Beranda / الرومانسية / ظبية الآغا / الفصل الثالث: قرار العجوز

Share

الفصل الثالث: قرار العجوز

Penulis: Yallow
last update Tanggal publikasi: 2026-08-08 12:40:39

لم يكن قرار الحاجة سعدى وليد لحظة، بل كان ثمرة تفكيرٍ طويل امتد أشهرًا، بل ربما سنوات، وهي تراقب حفيدتها ظبية تكبر أمام عينيها في بيتٍ طيني صغير لا يملك من الدنيا شيئًا سوى الكرامة والذكريات المتراكمة كطبقات الغبار على رفوفٍ قديمة.

بعد تلك الليلة التي أنقذ فيها فارس حفيدها راشد، ساءت أحوال العائلة أكثر فأكثر. فقد كان معيلهم الوحيد - عم ظبية الذي كان يعمل في الحقول ويُعين الحاجة سعدى على تدبير أمور المعيشة - قد توفي بحادثٍ مفاجئ بعد عامٍ من تلك الليلة، حين سقط من فوق سطح كان يُصلحه، فلم يبقَ في البيت سوى الحاجة سعدى العجوز التي أنهكها المرض والعمر، وظبية التي أصبحت عماد البيت رغم صغر سنها، وراشد الذي كان لا يزال طفلاً يحتاج من يرعاه لا من يعوله.

كانت ظبية تعمل في كل ما تجده من أعمال: تغزل الصوف لبيوت الأثرياء حتى تتورم أصابعها، وتساعد في الحصاد أيام الموسم تحت شمسٍ حارقة، وتخبز لبيوت الجيران مقابل قليل من الدقيق أو بعض القروش النحاسية، وتغسل ثياب النساء اللواتي يستطعن دفع أجرها المتواضع. كانت تخرج مع الفجر وتعود مع الغسق، جسدها منهك لكن عزيمتها لا تلين، وكانت تُخفي عن جدتها قدر تعبها، فتدخل البيت بابتسامة رغم أن قدميها تكادان لا تحملانها، خشية أن تُثقل على قلب العجوز المريض بمزيدٍ من القلق.

كانت فتاة نحيلة القامة، بعينين عسليتين واسعتين تحملان حزنًا لا يُخفى رغم محاولاتها الدائمة أن تبدو قوية أمام جدتها وأخيها، وشعرٍ أسود طويل تُخفيه دومًا تحت غطاء رأسها البسيط. كانت جميلة بجمالٍ لا يحتاج إلى زينة، جمال يشبه جمال الأرض حين تُمطر بعد قحط، هادئ وعميق ولا يُدرَك من النظرة الأولى، بل يحتاج إلى من يتمهل في النظر ليراه. لم تكن تعرف هي نفسها أنها جميلة، فلم يكن لديها وقتٌ للمرايا ولا رفاهية التفكير في مثل هذه الأمور، فقد كانت حياتها كلها تدور حول سؤالٍ واحد: كيف تُطعم أخاها وجدتها اليوم، وكيف تحميهما غدًا.

كانت تحفظ عن ظهر قلب أدعية جدتها التي تُرددها كل صباح قبل خروجها للعمل، وكانت تؤمن، رغم كل قسوة الحياة التي عاشتها، أن الله لا ينسى عبدًا صابرًا، وأن الأيام الصعبة لا بد أن تعقبها أيامٌ أهون. كانت هذه الثقة العميقة، غير المعلنة، هي ما يُبقيها واقفة حين تخذلها قدماها من التعب، وهي ما يجعلها تبتسم لأخيها الصغير حتى حين يكون قلبها مثقلاً بهموم لا يعرفها طفلٌ في عمره. كان راشد، رغم صغره، يشعر بجزءٍ من هذا الثقل الذي تحمله أخته، فكان يحاول أن يساعدها بطريقته الطفولية، يجمع الحطب من حول البيت، ويسقي الشجرة الصغيرة التي زرعها والدهما، ويجلس بجانب جدته يقرأ لها ما تعلّمه من حروفٍ قليلة في كُتّاب القرية، محاولاً أن يكون عونًا لا عبئًا على أختٍ أعطته كل ما تملك من وقتها وجهدها.

في إحدى الليالي، وبينما كانت ظبية تُعدّ العشاء البسيط - خبزًا وقليلًا من اللبن، وبعض حبات التمر التي ادّخرتها من موسمٍ سابق - جلست الحاجة سعدى على حصيرتها القديمة، تراقب حفيدتها بصمت طويل، عيناها الغائرتان تتبعان كل حركة من حركاتها بحبٍّ ممزوج بقلقٍ عميق، ثم قالت فجأة، بصوتٍ أضعفه المرض والعمر: "يا ظبية، تعالي اجلسي عندي، أريد أن أحدّثك في أمرٍ يشغل بالي منذ زمن."

جلست ظبية عند قدمي جدتها، كعادتها كلما أرادت الحاجة سعدى أن تُحدّثها في أمرٍ مهم، ونظرت إليها بانتظار، فقالت العجوز وهي تتنهد تنهيدة طويلة، وكأنها تُخرج مع هذا الزفير ثقل سنين من التفكير: "أنتِ تعرفين يا بنيتي أن عمرنا لا يدوم، وأن الله وحده يعلم كم بقي لي من أيام في هذه الدنيا. وأنا أخاف عليكِ وعلى أخيكِ من بعدي، فمن سيرعاكما إن رحلتُ؟ من سيحميكما إن عاد الثأر يومًا بوجهٍ آخر، أو إن احتاج أحدكما لمن يقف بجانبه في وجه ظلم هذه الدنيا؟"

حاولت ظبية أن تُطمئنها، وأمسكت بيدها النحيلة المتجعدة: "لا تُفكري بهذا يا جدتي، سأعمل وأرعى راشد، وستطول بكِ الأيام بإذن الله. لا تُتعبي قلبك بهذه الأفكار." لكن الحاجة سعدى هزّت رأسها ببطء، بحكمة من عاشت طويلًا وعرفت أن الأماني وحدها لا تكفي لحماية من تحب، وقالت: "لقد فكّرت طويلاً يا ظبية، ليالٍ كثيرة لم أنم فيها، أُقلّب الأمر في رأسي مرارًا وتكرارًا، وأعتقد أن الوقت قد حان لأفي بدَيني لآغا فارس. أنتِ تعرفين أنه أنقذ حياة أخيك تلك الليلة، وأن هذا دَينٌ لا يُنسى ولا يُسدَّد بالكلام وحده. الدَّين الحقيقي، يا بنيتي، لا يُسدَّد بالشكر، بل بفعلٍ يوازيه."

ارتجفت يد ظبية وهي تُمسك بطرف عباءتها، وسألت بصوتٍ يحمل قلقًا مفاجئًا، وقلبها يخفق بسرعة تحسّها في صدرها: "وماذا تنوين يا جدتي؟" فأجابتها الحاجة سعدى، وهي تنظر إليها بعينين تحملان مزيجًا من الحزم والأسى، عينين لم تعرفا الكذب طوال عمرهما: "سأذهب إليه، وسأقدّم له خدمتكِ في بيته. أعرف أن هذا صعبٌ عليكِ، وأعرف أنكِ فتاة لم تُخلقي لتكوني خادمة عند أحد، فأنتِ ابنة أبٍ كان له شرفه ومكانته قبل أن يأخذه الموت، لكنه سيكون بيتًا آمنًا لكِ، بيتًا لا يجرؤ فيه أحد أن يمسّكِ بسوء، فأنتِ ستكونين تحت حماية آغا القرية نفسه. وهذا، في زمنٍ كهذا، نعمةٌ لا يقدر عليها كل الناس، ونعمةٌ لم تكن لتُتاح لفتاةٍ فقيرةٍ مثلكِ لولا ذلك الدَّين."

بكت ظبية تلك الليلة بصمت، لا لأنها تخاف الخدمة أو العمل - فقد عملت طوال حياتها ولم تعرف الراحة يومًا - بل لأنها كانت تخشى الابتعاد عن جدتها وأخيها، تخشى أن تُصبح غريبة في بيتٍ لا تعرف أهله، خادمة بين جدران لا تحمل لها ذكرى ولا دفئًا، تفتقد فيه صوت جدتها وهي تقرأ آيات من القرآن قبل النوم، وضحكة أخيها الصغير حين يُداعبها. لكنها كانت تعرف أيضًا أن جدتها لا تقرر هذا الأمر بسهولة، وأن خلف كل كلمة تقولها حكمة عجوزٍ عاشت وجرّبت وعرفت كيف تحمي من تحب حتى بعد رحيلها. لم تُجادل، فقد تعلّمت منذ الصغر أن كلمة جدتها لا تُرد، وأن حكمتها، مهما بدت قاسية، تحمل دائمًا حبًّا خالصًا في جوهرها.

مرّت الأيام التالية ثقيلة على البيت الصغير، وكانت ظبية تُحضّر نفسها بصمت لهذا الرحيل القادم، تُجهّز ثوبين بسيطين هما كل ما تملك من ملابس، وتُودّع الجدران التي كبرت بين ذراعيها، والفناء الصغير حيث لعبت طفلة قبل أن يسرقها الفقر من طفولتها، والشجرة الوحيدة أمام البيت التي زرعها والدها قبل أن يرحل. كانت تجلس مع أخيها راشد في الأمسيات، تُحدّثه عن أهمية أن يكون رجلاً صالحًا، وأن يعتني بجدته حتى تعود لزيارتهما، وأن يدرس القراءة والكتابة إن أتيحت له فرصة، وكان الصبي - رغم صغر سنه - يشعر بثقل ما يحدث دون أن يفهمه تمامًا، فيحتضن أخته بصمت طويل كأنه يودّعها وداعًا لا يعرف مدته، ويسألها بين الحين والآخر بصوتٍ طفولي مؤثر: "هل ستنسيننا يا ظبية حين تصبحين في بيت الآغا الكبير؟" فتضمّه بقوة وتقول له وهي تكتم دموعها: "لن أنساكما أبدًا يا حبيبي، مهما بعُدت الدار."

وفي صباح ذلك اليوم الذي تحدثنا عنه في الفصل الأول، استيقظت الحاجة سعدى مبكرة، ولبست أفضل ما تملك من ثياب - عباءة سوداء قديمة لكنها نظيفة، وغطاء رأس أبيض ورثته عن أمها - وأمسكت بيد ظبية، وقالت لها بصوتٍ يحمل حزمًا لا يقبل النقاش: "هيّا بنا يا بنيتي، فالوعد الذي في صدري منذ ثلاث سنوات لا يحتمل التأجيل أكثر من هذا. اليوم سنفي بديننا، ونضع مستقبلك بين يدي رجلٍ أثبت لي أنه يستحق هذه الأمانة." في تلك الليلة الأخيرة قبل الرحيل، لم تنم ظبية إلا قليلاً. جلست عند نافذة البيت الصغيرة تراقب النجوم، وتتذكر أمها التي رحلت وهي في العاشرة من عمرها، ووالدها الذي لم تعرفه إلا من خلال ما رواه لها الآخرون عن رجلٍ طيب القلب قتله المرض قبل أوانه. شعرت في تلك الليلة بغربةٍ مسبقة، كأن روحها بدأت تودّع هذا المكان قبل أن يودّعه جسدها فعليًا. فكّرت في كل التفاصيل الصغيرة التي ستفتقدها: صوت الديك الذي يوقظها كل صباح، ورائحة خبز جدتها الذي لا يشبهه خبز، وحكايات الجدة قبل النوم عن أجدادٍ عاشوا في زمنٍ بعيد وواجهوا أقدارًا أصعب من أقدارها ونجوا منها.

في الصباح، وقبل أن تغادر البيت الصغير للمرة الأخيرة بصفتها ابنته وليس زائرته، مرّت ظبية على كل ركن فيه: لمست جدار المطبخ حيث تعلّمت الطبخ من جدتها، ووقفت عند الفراش الذي وُلدت عليه كما أخبرتها الحاجة سعدى مرارًا، وجلست لحظة قصيرة تحت الشجرة التي زرعها والدها، تضع يدها على جذعها الخشن كأنها تودّع جزءًا منه. كانت هذه اللحظات الصامتة أثقل من أي كلام، فالفراق من مكانٍ يحمل الذكريات أصعب أحيانًا من فراق الأشخاص أنفسهم، لأن المكان لا يستطيع أن يعد بلقاءٍ قادم.

ودّعت جيرانها القلائل الذين عرفتهم طوال حياتها، امرأة عجوز كانت تُعلّمها الخياطة أحيانًا، وفتاة في مثل عمرها كانت رفيقة طفولتها القليلة قبل أن يسرق الفقر منهما وقت اللعب. بكت كل واحدة منهنّ وهي تودّع ظبية، ودعون لها بالخير والستر في بيتها الجديد، وقالت لها الجارة العجوز وهي تُقبّل رأسها: "اذهبي يا بنيتي بحفظ الله، وتذكّري أن الكرامة لا تُشترى ولا تُباع، احمليها معكِ أينما ذهبتِ، فهي كل ما يملكه الفقراء حقًّا."

مشت ظبية إلى جانب جدتها في الطريق الترابي الطويل المؤدي إلى قرية الآغا فارس، حاملة معها صرة صغيرة فيها كل ما تملك من الدنيا، وقلبها يخفق بين خوفٍ من المجهول وأملٍ خافت لا تجرؤ أن تُسمّيه، بينما كانت الشمس تميل نحو الأفق، كأنها هي الأخرى تُسرع الخطى لتشهد على لحظةٍ ستُغيّر مصير فتاةٍ لم تكن تعرف أن حياتها كلها على وشك أن تتغيّر إلى الأبد. توقفتا مرتين في الطريق لتستريح الحاجة سعدى التي أنهكها المشي الطويل، وفي كل مرة كانت ظبية تجلس بجانبها، تُدلّك قدميها المتعبتين بحنان، وتنظر إليها بقلقٍ يفوق قلقها على نفسها ومصيرها القادم، فقد كانت تخشى على صحة جدتها أكثر مما تخشى على مستقبلها الغامض.

في إحدى تلك الاستراحات، تحت ظل شجرة سدر معمّرة على قارعة الطريق، أمسكت الحاجة سعدى بيد حفيدتها، ونظرت إلى عينيها العسليتين طويلاً، وقالت لها كلامًا لم تقله من قبل: "يا ظبية، أعرف أنكِ تظنين أنني أتخلى عنكِ اليوم، لكن اعلمي أن هذا أصعب قرار اتخذته في حياتي. لو كان بيدي أن أُبقيكِ إلى جانبي حتى آخر نفسٍ لي، لفعلت، لكن قلب الجدة الذي يحب حقًا هو القلب الذي يُضحي براحته من أجل مستقبل من يحب، لا القلب الذي يتمسك بهم خوفًا من الوحدة." تأثرت ظبية بهذه الكلمات حتى النخاع، وقبّلت يد جدتها بحبٍّ عميق، وقالت: "أنتِ كل ما أملك في هذه الدنيا يا جدتي، ولن أنسى فضلك عليّ ما حييت."

واصلتا السير حتى بدت أسوار قرية الآغا فارس تلوح من بعيد، وشعرت ظبية بقلبها يخفق بقوة أكبر مع كل خطوة تقربها من ذلك المصير المجهول، بينما كانت الحاجة سعدى تمشي بعزيمة رغم تعبها، وكأن قوة إرادتها وحدها هي ما يدفع جسدها الواهن إلى الأمام.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • ظبية الآغا    الفصل الخامس: أول ليلة في القصر الغريب

    قادت إحدى الخادمات العجائز، واسمها أم سالم، ظبية إلى الجناح المخصص للخدم، وهو مبنى صغير ملحق بالدار الكبيرة، فيه غرف متواضعة نظيفة تفتح على فناءٍ داخلي صغير تجتمع فيه الخادمات في المساء لتبادل الأحاديث بعد يومٍ طويل من العمل. كانت أم سالم امرأة في الخمسين من عمرها، عريضة الجسم، بوجهٍ طيب تكسوه تجاعيد اللطف لا القسوة، وكانت قد قضت أكثر من عشرين عامًا في خدمة عائلة الآغا، فصارت أشبه بأمٍّ لكل خادمة جديدة تدخل هذا البيت.قالت أم سالم بلهجة أمومية وهي تُريها الغرفة الصغيرة التي ستقيم فيها: "هذه غرفتك يا بنية، بسيطة لكنها دافئة، وستجدين فيها كل ما تحتاجينه. لا تخافي، فالآغا فارس رجل عادل، لم نرَ منه ظلمًا لخادمٍ يومًا، وستكونين هنا بخير إن شاء الله، شرط أن تُتقني عملك وتحفظي حدودك." ثم أضافت وهي تُشير إلى فراشٍ بسيط في الزاوية، وبطانية صوفية مطوية بعناية: "هذا فراشك، وهذه خزانة صغيرة لثيابك، وإن احتجتِ شيئًا، فبابي مفتوح لكِ دائمًا، فأنا هنا منذ زمنٍ طويل، ورأيت خادمات كثيرات يدخلن هذا البيت، وأعرف كيف يكون الأمر صعبًا في الأيام الأولى."جلست ظبية على الفراش البسيط، وأحاطت الجدران الطينية

  • ظبية الآغا    الفصل الرابع: "أعطيتك حفيدتي ظبية"

    وصلت الحاجة سعدى وظبية إلى دار الآغا فارس مع خيوط الشمس الأخيرة، حين كانت السماء تتلوّن بدرجاتٍ من البرتقالي والأحمر الخفيف، كأن الأفق نفسه يستعد لمشهدٍ لن يُنسى. كانت ظبية تنظر إلى جدران الدار العالية بعينين مندهشتين، فلم تكن قد رأت بناءً بهذا الحجم من قبل، وشعرت لوهلة أن قدميها النحيلتين المتعبتين من طول المسير تكادان تخونانها من هول ما ترى. رأت النوافذ الخشبية المزخرفة، والأبواب الكبيرة المطعّمة بالنحاس، والحراس الواقفين عند المدخل بهيئتهم المهيبة، وشعرت أن المسافة بين عالمها الصغير الفقير وهذا العالم الفسيح الغني أكبر بكثير مما تخيلت، وأن الخطوات القليلة التي تفصلها عن الباب الكبير تحمل ثقل عالمٍ كامل يتغيّر.سمعت من بعيد صوت أذان المغرب يتردد في أرجاء القرية، فتوقفت الحاجة سعدى لحظة عند سماعه، ورفعت يديها بدعاء صامت قبل أن تُكمل السير، وتبعتها ظبية بالفعل ذاته، تدعو الله في سرها أن يُعينها على ما هي مقبلة عليه، وأن يجعل هذا البيت الجديد بابًا للخير لا للشقاء.استقبلهما سلطان عند الباب الكبير، وقد أُخبر مسبقًا بقدومهما، فأدخلهما بأدبٍ جمّ إلى المجلس الذي أُعدّ خصيصًا لاستقبال الحا

  • ظبية الآغا    الفصل الثالث: قرار العجوز

    لم يكن قرار الحاجة سعدى وليد لحظة، بل كان ثمرة تفكيرٍ طويل امتد أشهرًا، بل ربما سنوات، وهي تراقب حفيدتها ظبية تكبر أمام عينيها في بيتٍ طيني صغير لا يملك من الدنيا شيئًا سوى الكرامة والذكريات المتراكمة كطبقات الغبار على رفوفٍ قديمة.بعد تلك الليلة التي أنقذ فيها فارس حفيدها راشد، ساءت أحوال العائلة أكثر فأكثر. فقد كان معيلهم الوحيد - عم ظبية الذي كان يعمل في الحقول ويُعين الحاجة سعدى على تدبير أمور المعيشة - قد توفي بحادثٍ مفاجئ بعد عامٍ من تلك الليلة، حين سقط من فوق سطح كان يُصلحه، فلم يبقَ في البيت سوى الحاجة سعدى العجوز التي أنهكها المرض والعمر، وظبية التي أصبحت عماد البيت رغم صغر سنها، وراشد الذي كان لا يزال طفلاً يحتاج من يرعاه لا من يعوله.كانت ظبية تعمل في كل ما تجده من أعمال: تغزل الصوف لبيوت الأثرياء حتى تتورم أصابعها، وتساعد في الحصاد أيام الموسم تحت شمسٍ حارقة، وتخبز لبيوت الجيران مقابل قليل من الدقيق أو بعض القروش النحاسية، وتغسل ثياب النساء اللواتي يستطعن دفع أجرها المتواضع. كانت تخرج مع الفجر وتعود مع الغسق، جسدها منهك لكن عزيمتها لا تلين، وكانت تُخفي عن جدتها قدر تعبها،

  • ظبية الآغا    الفصل الثاني: ليلة الدَّين

    لكي يُفهم ثقل ما كان يحدث في تلك الأمسية، لا بد من العودة بالزمن ثلاث سنوات إلى الوراء، إلى تلك الليلة التي زرعت بذرة كل ما سيأتي، ليلة لم تكن تشبه أي ليلة أخرى في تاريخ القرية وتاريخ فارس نفسه.كانت القرية آنذاك تعيش على وقع ثأرٍ قديم بين عائلتين كبيرتين، ثأرٍ توارثته الأجيال حتى نسي أكثر الناس سببه الأول، ولم يبقَ منه إلا الحقد المتراكم كالغبار على جدارٍ مهجور. بدأت القصة، كما تُروى في مجالس القرية، بخلافٍ بسيط على حصةٍ من مياه الري، تطور إلى مشادة، ثم إلى ضربة سكين لم يُقصد بها القتل لكنها أودت بحياة شاب من عائلة الحاج مبارك - جد الصبي راشد من جهة أمه. ومنذ تلك اللحظة، أصبح الدم دَينًا لا يُغسل إلا بدم، وأصبح العُرف القبلي القاسي يقضي بأن العائلة التي فقدت أحد رجالها لها الحق في أن تأخذ بثأرها من أقرب الذكور في العائلة المقابلة، حتى لو مرّت السنون، وحتى لو كان ذلك الذكر طفلاً لم يذنب بشيء.وكان راشد، شقيق ظبية، حينها صبيًا لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، لكنه كان الذكر الوحيد المتبقي في عائلته الصغيرة بعد أن توفي والده منذ سنوات بمرضٍ عضال، فوقع عليه - بحكم هذا العُرف القاسي - أن ي

  • ظبية الآغا    الفصل الأول: القرية التي تنام على كتف النهر

    كانت القرية تستيقظ كل صباح على صوت واحد لا يتغيّر: صياح الديكة يتناثر بين البيوت الطينية كأنه نداءٌ قديم يوقظ الأرض قبل أن يوقظ الناس. تمتد القرية على ضفة نهرٍ صغير يشقّ الأرض كخيطٍ فضي بين حقول القمح والنخيل، وتتوزع بيوتها الطينية كحبات مسبحة قديمة، كل بيت بحكايته، وكل زقاق بذاكرته. وكانت دار الآغا فارس بن سالم، بجدرانها العالية وبابها الخشبي المزخرف بمسامير النحاس، تقف في قلب القرية كقلبٍ يضخ الحياة إلى كل ما حولها، فمنها يخرج القول الفصل في خصومات الفلاحين، وإليها يُرفع الشكوى، وعندها يُطلب الرضا حين يعجز الناس عن أن يتراضوا فيما بينهم.لم تكن هذه الدار مجرد بيت، بل كانت أشبه بمملكة صغيرة قائمة بذاتها: فيها المضافة الكبرى حيث يجلس الآغا لسماع الناس، وفيها الحُجَر الخاصة بالعائلة، وفيها جناح الخدم المطل على فناء داخلي تُغسل فيه الثياب وتُجفف تحت الشمس، وفيها بستان واسع يمتد خلف الدار، غرسه جد فارس منذ عقود، فصار اليوم غابة صغيرة من النخيل والرمان، تُظلّل الأرض وتُعطّر الهواء في مواسم الإثمار.كان فارس رجلاً في السادسة والثلاثين من عمره، طويل القامة، أسمر اللون، له عينان لا تفصحان بس

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status