام القادمة، وعن بعض الأشخاص الذين التقت بهم مؤخراً، بينما اكتفى هو بالاستماع والتعليق من حين إلى آخر. كانت شارلوت معتادة على طبيعته الهادئة، وإن كانت لا تتوقف عن التذمر منها بين الحين والآخر. بعد انتهاء المكالمة، عاد الصمت ليسيطر على الشقة من جديد. نهض وارن واتجه نحو النافذة الكبيرة المطلة على المدينة. كانت الأضواء تمتد في الأفق بلا نهاية تقريباً، والسيارات تتحرك في الشوارع البعيدة مثل خيوط مضيئة متشابكة. وقف هناك للحظات طويلة، يفكر في أمور متفرقة دون هدف واضح. كان يملك شركة ناجحة، ويحيط به أشخاص يثق بهم، ويسير كل شيء في حياته وفق الخطة التي رسمها منذ سنوات. ومع ذلك، كان يشعر أحياناً بوجود فراغ لا يعرف مصدره، شعور عابر يظهر في بعض الليالي ثم يختفي مع انشغاله بالعمل من جديد. أبعد تلك الأفكار عن ذهنه في النهاية، وأغلق الستائر قبل أن يتجه إلى غرفته. كان الغد ينتظره كالمعتاد، محملاً بالمزيد من الاجتماعات والقرارات والملفات.في صباح اليوم التالي، لم يكن جدول العمل يتضمن جلسات تصوير كبيرة كما حدث في اليومين السابقين.بدلاً من ذلك، خُصص الجزء الأكبر من النهار لاختبارات الملابس والتنسيقات النهائية الخاصة بالحملة.كانت إحدى القاعات داخل المجمع قد تحولت إلى ما يشبه خلية نحل حقيقية.رفوف طويلة مليئة بالملابس.صناديق الأحذية.الإكسسوارات.المرايا العملاقة.وعدد من المصممين والمساعدين الذين يتحركون باستمرار بين الطاولات.دخلت سكينة القاعة وهي تحمل كاميرتها بعد أن طُلب منها توثيق بعض مراحل التحضير لاستخدامها لاحقاً في المواد الترويجية.توقفت للحظة وهي تراقب الفوضى المنظمة أمامها.على الجانب الأيمن كان فريق المكياج يعمل على تجهيز العارضين.وفي الجهة المقابلة كان نيك يناقش تفاصيل معينة مع أحد المصممين.أما بين...فكان يقف أمام مرآة طويلة وهو يرتدي إحدى القطع الجديدة.اقتربت سكينة بهدوء.رفعت الكاميرا.والتقطت صورة.التفت بين فور سماع صوت العدسة."هل حصلت على إذن؟"أجابت دون أن تنزل الكاميرا:"لا.""إذاً سأرفع قضية."التقطت صورة ثانية."حظاً موفقاً."ضحك بين وهز رأسه.كان يرتدي معطفاً رمادياً طويلاً فوق ملابس تجريبية
لم ينتهِ العمل بعد، رغم أن الشمس بدأت تميل ببطء نحو الأفق.كانت آخر جلسة تصوير لذلك اليوم تُقام فوق منصة خشبية واسعة بُنيت خصيصاً فوق جزء مرتفع من الساحل. من هناك كان البحر يبدو ممتداً بلا نهاية، بينما تحولت السماء تدريجياً إلى درجات ذهبية وبرتقالية ناعمة.بالنسبة لنيك، كانت هذه أفضل ساعات اليوم.أما بالنسبة للفنيين، فكانت أكثر الساعات توتراً."لدينا أقل من أربعين دقيقة."قالها أحد المساعدين وهو ينظر إلى ساعته."إذا فقدنا هذا الضوء سنضطر لإعادة كل شيء غداً."بدأ الجميع يتحرك بسرعة أكبر.أجهزة الإضاءة.الكاميرات.المؤثرات العاكسة للضوء.كل شيء كان يتحرك في وقت واحد.أما سكينة فكانت مركزة بالكامل خلف الكاميرا.التقطت صورة.ثم أخرى.ثم أعادت تعديل زاوية الوقوف.ثم التقطت صورة جديدة.كانت تلك اللحظات التي تختفي فيها الأصوات من حولها تقريباً.لا تسمع إلا التعليمات الضرورية.ولا ترى إلا ما يوجد داخل الإطار.وفجأة..."أعتقد أنك نسيتِ أن ترمشي."رفعت رأسها.كان بين يقف بجانبها حاملاً زجاجة ماء.نظرت إليه لثانيتين."وأعتقد أنك نسيت أن تعمل."ابتسم فوراً."إذاً بدأتِ تردين أخيراً."عادت إلى الك
استمر العمل داخل القاعة الزجاجية المطلة على البحر منذ ساعات الصباح الأولى. كانت المساحة واسعة ومفتوحة على الضوء الطبيعي من ثلاث جهات تقريباً، وهو ما جعل فريق التصوير يستغل كل دقيقة من ساعات النهار قبل تغير الإضاءة. وقفت سكينة خلف الكاميرا تراجع الصور الأخيرة على الشاشة الكبيرة الموصولة بالحاسوب. كانت اللقطات تنتقل واحدة تلو الأخرى بينما يناقش نيك بعض التفاصيل البصرية مع فريق الإخراج الفني. "هذه اللقطة جيدة." قال أحد المصممين وهو يشير إلى الشاشة. لكن نيك هز رأسه. "الخلفية جميلة، لكن العين لا تذهب إلى المكان الصحيح." اقتربت سكينة من الشاشة. "بسبب الانعكاس؟" التفت نحوها نيك. "بالضبط." كانت تلك أول مرة يدخلان في نقاش مهني حقيقي منذ بداية المشروع. بدأ الاثنان يتحدثان عن الإضاءة والعدسات والزوايا، بينما كان بعض الموجودين يتابعون الحوار باهتمام. لم تكن سكينة من النوع الذي يكثر الكلام، لكنها عندما يتعلق الأمر بالتصوير كانت تعرف جيداً ما تقوله. بعد عدة دقائق، قال نيك أخيراً: "جربي عدسة الخمسة والثمانين." رفعت حاجبها. "متأكد؟" "جربي فقط." قامت بتبديل العدسة وأعادت اللقطة. مرت
لم يكن الاستيقاظ في صباح اليوم الثاني سهلاً بالنسبة لمعظم أفراد الفريق.فبعد يوم طويل من الاجتماعات والتجهيزات والتعارف الأولي، بدأ الجميع يشعر بالإرهاق الحقيقي للعمل الذي ينتظرهم خلال الأسابيع القادمة.كانت الشقق المخصصة للفريق تقع داخل مجمع سكني هادئ قريب من موقع التصوير، وقد تم توزيع الغرف بطريقة تضمن راحة الجميع. كانت سكينة تشارك الجناح النسائي مع عدد محدود من الموظفات المشاركات في المشروع، بينما كان باقي أفراد الفريق يقيمون في الأجنحة الأخرى داخل نفس المجمع.استيقظت سكينة قبل الموعد المعتاد بقليل. اغتسلت، أدت صلاة الفجر، ثم جلست قرب النافذة لبعض الوقت تراقب بداية النهار.لم تكن معتادة على السكن مع فريق عمل كامل بعيداً عن منزلها، لكن التجربة لم تبدُ مزعجة حتى الآن.بعد دقائق، التقطت هاتفها ووجدت رسالة من فاطمة."هل ما زلتِ على قيد الحياة؟"ابتسمت رغماً عنها.كتبت سريعاً:"للأسف نعم."لم تمر سوى ثوانٍ حتى جاء الرد:"إذن العمل لم يبدأ فعلياً بعد."هزت رأسها وهي تضحك بخفة قبل أن تضع الهاتف جانباً.---في قاعة الطعام المشتركة، كان بعض أفراد الفريق قد سبقوها إلى الإفطار.أخذت فنجاناً م
استيقظت سكينة قبل رنين المنبه بدقائق. فتحت عينيها ببطء ونظرت إلى الساعة المعلقة فوق الحائط. كانت السادسة إلا بضع دقائق. بقيت مستلقية للحظات قصيرة، ثم نهضت وهي تزفر بهدوء.اليوم هو أول يوم فعلي في المشروع.لم تكن متوترة بقدر ما كانت فضولية. طوال الأسبوع الماضي كانت تسمع عن المشروع وتستعد له، أما اليوم فسترى بنفسها الأشخاص الذين ستعمل معهم خلال الأسابيع القادمة.بعد أن انتهت من تجهيز نفسها، خرجت من غرفتها لتجد فاطمة جالسة في المطبخ تحتضن كوب قهوة وكأنها تحاول إقناع نفسها بالاستيقاظ."صباح الخير."رفعت فاطمة رأسها بصعوبة."هل نحن متأكدتان أن هذا الوقت يعتبر صباحاً؟"ابتسمت سكينة وهي تسحب كرسياً."الناس الطبيعيون مستيقظون منذ ساعة على الأقل.""لهذا قلت الناس الطبيعيون."ضحكت سكينة وهي تتناول بعض الفطور الخفيف.راقبتها فاطمة للحظات ثم سألت:"متحمسة؟""لا أعلم.""يعني نعم."هزت سكينة رأسها باستسلام."ربما قليلاً."ابتسمت فاطمة بانتصار."كنت أعرف."---في الجهة الأخرى، كانت طائرة قادمة من لندن قد حطت قبل وقت قصير في مطار محمد الخامس.خرج بين من بوابة الوصول وهو يحمل حقيبته الرياضية على كتفه
الفصل الثامن تحت سماءٍ أخرى حلّ يوم الأحد أخيراً، اليوم الذي سبق انطلاق العمل الرسمي في المشروع. كانت الدار البيضاء تعيش صباحاً مشمساً ومعتدلاً، بينما كانت سكينة تجلس أمام طاولة المطبخ تحتسي قهوتها بهدوء. على غير عادتها، لم تكن مضطرة للاستيقاظ مبكراً من أجل جلسة تصوير أو موعد مع زبون. كان اليوم شبه خالٍ من الالتزامات، وهو أمر نادر في الأشهر الأخيرة. دخلت فاطمة إلى المطبخ وهي تفرك عينيها بتكاسل. "منذ متى وأنتِ مستيقظة؟" أجابت سكينة دون أن ترفع نظرها عن الهاتف: "منذ ساعة تقريباً." سحبت فاطمة كرسياً وجلست. "هذا مرض." ابتسمت سكينة. "وأنتِ النوم هوايتك المفضلة." "طبعاً." ساد صمت قصير قبل أن تلاحظ فاطمة رسالة مفتوحة على شاشة الهاتف. "هل وصلتهم التأكيدات النهائية؟" أومأت سكينة. "نعم، يبدأ العمل غداً." رفعت فاطمة حاجبيها. "إذن غداً سنودعك رسمياً." "لن أسافر إلى القطب الشمالي." "لكنني أعرف المشاريع الكبيرة. ستختفين أسبوعين أو ثلاثة." ضحكت سكينة وهزت رأسها. "لن أختفي." "سنرى." بعد الإفطار، خرجت سكينة لبعض الوقت إلى كورنيش عين الذئاب. لم تحمل الكاميرا هذه المرة، فقط هاتفه