LOGINفي منتصف النهار تقريباً، دخلت امرأة برفقة طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها ست سنوات. كانت الطفلة تمسك دمية قماشية بين ذراعيها وتنظر إلى المكان بقلق واضح، وكأنها دخلت عالماً غريباً لا تعرف قواعده. قالت الأم وهي تبتسم باعتذار: "نحتاج إلى صورة للمدرسة، لكن يبدو أنها قررت اليوم ألا تتعاون مع أحد."
جلست الطفلة أمام الخلفية البيضاء المخصصة للتصوير، لكنها ظلت عابسة الوجه، متشبثة بدميتها كأنها درع يحميها من العدسة. حاولت الأم إقناعها بالابتسام، ثم حاول الحاج مصطفى بدوره، لكن دون فائدة. اقتربت سكينة منها وجثت على ركبتيها حتى أصبحت في مستوى نظرها، ثم سألتها بلطف: "ما اسم دميتك؟" نظرت الطفلة إليها بحذر قبل أن تجيب بصوت خافت: "ليلى." ابتسمت سكينة وقالت: "اسم جميل. هل ليلى شجاعة؟" هزّت الصغيرة رأسها مؤكدة. "إذن كيف يمكن أن تكون ليلى شجاعة وصاحبتها خائفة؟" ترددت الطفلة قليلاً، ثم ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهها دون أن تشعر. وفي اللحظة نفسها رفعت سكينة الكاميرا والتقطت الصورة. نظرت الأم إلى الشاشة بعد ثوانٍ واتسعت ابتسامتها قائلة: "هذه مثالية." أما الطفلة فبدت أكثر سعادة لأنها نجحت أخيراً في إنهاء المهمة التي جاءت من أجلها. عادت سكينة إلى مكانها بينما كان الحاج مصطفى يراقبها من بعيد، وبعد مغادرة الأم وابنتها قال وهو يرتب بعض الأوراق أمامه: "لديك طريقة غريبة مع الأطفال." رفعت رأسها نحوه باستغراب. "غريبة؟" أجاب مبتسماً: "لا أعلم كيف تفعلين ذلك، لكنهم يرتاحون لك بسرعة." أعادت نظرها إلى الشاشة أمامها وقالت بهدوء: "الأطفال لا يحبون أن يُعاملوا كأطفال طوال الوقت." هز الحاج مصطفى رأسه وهو يتمتم: "ربما." لكنه في الحقيقة كان مقتنعاً أن الأمر يتجاوز ذلك. فمنذ أن بدأت سكينة العمل معه، لاحظ أنها ترى أشياء لا ينتبه إليها الآخرون عادة، ولهذا كانت صورها مختلفة حتى عندما يتعلق الأمر بأبسط المهام. مع اقتراب المساء بدأ الاستوديو يفرغ تدريجياً من الزبائن. أُغلقت الأجهزة الواحدة تلو الأخرى، ورتبت سكينة معداتها قبل أن تحمل كاميرتها الخاصة وتغادر. لم تتجه نحو المنزل مباشرة كما يحدث في أغلب الأيام، بل سارت عبر عدة شوارع حتى وصلت إلى ساحة اعتادت زيارتها منذ أشهر طويلة. لم يكن المكان مميزاً بالنسبة لمعظم الناس، لكنه كان بالنسبة إليها مساحة مفتوحة للحكايات الصغيرة التي لا يلاحظها أحد. جلست لبعض الوقت على أحد المقاعد وهي تراقب الحركة من حولها. أطفال يركضون خلف الكرة، رجل مسن يطعم الحمام، وبائع شاي يتبادل المزاح مع زبائنه المعتادين. رفعت الكاميرا إلى عينها وبدأت تلتقط الصور واحدة تلو الأخرى. لم تكن تبحث عن الشهرة أو عن عدد أكبر من المتابعين على الإنترنت، بل كانت تبحث عن لحظة صادقة، لحظة لا يمكن إعادة تمثيلها أو صناعتها، وهذا بالضبط ما أحبته في التصوير منذ البداية. عندما بدأت الشمس تميل نحو الغروب، خفضت الكاميرا وألقت نظرة على الصور التي التقطتها. ظهرت على وجهها ابتسامة صغيرة وهي تتفحص إحدى اللقطات، ثم أعادت الكاميرا إلى حقيبتها وقررت العودة إلى الشقة. كان الليل قد بدأ يفرض حضوره على المدينة عندما وصلت. فتحت الباب ودخلت، فاستقبلتها رائحة الطعام قبل أي شيء آخر. خرجت فاطمة من المطبخ وهي تحمل ملعقة خشبية في يدها وقالت: "الحمد لله أنك عدتِ." وضعت سكينة حقيبتها جانباً وسألت مبتسمة: "هل حدث شيء؟" أجابت فاطمة بجدية مصطنعة: "كنت على وشك الاتصال بالشرطة." رفعت سكينة حاجبها باستغراب. "لهذه الدرجة؟" "طبعاً. فتاة تخرج مع كاميرتها ثم تختفي لساعات. هذا أمر مريب." ضحكت سكينة وهي تتجه نحو المطبخ، بينما أشارت فاطمة إلى القدر بفخر قائلة: "قبل أن تحكمي على المذاق، أريدك أن تعلمي أنني بذلت جهداً حقيقياً هذه المرة." سألتها سكينة وهي تنظر إلى الطعام: "وهل هذه رسالة طمأنة أم تحذير؟" وضعت فاطمة يدها على صدرها وكأنها تعرضت لإهانة كبيرة. "جرحتِ مشاعري." قضتا بقية المساء في الحديث عن أمور بسيطة؛ العمل، والعائلة، وبعض المواقف اليومية التي لا تبدو مهمة في نظر أحد، لكنها كانت كافية لتملأ الشقة بالحياة. كانت فاطمة تتحدث أكثر كالعادة، بينما اكتفت سكينة بالاستماع والتعليق بين الحين والآخر، وهو أمر اعتادت عليه صديقتها منذ زمن. وفي وقت متأخر من الليل، جلست سكينة أمام حاسوبها تراجع الصور التي التقطتها قبل ساعات. كانت هذه من أكثر اللحظات التي تحبها في يومها؛ لحظة هادئة لا تسمع فيها سوى صوت النقرات الخفيفة على لوحة المفاتيح. توقفت عند إحدى الصور طويلاً. كانت صورة الرجل المسن وهو يطعم الحمام في الساحة قبل الغروب. لم تكن لقطة استثنائية في نظر معظم الناس، ولم تكن من النوع الذي يجذب الانتباه بسرعة، لكنها أحبتها لسبب لم تستطع تحديده بدقة. ربما لأن ملامح الرجل بدت هادئة على نحو نادر، أو لأن المشهد بأكمله منحها شعوراً بالسكينة التي كانت تبحث عنها دائماً خلف عدستها. ظلت تتأمل الصورة لعدة ثوانٍ قبل أن تغلق الملف وتستند إلى ظهر الكرسي. بدا لها أن الغد لن يختلف كثيراً عن هذا اليوم؛ ستستيقظ مبكراً، وتتجه إلى الاستوديو، ثم تعود في المساء إلى الشقة الصغيرة التي تتقاسمها مع فاطمة، لتقضي ما تبقى من يومها بين الصور والملفات. كانت تلك الحياة مألوفة ومستقرة، وربما لهذا السبب لم يخطر ببالها وهي تطفئ الحاسوب وتستعد للنوم أن الأيام القادمة كانت تخبئ لها ما لم تتوقعه أبداً. وبعد دقائق قليلة، غرقت الشقة في الصمت، بينما كانت الدار البيضاء تواصل سهرها المعتاد خلف النافذة.في صباح اليوم التالي، لم يكن جدول العمل يتضمن جلسات تصوير كبيرة كما حدث في اليومين السابقين.بدلاً من ذلك، خُصص الجزء الأكبر من النهار لاختبارات الملابس والتنسيقات النهائية الخاصة بالحملة.كانت إحدى القاعات داخل المجمع قد تحولت إلى ما يشبه خلية نحل حقيقية.رفوف طويلة مليئة بالملابس.صناديق الأحذية.الإكسسوارات.المرايا العملاقة.وعدد من المصممين والمساعدين الذين يتحركون باستمرار بين الطاولات.دخلت سكينة القاعة وهي تحمل كاميرتها بعد أن طُلب منها توثيق بعض مراحل التحضير لاستخدامها لاحقاً في المواد الترويجية.توقفت للحظة وهي تراقب الفوضى المنظمة أمامها.على الجانب الأيمن كان فريق المكياج يعمل على تجهيز العارضين.وفي الجهة المقابلة كان نيك يناقش تفاصيل معينة مع أحد المصممين.أما بين...فكان يقف أمام مرآة طويلة وهو يرتدي إحدى القطع الجديدة.اقتربت سكينة بهدوء.رفعت الكاميرا.والتقطت صورة.التفت بين فور سماع صوت العدسة."هل حصلت على إذن؟"أجابت دون أن تنزل الكاميرا:"لا.""إذاً سأرفع قضية."التقطت صورة ثانية."حظاً موفقاً."ضحك بين وهز رأسه.كان يرتدي معطفاً رمادياً طويلاً فوق ملابس تجريبية
لم ينتهِ العمل بعد، رغم أن الشمس بدأت تميل ببطء نحو الأفق.كانت آخر جلسة تصوير لذلك اليوم تُقام فوق منصة خشبية واسعة بُنيت خصيصاً فوق جزء مرتفع من الساحل. من هناك كان البحر يبدو ممتداً بلا نهاية، بينما تحولت السماء تدريجياً إلى درجات ذهبية وبرتقالية ناعمة.بالنسبة لنيك، كانت هذه أفضل ساعات اليوم.أما بالنسبة للفنيين، فكانت أكثر الساعات توتراً."لدينا أقل من أربعين دقيقة."قالها أحد المساعدين وهو ينظر إلى ساعته."إذا فقدنا هذا الضوء سنضطر لإعادة كل شيء غداً."بدأ الجميع يتحرك بسرعة أكبر.أجهزة الإضاءة.الكاميرات.المؤثرات العاكسة للضوء.كل شيء كان يتحرك في وقت واحد.أما سكينة فكانت مركزة بالكامل خلف الكاميرا.التقطت صورة.ثم أخرى.ثم أعادت تعديل زاوية الوقوف.ثم التقطت صورة جديدة.كانت تلك اللحظات التي تختفي فيها الأصوات من حولها تقريباً.لا تسمع إلا التعليمات الضرورية.ولا ترى إلا ما يوجد داخل الإطار.وفجأة..."أعتقد أنك نسيتِ أن ترمشي."رفعت رأسها.كان بين يقف بجانبها حاملاً زجاجة ماء.نظرت إليه لثانيتين."وأعتقد أنك نسيت أن تعمل."ابتسم فوراً."إذاً بدأتِ تردين أخيراً."عادت إلى الك
استمر العمل داخل القاعة الزجاجية المطلة على البحر منذ ساعات الصباح الأولى. كانت المساحة واسعة ومفتوحة على الضوء الطبيعي من ثلاث جهات تقريباً، وهو ما جعل فريق التصوير يستغل كل دقيقة من ساعات النهار قبل تغير الإضاءة. وقفت سكينة خلف الكاميرا تراجع الصور الأخيرة على الشاشة الكبيرة الموصولة بالحاسوب. كانت اللقطات تنتقل واحدة تلو الأخرى بينما يناقش نيك بعض التفاصيل البصرية مع فريق الإخراج الفني. "هذه اللقطة جيدة." قال أحد المصممين وهو يشير إلى الشاشة. لكن نيك هز رأسه. "الخلفية جميلة، لكن العين لا تذهب إلى المكان الصحيح." اقتربت سكينة من الشاشة. "بسبب الانعكاس؟" التفت نحوها نيك. "بالضبط." كانت تلك أول مرة يدخلان في نقاش مهني حقيقي منذ بداية المشروع. بدأ الاثنان يتحدثان عن الإضاءة والعدسات والزوايا، بينما كان بعض الموجودين يتابعون الحوار باهتمام. لم تكن سكينة من النوع الذي يكثر الكلام، لكنها عندما يتعلق الأمر بالتصوير كانت تعرف جيداً ما تقوله. بعد عدة دقائق، قال نيك أخيراً: "جربي عدسة الخمسة والثمانين." رفعت حاجبها. "متأكد؟" "جربي فقط." قامت بتبديل العدسة وأعادت اللقطة. مرت
لم يكن الاستيقاظ في صباح اليوم الثاني سهلاً بالنسبة لمعظم أفراد الفريق.فبعد يوم طويل من الاجتماعات والتجهيزات والتعارف الأولي، بدأ الجميع يشعر بالإرهاق الحقيقي للعمل الذي ينتظرهم خلال الأسابيع القادمة.كانت الشقق المخصصة للفريق تقع داخل مجمع سكني هادئ قريب من موقع التصوير، وقد تم توزيع الغرف بطريقة تضمن راحة الجميع. كانت سكينة تشارك الجناح النسائي مع عدد محدود من الموظفات المشاركات في المشروع، بينما كان باقي أفراد الفريق يقيمون في الأجنحة الأخرى داخل نفس المجمع.استيقظت سكينة قبل الموعد المعتاد بقليل. اغتسلت، أدت صلاة الفجر، ثم جلست قرب النافذة لبعض الوقت تراقب بداية النهار.لم تكن معتادة على السكن مع فريق عمل كامل بعيداً عن منزلها، لكن التجربة لم تبدُ مزعجة حتى الآن.بعد دقائق، التقطت هاتفها ووجدت رسالة من فاطمة."هل ما زلتِ على قيد الحياة؟"ابتسمت رغماً عنها.كتبت سريعاً:"للأسف نعم."لم تمر سوى ثوانٍ حتى جاء الرد:"إذن العمل لم يبدأ فعلياً بعد."هزت رأسها وهي تضحك بخفة قبل أن تضع الهاتف جانباً.---في قاعة الطعام المشتركة، كان بعض أفراد الفريق قد سبقوها إلى الإفطار.أخذت فنجاناً م
استيقظت سكينة قبل رنين المنبه بدقائق. فتحت عينيها ببطء ونظرت إلى الساعة المعلقة فوق الحائط. كانت السادسة إلا بضع دقائق. بقيت مستلقية للحظات قصيرة، ثم نهضت وهي تزفر بهدوء.اليوم هو أول يوم فعلي في المشروع.لم تكن متوترة بقدر ما كانت فضولية. طوال الأسبوع الماضي كانت تسمع عن المشروع وتستعد له، أما اليوم فسترى بنفسها الأشخاص الذين ستعمل معهم خلال الأسابيع القادمة.بعد أن انتهت من تجهيز نفسها، خرجت من غرفتها لتجد فاطمة جالسة في المطبخ تحتضن كوب قهوة وكأنها تحاول إقناع نفسها بالاستيقاظ."صباح الخير."رفعت فاطمة رأسها بصعوبة."هل نحن متأكدتان أن هذا الوقت يعتبر صباحاً؟"ابتسمت سكينة وهي تسحب كرسياً."الناس الطبيعيون مستيقظون منذ ساعة على الأقل.""لهذا قلت الناس الطبيعيون."ضحكت سكينة وهي تتناول بعض الفطور الخفيف.راقبتها فاطمة للحظات ثم سألت:"متحمسة؟""لا أعلم.""يعني نعم."هزت سكينة رأسها باستسلام."ربما قليلاً."ابتسمت فاطمة بانتصار."كنت أعرف."---في الجهة الأخرى، كانت طائرة قادمة من لندن قد حطت قبل وقت قصير في مطار محمد الخامس.خرج بين من بوابة الوصول وهو يحمل حقيبته الرياضية على كتفه
الفصل الثامن تحت سماءٍ أخرى حلّ يوم الأحد أخيراً، اليوم الذي سبق انطلاق العمل الرسمي في المشروع. كانت الدار البيضاء تعيش صباحاً مشمساً ومعتدلاً، بينما كانت سكينة تجلس أمام طاولة المطبخ تحتسي قهوتها بهدوء. على غير عادتها، لم تكن مضطرة للاستيقاظ مبكراً من أجل جلسة تصوير أو موعد مع زبون. كان اليوم شبه خالٍ من الالتزامات، وهو أمر نادر في الأشهر الأخيرة. دخلت فاطمة إلى المطبخ وهي تفرك عينيها بتكاسل. "منذ متى وأنتِ مستيقظة؟" أجابت سكينة دون أن ترفع نظرها عن الهاتف: "منذ ساعة تقريباً." سحبت فاطمة كرسياً وجلست. "هذا مرض." ابتسمت سكينة. "وأنتِ النوم هوايتك المفضلة." "طبعاً." ساد صمت قصير قبل أن تلاحظ فاطمة رسالة مفتوحة على شاشة الهاتف. "هل وصلتهم التأكيدات النهائية؟" أومأت سكينة. "نعم، يبدأ العمل غداً." رفعت فاطمة حاجبيها. "إذن غداً سنودعك رسمياً." "لن أسافر إلى القطب الشمالي." "لكنني أعرف المشاريع الكبيرة. ستختفين أسبوعين أو ثلاثة." ضحكت سكينة وهزت رأسها. "لن أختفي." "سنرى." بعد الإفطار، خرجت سكينة لبعض الوقت إلى كورنيش عين الذئاب. لم تحمل الكاميرا هذه المرة، فقط هاتفه