LOGINعلى بعد آلاف الكيلومترات من الدار البيضاء، كانت لندن تستقبل صباحاً بارداً آخر من صباحاتها المعتادة.
في الطابق العلوي من مبنى زجاجي حديث يقع وسط الحي التجاري، وقف وارن فيليبس أمام النافذة الواسعة لمكتبه يتأمل حركة المدينة أسفله. كانت السيارات تتحرك في خطوط منتظمة، والمارة يعبرون الشوارع بسرعة وكأن الجميع يطارد موعداً لا يحتمل التأخير. ألقى نظرة سريعة على ساعته قبل أن يعود إلى مكتبه. الثامنة وخمس وأربعون دقيقة. بعد ربع ساعة سيبدأ أول اجتماع في يوم مزدحم كغيره من الأيام. لم يكن وارن من الأشخاص الذين يكرهون العمل، بل على العكس تماماً. كانت بروميثيوس جزءاً كبيراً من حياته، وربما الجزء الأكبر أيضاً. فمنذ تأسيس الشركة قبل سنوات طويلة وهو يكرس لها معظم وقته وجهده، حتى أصبح اسمه مرتبطاً بها في أذهان الكثيرين. على مكتبه كانت الملفات مرتبة بدقة، والجدول اليومي مفتوح أمامه على شاشة الحاسوب. لم يكن يحب الفوضى، سواء في العمل أو في حياته الشخصية، وكان يؤمن أن النجاح يبدأ من التفاصيل الصغيرة التي يتجاهلها الآخرون. عندما دقت الساعة التاسعة تماماً، دخل أعضاء الإدارة إلى قاعة الاجتماعات المجاورة. جلس الجميع في أماكنهم المعتادة، بينما تولى أحد المدراء عرض تقرير مشروع كان من المفترض أن ينتهي قبل أيام. استمع وارن بصمت حتى انتهى العرض. ثم قال بهدوء: "ما سبب التأخير؟" بدأ المدير في شرح مجموعة من المبررات المتعلقة بضغط العمل وبعض المشكلات التقنية، لكن وارن لم يقاطعه حتى انتهى. بعدها أغلق الملف الذي أمامه وقال: "أريد الأسباب الحقيقية، لا الأعذار." ساد الصمت للحظات داخل القاعة. لم يكن صراخه هو ما يخشاه الموظفون. بل هدوؤه. فكل من عمل معه لفترة طويلة كان يعلم أن أكثر لحظاته صرامة هي تلك التي يتحدث فيها بهذه النبرة الهادئة. استمرت الاجتماعات لساعات متتالية، ولم يغادر وارن القاعة إلا بعد الظهيرة بقليل. ما إن دخل مكتبه حتى فتح الباب مرة أخرى دون استئذان. دخل نيك أولاً حاملاً كوب قهوة في يده، ثم جلس على المقعد المقابل للمكتب وكأنه صاحب المكان. قال وهو يضع الكوب أمامه: "جئت لأطمئن على سلامة الموظفين." رفع وارن نظره من الأوراق التي كان يراجعها. "وكم عدد الضحايا اليوم؟" ابتسم نيك بانتصار. "ها أنت تعترف أخيراً بوجود ضحايا." قبل أن يرد وارن، انفتح الباب مجدداً ودخل ويل. ألقى نظرة على نيك ثم قال: "هل بدأ التحقيق الرسمي؟" "ما زلنا نجمع الأدلة." تنهد ويل وهو يجلس بجانبه. "ممتاز. أخبروني عندما تصلون إلى نتيجة." هز وارن رأسه مستسلماً وهو يعود إلى ملفاته. من بين جميع العاملين في الشركة، كان ويل ونيك من القلائل الذين لا يتعاملون معه كمدير تنفيذي فقط. فقد رافقاه منذ السنوات الأولى لتأسيس الشركة، وشهدا معه مراحل النجاح والفشل والتوسع، حتى أصبحت صداقتهم أقدم من كثير من أقسام بروميثيوس نفسها. مد ويل ملفاً نحو وارن قائلاً: "هذه النسخة النهائية من مشروع الحملة الخاصة بعلامة الأزياء الجديدة." أخذ وارن الملف وبدأ يتصفحه باهتمام. مرّت عدة دقائق لم يتحدث خلالها أحد. كان نيك يعرف هذا الصمت جيداً. لذلك مال نحو ويل وهمس بصوت منخفض متعمد: "إذا قال إن العمل جيد فسأعتبر ذلك معجزة." سمعه وارن رغم ذلك. وحين أغلق الملف أخيراً قال: "العمل جيد." ساد الصمت. ثم نظر نيك إلى ويل ببطء. "هل سمعت؟" أجاب ويل بالجدية نفسها: "سمعت." "هل نحن في الحلم نفسه؟" هذه المرة لم يستطع وارن منع ابتسامة صغيرة من الظهور على وجهه. ولم تمر تلك الابتسامة على صديقيه دون ملاحظة. قال نيك فوراً: "ها هي. رأيتها." "وأنا أيضاً." اختفت الابتسامة بسرعة، لكن الجو داخل المكتب أصبح أخف من المعتاد. ورغم أن العمل كان يحتل معظم حياة وارن، فإن وجود أشخاص مثل ويل ونيك كان من الأسباب القليلة التي تجعل الأيام الطويلة أقل ثقلاً. في تلك اللحظة بالذات، لم يكن أحد منهم يعلم أن الأشهر القادمة ستجلب إلى الشركة وجوهاً جديدة، وستدفع أكثر من شخص إلى إعادة النظر في حياته كلها. لكن ذلك ما يزال بعيداً. أما الآن، فكل ما كان يشغل وارن هو الاجتماع التالي الذي ينتظره بعد عشر دقائق.في صباح اليوم التالي، لم يكن جدول العمل يتضمن جلسات تصوير كبيرة كما حدث في اليومين السابقين.بدلاً من ذلك، خُصص الجزء الأكبر من النهار لاختبارات الملابس والتنسيقات النهائية الخاصة بالحملة.كانت إحدى القاعات داخل المجمع قد تحولت إلى ما يشبه خلية نحل حقيقية.رفوف طويلة مليئة بالملابس.صناديق الأحذية.الإكسسوارات.المرايا العملاقة.وعدد من المصممين والمساعدين الذين يتحركون باستمرار بين الطاولات.دخلت سكينة القاعة وهي تحمل كاميرتها بعد أن طُلب منها توثيق بعض مراحل التحضير لاستخدامها لاحقاً في المواد الترويجية.توقفت للحظة وهي تراقب الفوضى المنظمة أمامها.على الجانب الأيمن كان فريق المكياج يعمل على تجهيز العارضين.وفي الجهة المقابلة كان نيك يناقش تفاصيل معينة مع أحد المصممين.أما بين...فكان يقف أمام مرآة طويلة وهو يرتدي إحدى القطع الجديدة.اقتربت سكينة بهدوء.رفعت الكاميرا.والتقطت صورة.التفت بين فور سماع صوت العدسة."هل حصلت على إذن؟"أجابت دون أن تنزل الكاميرا:"لا.""إذاً سأرفع قضية."التقطت صورة ثانية."حظاً موفقاً."ضحك بين وهز رأسه.كان يرتدي معطفاً رمادياً طويلاً فوق ملابس تجريبية
لم ينتهِ العمل بعد، رغم أن الشمس بدأت تميل ببطء نحو الأفق.كانت آخر جلسة تصوير لذلك اليوم تُقام فوق منصة خشبية واسعة بُنيت خصيصاً فوق جزء مرتفع من الساحل. من هناك كان البحر يبدو ممتداً بلا نهاية، بينما تحولت السماء تدريجياً إلى درجات ذهبية وبرتقالية ناعمة.بالنسبة لنيك، كانت هذه أفضل ساعات اليوم.أما بالنسبة للفنيين، فكانت أكثر الساعات توتراً."لدينا أقل من أربعين دقيقة."قالها أحد المساعدين وهو ينظر إلى ساعته."إذا فقدنا هذا الضوء سنضطر لإعادة كل شيء غداً."بدأ الجميع يتحرك بسرعة أكبر.أجهزة الإضاءة.الكاميرات.المؤثرات العاكسة للضوء.كل شيء كان يتحرك في وقت واحد.أما سكينة فكانت مركزة بالكامل خلف الكاميرا.التقطت صورة.ثم أخرى.ثم أعادت تعديل زاوية الوقوف.ثم التقطت صورة جديدة.كانت تلك اللحظات التي تختفي فيها الأصوات من حولها تقريباً.لا تسمع إلا التعليمات الضرورية.ولا ترى إلا ما يوجد داخل الإطار.وفجأة..."أعتقد أنك نسيتِ أن ترمشي."رفعت رأسها.كان بين يقف بجانبها حاملاً زجاجة ماء.نظرت إليه لثانيتين."وأعتقد أنك نسيت أن تعمل."ابتسم فوراً."إذاً بدأتِ تردين أخيراً."عادت إلى الك
استمر العمل داخل القاعة الزجاجية المطلة على البحر منذ ساعات الصباح الأولى. كانت المساحة واسعة ومفتوحة على الضوء الطبيعي من ثلاث جهات تقريباً، وهو ما جعل فريق التصوير يستغل كل دقيقة من ساعات النهار قبل تغير الإضاءة. وقفت سكينة خلف الكاميرا تراجع الصور الأخيرة على الشاشة الكبيرة الموصولة بالحاسوب. كانت اللقطات تنتقل واحدة تلو الأخرى بينما يناقش نيك بعض التفاصيل البصرية مع فريق الإخراج الفني. "هذه اللقطة جيدة." قال أحد المصممين وهو يشير إلى الشاشة. لكن نيك هز رأسه. "الخلفية جميلة، لكن العين لا تذهب إلى المكان الصحيح." اقتربت سكينة من الشاشة. "بسبب الانعكاس؟" التفت نحوها نيك. "بالضبط." كانت تلك أول مرة يدخلان في نقاش مهني حقيقي منذ بداية المشروع. بدأ الاثنان يتحدثان عن الإضاءة والعدسات والزوايا، بينما كان بعض الموجودين يتابعون الحوار باهتمام. لم تكن سكينة من النوع الذي يكثر الكلام، لكنها عندما يتعلق الأمر بالتصوير كانت تعرف جيداً ما تقوله. بعد عدة دقائق، قال نيك أخيراً: "جربي عدسة الخمسة والثمانين." رفعت حاجبها. "متأكد؟" "جربي فقط." قامت بتبديل العدسة وأعادت اللقطة. مرت
لم يكن الاستيقاظ في صباح اليوم الثاني سهلاً بالنسبة لمعظم أفراد الفريق.فبعد يوم طويل من الاجتماعات والتجهيزات والتعارف الأولي، بدأ الجميع يشعر بالإرهاق الحقيقي للعمل الذي ينتظرهم خلال الأسابيع القادمة.كانت الشقق المخصصة للفريق تقع داخل مجمع سكني هادئ قريب من موقع التصوير، وقد تم توزيع الغرف بطريقة تضمن راحة الجميع. كانت سكينة تشارك الجناح النسائي مع عدد محدود من الموظفات المشاركات في المشروع، بينما كان باقي أفراد الفريق يقيمون في الأجنحة الأخرى داخل نفس المجمع.استيقظت سكينة قبل الموعد المعتاد بقليل. اغتسلت، أدت صلاة الفجر، ثم جلست قرب النافذة لبعض الوقت تراقب بداية النهار.لم تكن معتادة على السكن مع فريق عمل كامل بعيداً عن منزلها، لكن التجربة لم تبدُ مزعجة حتى الآن.بعد دقائق، التقطت هاتفها ووجدت رسالة من فاطمة."هل ما زلتِ على قيد الحياة؟"ابتسمت رغماً عنها.كتبت سريعاً:"للأسف نعم."لم تمر سوى ثوانٍ حتى جاء الرد:"إذن العمل لم يبدأ فعلياً بعد."هزت رأسها وهي تضحك بخفة قبل أن تضع الهاتف جانباً.---في قاعة الطعام المشتركة، كان بعض أفراد الفريق قد سبقوها إلى الإفطار.أخذت فنجاناً م
استيقظت سكينة قبل رنين المنبه بدقائق. فتحت عينيها ببطء ونظرت إلى الساعة المعلقة فوق الحائط. كانت السادسة إلا بضع دقائق. بقيت مستلقية للحظات قصيرة، ثم نهضت وهي تزفر بهدوء.اليوم هو أول يوم فعلي في المشروع.لم تكن متوترة بقدر ما كانت فضولية. طوال الأسبوع الماضي كانت تسمع عن المشروع وتستعد له، أما اليوم فسترى بنفسها الأشخاص الذين ستعمل معهم خلال الأسابيع القادمة.بعد أن انتهت من تجهيز نفسها، خرجت من غرفتها لتجد فاطمة جالسة في المطبخ تحتضن كوب قهوة وكأنها تحاول إقناع نفسها بالاستيقاظ."صباح الخير."رفعت فاطمة رأسها بصعوبة."هل نحن متأكدتان أن هذا الوقت يعتبر صباحاً؟"ابتسمت سكينة وهي تسحب كرسياً."الناس الطبيعيون مستيقظون منذ ساعة على الأقل.""لهذا قلت الناس الطبيعيون."ضحكت سكينة وهي تتناول بعض الفطور الخفيف.راقبتها فاطمة للحظات ثم سألت:"متحمسة؟""لا أعلم.""يعني نعم."هزت سكينة رأسها باستسلام."ربما قليلاً."ابتسمت فاطمة بانتصار."كنت أعرف."---في الجهة الأخرى، كانت طائرة قادمة من لندن قد حطت قبل وقت قصير في مطار محمد الخامس.خرج بين من بوابة الوصول وهو يحمل حقيبته الرياضية على كتفه
الفصل الثامن تحت سماءٍ أخرى حلّ يوم الأحد أخيراً، اليوم الذي سبق انطلاق العمل الرسمي في المشروع. كانت الدار البيضاء تعيش صباحاً مشمساً ومعتدلاً، بينما كانت سكينة تجلس أمام طاولة المطبخ تحتسي قهوتها بهدوء. على غير عادتها، لم تكن مضطرة للاستيقاظ مبكراً من أجل جلسة تصوير أو موعد مع زبون. كان اليوم شبه خالٍ من الالتزامات، وهو أمر نادر في الأشهر الأخيرة. دخلت فاطمة إلى المطبخ وهي تفرك عينيها بتكاسل. "منذ متى وأنتِ مستيقظة؟" أجابت سكينة دون أن ترفع نظرها عن الهاتف: "منذ ساعة تقريباً." سحبت فاطمة كرسياً وجلست. "هذا مرض." ابتسمت سكينة. "وأنتِ النوم هوايتك المفضلة." "طبعاً." ساد صمت قصير قبل أن تلاحظ فاطمة رسالة مفتوحة على شاشة الهاتف. "هل وصلتهم التأكيدات النهائية؟" أومأت سكينة. "نعم، يبدأ العمل غداً." رفعت فاطمة حاجبيها. "إذن غداً سنودعك رسمياً." "لن أسافر إلى القطب الشمالي." "لكنني أعرف المشاريع الكبيرة. ستختفين أسبوعين أو ثلاثة." ضحكت سكينة وهزت رأسها. "لن أختفي." "سنرى." بعد الإفطار، خرجت سكينة لبعض الوقت إلى كورنيش عين الذئاب. لم تحمل الكاميرا هذه المرة، فقط هاتفه






