بيت / الرومانسية / ظبية الآغا / الفصل الخامس: أول ليلة في القصر الغريب

مشاركة

الفصل الخامس: أول ليلة في القصر الغريب

مؤلف: Yallow
last update تاريخ النشر: 2026-08-08 12:42:41

قادت إحدى الخادمات العجائز، واسمها أم سالم، ظبية إلى الجناح المخصص للخدم، وهو مبنى صغير ملحق بالدار الكبيرة، فيه غرف متواضعة نظيفة تفتح على فناءٍ داخلي صغير تجتمع فيه الخادمات في المساء لتبادل الأحاديث بعد يومٍ طويل من العمل. كانت أم سالم امرأة في الخمسين من عمرها، عريضة الجسم، بوجهٍ طيب تكسوه تجاعيد اللطف لا القسوة، وكانت قد قضت أكثر من عشرين عامًا في خدمة عائلة الآغا، فصارت أشبه بأمٍّ لكل خادمة جديدة تدخل هذا البيت.

قالت أم سالم بلهجة أمومية وهي تُريها الغرفة الصغيرة التي ستقيم فيها: "هذه غرفتك يا بنية، بسيطة لكنها دافئة، وستجدين فيها كل ما تحتاجينه. لا تخافي، فالآغا فارس رجل عادل، لم نرَ منه ظلمًا لخادمٍ يومًا، وستكونين هنا بخير إن شاء الله، شرط أن تُتقني عملك وتحفظي حدودك." ثم أضافت وهي تُشير إلى فراشٍ بسيط في الزاوية، وبطانية صوفية مطوية بعناية: "هذا فراشك، وهذه خزانة صغيرة لثيابك، وإن احتجتِ شيئًا، فبابي مفتوح لكِ دائمًا، فأنا هنا منذ زمنٍ طويل، ورأيت خادمات كثيرات يدخلن هذا البيت، وأعرف كيف يكون الأمر صعبًا في الأيام الأولى."

جلست ظبية على الفراش البسيط، وأحاطت الجدران الطينية الباردة بجسدها النحيل، وشعرت بغربةٍ ثقيلة تُطبق على صدرها. كل شيء هنا مختلف عن بيتها الصغير: الروائح، الأصوات، حتى طريقة الضوء الذي يتسلل من نافذة صغيرة عالية. كانت تسمع من بعيد أصوات الخادمات الأخريات وهنّ يتضاحكن في الفناء المجاور، أصواتًا مألوفة الطابع لكنها غريبة المصدر، وشعرت لوهلة أنها تريد أن تنضم إليهن لتشعر ببعض الألفة، لكن خجلها وحداثة عهدها بهذا المكان منعاها من الخروج، فبقيت في غرفتها وحيدة، تستمع إلى الأصوات من بعيد كمن يستمع إلى حياة لا يملك مفتاح الدخول إليها بعد. تذكّرت وجه جدتها وهي تودّعها، وصوت أخيها راشد وهو يسألها في الأيام الأخيرة: "هل ستعودين لزيارتنا يا ظبية؟" فلم تجد حينها جوابًا سوى احتضانه بقوة وكتمان دموعها. بكت تلك الليلة بصمت طويل، وجهها مدفون في الوسادة الخشنة، حتى غلبها التعب فنامت نومًا مضطربًا، تتخلله أحلام عن بيتها القديم وصوت جدتها وهي تقرأ القرآن قبل النوم.

في صباح اليوم التالي، استيقظت ظبية قبل الفجر بقليل، كعادتها منذ الصغر، وتوضأت بماءٍ بارد من الجرة الموضوعة عند باب الجناح، وصلّت الفجر وحيدة في زاوية الغرفة، تدعو الله أن يُثبّت قلبها في هذا المكان الغريب، ثم ارتدت ثوبها البسيط، وتوجهت نحو المطبخ الكبير حيث كانت الخادمات الأخريات يُعددن الفطور وسط ضجيج خفيف من أواني النحاس وروائح الخبز الطازج والقهوة المُحمّصة.

شرحت لها أم سالم مهامها بإيجاز، وهي تُقلّب الخبز على الصاج: "أنتِ، بأمر الآغا نفسه، ستكونين خادمته الخاصة. عملك أن تُعدّي له قهوته الصباحية، وتُوقظيه في الوقت الذي يُحدده، وتهتمي بغرفته وملابسه، وتُعدّي له وجباته الخاصة حين يطلب ذلك. هذا شرفٌ لا يُمنح لكل خادمة، فاحرصي أن تكوني عند حسن الظن، فمن يخدم الآغا مباشرة يُنظر إليها بعين مختلفة في هذا البيت، حسدًا أحيانًا وتقديرًا أحيانًا أخرى، فاحذري من الاثنين معًا."

أنصتت ظبية بانتباه شديد وهي تُدرك أن نجاحها في هذه المهمة الجديدة قد يعني الفرق بين حياة كريمة في هذا البيت وحياة مليئة بالتوتر والمراقبة الدائمة، فقررت في سرّها أن تبذل كل ما تستطيع لتُثبت جدارتها، لا خوفًا من العقاب، بل وفاءً لثقة جدتها التي وضعتها في هذا الموقع الحساس.

شعرت ظبية بثقل هذه المسؤولية الجديدة، لكنها لم تُظهر تردّدًا، بل أومأت برأسها بجديّة، وبدأت فورًا في تعلّم كل تفصيل يتعلق بمهمتها الجديدة: كيف يُحب الآغا قهوته - مُرّة بلا سكر، مع حبة هيل واحدة تُضاف في اللحظة الأخيرة قبل التقديم مباشرة حتى لا تفقد نكهتها - وفي أي وقت يستيقظ عادة، وهو قبيل أذان الفجر بقليل، وكيف يُفضّل أن تُرتّب غرفته: كتبه على يمين فراشه، وعباءته معلّقة بعناية، ونافذته مفتوحة قليلاً في الليالي الدافئة ليدخل الهواء العليل.

في ذلك الصباح الأول، وقفت ظبية عند باب غرفة الآغا، تحمل صينية القهوة بيدين مرتجفتين قليلاً، وقلبها يخفق بسرعة غريبة لم تألفها من قبل، وطرقت الباب برفق كما عُلّمت. سمعت صوته من الداخل يأذن لها بالدخول، فدخلت بخطىً هادئة، ووضعت الصينية على الطاولة الصغيرة قرب الفراش دون أن ترفع عينيها، ثم انسحبت بصمتٍ نحو الباب، محاولة أن تكون كأنها غير موجودة، كما تعلّمت أن على الخادمة أن تكون.

لكن صوت فارس أوقفها قبل أن تخرج: "ظبية." توقفت فجأة، وأدارت رأسها قليلاً دون أن تُواجهه مباشرة، وقالت: "نعم يا سيدي؟" فقال لها، وهو يجلس على حافة فراشه ينظر إليها بتمعّن، وقد كان لا يزال يرتدي ثوب نومه البسيط وشعره منكوشًا قليلًا من النوم: "أعرف أن هذا كله جديد وثقيل عليكِ. لا تخافي من أحد في هذا البيت، وإن واجهتِ أي إساءة من أي كان، فلتأتِ إليّ مباشرة، فأنا مسؤول عنكِ الآن، كما وعدت جدتكِ." توقف قليلاً، ثم أضاف بصوتٍ أكثر دفئًا: "وإن احتجتِ أن تزوري جدتكِ وأخاكِ، فقط أخبريني، ولن أمنعكِ من ذلك أبدًا، فأنا أعرف قيمة الأهل."

شعرت ظبية بدفءٍ غريب يتسلل إلى صدرها المُثقل بالغربة عند سماع هذه الكلمات، ورفعت عينيها للحظة قصيرة لتنظر إليه، وقالت بصوتٍ خافت لكنه صادق: "شكرًا لك يا سيدي، لن أنسى معروفك أبدًا." ثم انحنت برأسها واحترامٍ، وخرجت من الغرفة بخطىً أسرع مما دخلت بها، وكأنها تهرب من شيءٍ لم تفهمه بعد، شيءٍ بدأ يتشكّل في صدرها دون استئذان، شعورٌ غريب مزيجٌ من الأمان والارتباك لم تعرف بعد كيف تُسمّيه.

مرّت الأيام الأولى ثقيلة على ظبية، تتعلم فيها كل تفاصيل حياة جديدة لم تألفها: كيف تتحرك بهدوء في الأروقة الواسعة دون أن تُصدر صوتًا، وكيف تُميّز بين أنواع القماش الفاخر التي تحتاج عناية خاصة عند الغسل، وكيف تتعامل مع باقي الخدم الذين نظر إليها بعضهم بفضولٍ وبعضهم الآخر بحذر، خشية أن تُصبح منافسة لهم في نيل رضا سادة البيت. لكنها كانت تُنجز عملها بإتقانٍ لفت انتباه الجميع في البيت، فلم تشتكِ يومًا، ولم تتأخر عن مهمة، وكانت دائمًا أول من يستيقظ وآخر من ينام.

حتى نجلاء نفسها - التي لم تكن تُبالي عادة بشؤون الخدم - لاحظت هذه الخادمة الجديدة الهادئة، ونظرت إليها في أول لقاء بينهما نظرة تقييمٍ باردة تفحّصت ثوبها البسيط وقدميها الحافيتين، ثم قالت لإحدى خادماتها بصوتٍ يحمل استعلاءً خفيفًا وهي تُشيح بنظرها بعيدًا: "احرصي أن تُعلّميها كيف تخدمني أيضًا حين أحتاجها، فأنا لا أرضى إلا بمن يُتقن الخدمة على أكمل وجه. لا أريد فتاة قروية خرقاء تُفسد ثيابي أو تُهمل تفاصيل مجلسي." لم تكن نجلاء تحمل عداءً حقيقيًا لظبية بعد، بل كانت مجرد لا مبالاة السيدة التي اعتادت أن يخدمها الجميع دون أن تسأل عن أحوالهم، لكن تلك النظرة الباردة الأولى حملت في طياتها بذرة توترٍ سيكبر مع الأيام.

شعرت إحدى الخادمات الأكبر سنًّا بحرج الموقف، فحاولت أن تُلطّف الأجواء بقولها لنجلاء: "ظبية فتاة مجتهدة يا سيدتي، ستكون عونًا لكِ أيضًا حين تحتاجين." فلم تُجب نجلاء بشيء، بل اكتفت بإيماءة رأسٍ باردة قبل أن تنصرف إلى غرفتها، تاركة خلفها جوًّا من التوتر الخفي شعرت به ظبية دون أن تفهم أبعاده الكاملة بعد.

لم تكن ظبية تعرف بعد أن هذه النظرة الباردة الأولى ستكون بداية علاقة معقدة بينها وبين سيدة البيت، علاقة ستتأرجح بين الحذر والتوتر مع مرور الأيام. لكنها في تلك الليلة، وهي تستلقي على فراشها البسيط في غرفتها الصغيرة، لم تُفكر إلا في وجه فارس وهو يقول لها "لن أدعك تُهانين"، وشعرت أن هذا البيت الغريب، رغم كل ثقله وغربته، قد يحمل لها - وربما للمرة الأولى منذ رحيل والديها - نوعًا من الأمان لم تعرفه منذ زمن طويل. في اليوم الثالث من وجودها في القصر، حدثت حادثة صغيرة كشفت لظبية طبيعة الحياة التي تنتظرها في هذا البيت. كانت تحمل كومة من الثياب النظيفة عائدة من ساحة الغسيل، حين تعثرت قدمها في حجر بارز من الأرض، فسقطت الثياب من يديها وتناثرت على التراب. هرعت لتجمعها بسرعة، خائفة من أن يراها أحد، لكن إحدى الخادمات الأخريات، فتاة تُدعى سعاد كانت تعمل في البيت منذ سنتين، مرّت من هناك وضحكت بصوتٍ ساخر، وقالت: "احذري يا خادمة الآغا الخاصة، فمكانتك الجديدة لا تُعفيكِ من التعثر مثل بقية البشر." شعرت ظبية بوخزة إحراج، لكنها لم تردّ، بل جمعت الثياب بصمت وأعادت غسل ما تسخ منها دون أن تشتكي لأحد.

لاحظت أم سالم هذا التوتر الخفي بين ظبية وبعض الخادمات الأخريات، فجلست معها ذات مساء في الفناء الداخلي، بعد أن هدأت حركة البيت، وقالت لها بصوتٍ حكيم وهي تُقشّر بعض حبات اللوز: "لا تلتفتي كثيرًا لكلام النساء يا بنيتي، فالحسد طبيعة بشرية، وأنتِ اليوم في موقعٍ يُثير حسد من لم تُتَح لها الفرصة نفسها. اعملي بصمت، وأتقني عملك، ودعي الأيام تُثبت للجميع معدنكِ." أخذت ظبية هذه النصيحة بجدية، وقررت أن تتعامل مع كل من حولها بلطفٍ ثابت لا يتزعزع، مهما واجهت من غيرةٍ أو استعلاء.

في الأسبوع الأول أيضًا، رأت ظبية نور للمرة الأولى عن قرب، حين كانت الطفلة تلعب في الفناء الخارجي بالقرب من غرفة أبيها، ووقعت كرتها الصغيرة المصنوعة من القماش المحشو قرب قدمي ظبية، فالتقطتها وأعادتها للطفلة بابتسامة رقيقة. نظرت نور إليها بفضول طفولي، وسألتها بصوتها البريء: "من أنتِ؟ لم أركِ من قبل." فأجابتها ظبية بلطف: "أنا ظبية، سأعمل في خدمة والدكِ." فابتسمت نور ابتسامة عريضة وقالت: "اسمك جميل، مثل الغزلان التي رأيتها في كتاب أبي!" ثم ركضت بعيدًا لتُلاحق قطة صغيرة، تاركة في نفس ظبية دفئًا غريبًا، فقد كانت هذه أول مرة منذ وصولها يبتسم لها أحد في هذا البيت الكبير دون حذرٍ أو تحفظ. وقفت ظبية تراقب الطفلة وهي تلهو في الفناء، وشعرت بحنينٍ مفاجئ نحو أخيها راشد، وتمنّت في سرّها أن تُتاح لها الفرصة يومًا لتقترب أكثر من هذه الطفلة البريئة التي ذكّرتها، رغم اختلاف الحال، بصفاء الطفولة الذي افتقدته هي مبكرًا حين أجبرتها الظروف على أن تكبر قبل أوانها.

نامت تلك الليلة وهي تستمع إلى صوت الريح يداعب سعف النخيل خارج نافذتها الصغيرة، وفي أعماقها، دون أن تُدرك بعد حجم ما ينتظرها، بدأت خيوط قدرٍ جديد تُنسج بصمت، خيوطٌ ستُغيّر - مع مرور الفصول القادمة - كل ما تظنّه ثابتًا في هذا البيت الكبير.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • ظبية الآغا    الفصل الخامس: أول ليلة في القصر الغريب

    قادت إحدى الخادمات العجائز، واسمها أم سالم، ظبية إلى الجناح المخصص للخدم، وهو مبنى صغير ملحق بالدار الكبيرة، فيه غرف متواضعة نظيفة تفتح على فناءٍ داخلي صغير تجتمع فيه الخادمات في المساء لتبادل الأحاديث بعد يومٍ طويل من العمل. كانت أم سالم امرأة في الخمسين من عمرها، عريضة الجسم، بوجهٍ طيب تكسوه تجاعيد اللطف لا القسوة، وكانت قد قضت أكثر من عشرين عامًا في خدمة عائلة الآغا، فصارت أشبه بأمٍّ لكل خادمة جديدة تدخل هذا البيت.قالت أم سالم بلهجة أمومية وهي تُريها الغرفة الصغيرة التي ستقيم فيها: "هذه غرفتك يا بنية، بسيطة لكنها دافئة، وستجدين فيها كل ما تحتاجينه. لا تخافي، فالآغا فارس رجل عادل، لم نرَ منه ظلمًا لخادمٍ يومًا، وستكونين هنا بخير إن شاء الله، شرط أن تُتقني عملك وتحفظي حدودك." ثم أضافت وهي تُشير إلى فراشٍ بسيط في الزاوية، وبطانية صوفية مطوية بعناية: "هذا فراشك، وهذه خزانة صغيرة لثيابك، وإن احتجتِ شيئًا، فبابي مفتوح لكِ دائمًا، فأنا هنا منذ زمنٍ طويل، ورأيت خادمات كثيرات يدخلن هذا البيت، وأعرف كيف يكون الأمر صعبًا في الأيام الأولى."جلست ظبية على الفراش البسيط، وأحاطت الجدران الطينية

  • ظبية الآغا    الفصل الرابع: "أعطيتك حفيدتي ظبية"

    وصلت الحاجة سعدى وظبية إلى دار الآغا فارس مع خيوط الشمس الأخيرة، حين كانت السماء تتلوّن بدرجاتٍ من البرتقالي والأحمر الخفيف، كأن الأفق نفسه يستعد لمشهدٍ لن يُنسى. كانت ظبية تنظر إلى جدران الدار العالية بعينين مندهشتين، فلم تكن قد رأت بناءً بهذا الحجم من قبل، وشعرت لوهلة أن قدميها النحيلتين المتعبتين من طول المسير تكادان تخونانها من هول ما ترى. رأت النوافذ الخشبية المزخرفة، والأبواب الكبيرة المطعّمة بالنحاس، والحراس الواقفين عند المدخل بهيئتهم المهيبة، وشعرت أن المسافة بين عالمها الصغير الفقير وهذا العالم الفسيح الغني أكبر بكثير مما تخيلت، وأن الخطوات القليلة التي تفصلها عن الباب الكبير تحمل ثقل عالمٍ كامل يتغيّر.سمعت من بعيد صوت أذان المغرب يتردد في أرجاء القرية، فتوقفت الحاجة سعدى لحظة عند سماعه، ورفعت يديها بدعاء صامت قبل أن تُكمل السير، وتبعتها ظبية بالفعل ذاته، تدعو الله في سرها أن يُعينها على ما هي مقبلة عليه، وأن يجعل هذا البيت الجديد بابًا للخير لا للشقاء.استقبلهما سلطان عند الباب الكبير، وقد أُخبر مسبقًا بقدومهما، فأدخلهما بأدبٍ جمّ إلى المجلس الذي أُعدّ خصيصًا لاستقبال الحا

  • ظبية الآغا    الفصل الثالث: قرار العجوز

    لم يكن قرار الحاجة سعدى وليد لحظة، بل كان ثمرة تفكيرٍ طويل امتد أشهرًا، بل ربما سنوات، وهي تراقب حفيدتها ظبية تكبر أمام عينيها في بيتٍ طيني صغير لا يملك من الدنيا شيئًا سوى الكرامة والذكريات المتراكمة كطبقات الغبار على رفوفٍ قديمة.بعد تلك الليلة التي أنقذ فيها فارس حفيدها راشد، ساءت أحوال العائلة أكثر فأكثر. فقد كان معيلهم الوحيد - عم ظبية الذي كان يعمل في الحقول ويُعين الحاجة سعدى على تدبير أمور المعيشة - قد توفي بحادثٍ مفاجئ بعد عامٍ من تلك الليلة، حين سقط من فوق سطح كان يُصلحه، فلم يبقَ في البيت سوى الحاجة سعدى العجوز التي أنهكها المرض والعمر، وظبية التي أصبحت عماد البيت رغم صغر سنها، وراشد الذي كان لا يزال طفلاً يحتاج من يرعاه لا من يعوله.كانت ظبية تعمل في كل ما تجده من أعمال: تغزل الصوف لبيوت الأثرياء حتى تتورم أصابعها، وتساعد في الحصاد أيام الموسم تحت شمسٍ حارقة، وتخبز لبيوت الجيران مقابل قليل من الدقيق أو بعض القروش النحاسية، وتغسل ثياب النساء اللواتي يستطعن دفع أجرها المتواضع. كانت تخرج مع الفجر وتعود مع الغسق، جسدها منهك لكن عزيمتها لا تلين، وكانت تُخفي عن جدتها قدر تعبها،

  • ظبية الآغا    الفصل الثاني: ليلة الدَّين

    لكي يُفهم ثقل ما كان يحدث في تلك الأمسية، لا بد من العودة بالزمن ثلاث سنوات إلى الوراء، إلى تلك الليلة التي زرعت بذرة كل ما سيأتي، ليلة لم تكن تشبه أي ليلة أخرى في تاريخ القرية وتاريخ فارس نفسه.كانت القرية آنذاك تعيش على وقع ثأرٍ قديم بين عائلتين كبيرتين، ثأرٍ توارثته الأجيال حتى نسي أكثر الناس سببه الأول، ولم يبقَ منه إلا الحقد المتراكم كالغبار على جدارٍ مهجور. بدأت القصة، كما تُروى في مجالس القرية، بخلافٍ بسيط على حصةٍ من مياه الري، تطور إلى مشادة، ثم إلى ضربة سكين لم يُقصد بها القتل لكنها أودت بحياة شاب من عائلة الحاج مبارك - جد الصبي راشد من جهة أمه. ومنذ تلك اللحظة، أصبح الدم دَينًا لا يُغسل إلا بدم، وأصبح العُرف القبلي القاسي يقضي بأن العائلة التي فقدت أحد رجالها لها الحق في أن تأخذ بثأرها من أقرب الذكور في العائلة المقابلة، حتى لو مرّت السنون، وحتى لو كان ذلك الذكر طفلاً لم يذنب بشيء.وكان راشد، شقيق ظبية، حينها صبيًا لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، لكنه كان الذكر الوحيد المتبقي في عائلته الصغيرة بعد أن توفي والده منذ سنوات بمرضٍ عضال، فوقع عليه - بحكم هذا العُرف القاسي - أن ي

  • ظبية الآغا    الفصل الأول: القرية التي تنام على كتف النهر

    كانت القرية تستيقظ كل صباح على صوت واحد لا يتغيّر: صياح الديكة يتناثر بين البيوت الطينية كأنه نداءٌ قديم يوقظ الأرض قبل أن يوقظ الناس. تمتد القرية على ضفة نهرٍ صغير يشقّ الأرض كخيطٍ فضي بين حقول القمح والنخيل، وتتوزع بيوتها الطينية كحبات مسبحة قديمة، كل بيت بحكايته، وكل زقاق بذاكرته. وكانت دار الآغا فارس بن سالم، بجدرانها العالية وبابها الخشبي المزخرف بمسامير النحاس، تقف في قلب القرية كقلبٍ يضخ الحياة إلى كل ما حولها، فمنها يخرج القول الفصل في خصومات الفلاحين، وإليها يُرفع الشكوى، وعندها يُطلب الرضا حين يعجز الناس عن أن يتراضوا فيما بينهم.لم تكن هذه الدار مجرد بيت، بل كانت أشبه بمملكة صغيرة قائمة بذاتها: فيها المضافة الكبرى حيث يجلس الآغا لسماع الناس، وفيها الحُجَر الخاصة بالعائلة، وفيها جناح الخدم المطل على فناء داخلي تُغسل فيه الثياب وتُجفف تحت الشمس، وفيها بستان واسع يمتد خلف الدار، غرسه جد فارس منذ عقود، فصار اليوم غابة صغيرة من النخيل والرمان، تُظلّل الأرض وتُعطّر الهواء في مواسم الإثمار.كان فارس رجلاً في السادسة والثلاثين من عمره، طويل القامة، أسمر اللون، له عينان لا تفصحان بس

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status