Home / الرومانسية / ظل بارد / البارت السادس والأربعون

Share

البارت السادس والأربعون

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-06-07 12:30:29

جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل

- يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟

رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل

- لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة.

مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه

- آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟

سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغرست نظرتها الكحيلة في الفراغ كأنها ترى مشهدًا دمويًا لا يراه سواها في الغرفة. كانت تزن الكلمات بميزان غلها الداخلي قبل أن تنطق، ثم قالت ببرودٍ مخيف يبعث القشعريرة في الأوصال

- لازم أستفز سمر… بأي طريقة وبأسرع وقت. أخلّيها تغلي، وتنسى علقة أخوها وتهديده ليها، وتطلع تاني ليا فوق برجلها وهي عميا. بس المرادي… الضربة مش هتبقى بمكياج ومية بصل… المرة دي الضربة هتبقى ضربة بجد، وهخلّيها تدفع ثمن النَفَس اللي كتموه في صدر ندى

ساد صمت ثقيل، لزج وخانق، قطعه صوت سلمى وهي تزفر بنفاد صبر وملل، كأنها تحاول اللحاق بخيوط اللعبة المتشابكة في عقل ليلى دون جدوى

- أنا برضه مش فاهمة دماغك واصلة لإيه أصلًا؟ إيه وجهة نظرك في إنك تنقلي جوزك من شقة ملك واسعة لإيجار يقطم الظهر كل أول شهر؟ ده عقاب ليه هو مش لأهله

التفتت ليلى إليها بنصف ابتسامة ماكرة، تلك الابتسامة اللئيمة التي لا تكشف أبدًا عن الأوراق المستورة، وقالت بنبرة واثقة، متهكمة، تعرف طريقها للعقل والمنطق قبل القلب

- إيجار؟ إيجار مين يا سلمى؟ هو أنا هبلة عشان أرمي فلوس جوزي في الأرض؟ أنا عارفة ومتأكدة إنه مش هيأجر… أنا عارفة إنه هيشتري، وهيشتري غالي كمان

ثم أكملت، وقد لمعت عيناها ببريق انتصارٍ مكتوم وعقرب ساعتها يدق

- قبل ما أعمل كل اللي عملته ده، وقبل مة سمر تطلع أصلاً، كنت واقفة ورا باب المطبخ وسمعته بودني وهو بيتفق مع واحد سمسار على حتة أرض لقطة في البلد… سعرها حلو أوي وعاوز يبيعها عشان يعمل بفلوسها مشروعه اللي بيحلم بيه. يبيع بقى، ويشتري هناك الشقة اللي على مزاجي… يشتروا بفلوس ورثهم راحته وراحتنا بقى، وأبقى قطعت عرق وسيح دم

اتسعت عينا سلمى إعجابًا وذهولاً، وكأنها تقف أمام لاعبة شطرنج محترفة تسبق خصمها بعدة نقلات وتوقعه في كش مات قبل أن يبدأ بالهجوم.

وفي اللحظة نفسها، نهضت ليلى من مقعدها بخفة ونشاط، وكأن القرار صار فعلًا نافذًا لا ينتظر المراجعة. سحبت حقيبتها الجلدية بنفضة قوية، ووقفت تعدل من خصلات شعرها الغجري وتتفحص شفتيها أمام المرآة القريبة، ثم قالت وهي تتحرك بثقة طاغية، تملأ المكان بأنوثتها الطاغية

- إنتِ لسه هتتعجبي وتقعدي تضربي كف بكف؟ أنا ماشية أشتري حاجة حلوة، قميص نوم أحمر ونوع برفان يجنن عشان الليلة.

توقفت عند عتبة الباب، والتفتت نحو سلمى نصف التفاتة، ونبرتها صارت أخفض، أكثر خبثًا وفحيحًا كالأفاعي

- لازم أظبط الدنيا الليلة دي على الآخر… وأخلّي ناره قايدة ومشعلله، عشان يفضل زى الخاتم فى صباعى الصغير، ويلف الشوارع تائه يدور على شقة تلمنا قبل ما يطلع عليه النهار.

وأغلقت الباب خلفها بعناية، تاركة سلمى في مكانها واجمة، تدرك متأخرة جدًا أن ما تراه أمامها ليس مجرد غضب امرأة مجروحة أو ثأر تقليدي، بل خطة شيطانية تُنسج بخيوط من ذهب، وبدمٍ بارد لا يعرف الرحمة.

✨✨✨✨✨✨✨

عاد أيمن من عمله المجهد منهكًا بالكامل، جسده مثقل كأن النهار بطوله قد جلس فوق كتفيه المتعبتين ولم ينهض عنهما بعد. ما إن وطأت قدماه عتبة مدخل العمارة الكالحة، حتى لمح والدته فاطمة واقفة برباطة جأشها المعهودة عند أول الدرج؛ كانت ذراعاها معقودتين فوق صدرها بتحدٍ، وملامح وجهها المتغضن مشدودة بنفور قديم، متأصل لا يهدأ ولا يستكين.

رفعت العجوز ذقنها قليلًا بكبرياء متعالٍ، وصوّبت نحوه نظرة حانقة، ثم أطلقت كلماتها اللاذعة كسهام مسمومة، كأنها اعتادت أن تُسمَع وتفرض هيبتها بغير رادع

- إنت جيت يا جوز الهانم؟… لحقت توحشك السنيورة؟ هي اللي ممشياك على عماك ومطوعاك يا ولا؟ مش بعيد تكون سحرالك ولا عاملاك عمل عشان تلف حولين نفسك وتخيب خيبتك دي

توقف أيمن لثوانٍ واجمة، لا ليرد الشتيمة أو يدافع عن نفسه، بل كمن تلقى صفعة مباغتة على وجهه ولم يجد في عروقه طاقة ليرفع يده ويدرأها عن نفسه. الكلمات الجارحة لم تعد تؤلم قلبه وحدها، بل باتت تستنزف ما تبقى من روحه وتُنهكه. تجاوز والدته بصمت مرير خافضاً بصره، وصعد درجات السلم بخطى وئيدة، وكل درجة كان يطأها كانت تزيد ثقلاً على صدره الضيق، وكأن الهواء في ممرات هذه البناية صار أضيق من خرم إبرة.

فتح باب شقته بالمفتاح، وقبل أن يُغلقه وراء ظهره بالكامل، اخترقت أذنه شهقات خافتة، متقطعة، ومحملة بآهات مكتومة، كان مصدرها عمق المطبخ. شهقات لم تكن تصرخ بعلو الصوت، بل تُستدر بذكاء، كأن صاحبتها تتقن حياكة الوجع وتريدها أن تُسمَع بوضوح دون أن تُعلن عن وجودها بشكل فج. اندفع أيمن نحو الصوت الضعيف، وقلبه يخفق بقلق مسعور ينهش ضلوعه.

وجد ليلى واقفة أمام الموقد المشتعل، معطية إياه ظهرها، بينما كان كتفاها الغضان يرتجفان بخفة محسوبة، متقنة لتهز مشاعره. كانت تقلب الطعام في الإناء بيد، وباليد الأخرى تمسح عبراتها الساخنة، لكنها كانت تتعمد التأخر في المسح؛ تترك للدمعة فرصة كاملة لتسيل وتصنع مجراها على وجنتها الشاحبة لكي يراها. اقترب منها سريعًا وهو يشعر بالدم يغلي في عروقه

- مالك يا ليلى؟ في إيه يا حبيبتي؟

التفتت إليه فجأة بفزع مصطنع، كأنها فوجئت بوجوده بغتة في المكان، ومسحت عينيها على عجل بطرف كمها، لكن احمرار حدقتيها ظل ثابتاً، مبالغاً فيه بفعل أثر مية البصل والمكياج الخفي الذي وضعته سلمى لها بعناية.

- إيه ده… أيمن؟ إنت جيت إمتى يا عمري؟

تنهد بعمق وهو يشعر بقلة الحيلة، وألقى بحقيبة عمله جانباً فوق المقعد، وقال بنبرة يملؤها الإرهاق القاتل

- لسه داخل حالا... بتعيطي وتشهقي ليه كدة بس؟ إيه اللي حصل في غيابي؟

رفعت رأسها نحوه ببطء شديد، وصوّبت إليه نظرة مكسورة، منكسرة أتقنت رسمها أمام المرآة؛ لم تنظر مباشرة في حدقتي عيناه لئلا تفتضح تفاصيل لعبتها، بل ركزت بصرها أسفل ذقنه قليلًا، حيث لا تُفتَضح الأكاذيب والمكياج، وقالت بنشيج يقطع نياط القلب

- صعبان عليّ نفسي أوي يا أيمن… صعبان عليّ كرامتي اللي بتتبعتر كل يوم من أمك. كل يوم والتاني تهزقني وتسمعني كلام يهد جبال، وكل يوم الجيران واقفة في البلكونات والشوارع تتفرج عليّا وأنا داخلة وطالعة، وأمك واقفة على السلم بتسمّ في بدني وتعايرني، كأني جاية من الشارع مليش اهل

اقترب منها خطوة أخرى ليمسك بكتفيها، فواصلت ليلى حديثها بنبرة هادئة، موجعة، كأنها نصل بارد يعرف جيداً أين يضرب وكيف يمزق الأوتار الحساسة داخل رجولته

- والله يا أيمن ما أنا رافضة خدمتها و رضاها، لو كانت لوحدها وتعبانة كنت شيلتها فوق راسي، بس لو فعلًا مش قادرة وحيلي مهدود… مش ذنبي أنزل أضيع صحتي وعافيتي وأخدمها هي وأختك سمر وولاد أختك اللي مبيبطلوش طلبات، وإنت ترجع من شغلك طول النهار تعبان وشقيان ومش لاقي لقمة نظيفة ولا مرآة رايقة تعوضك عن شقاك ومرمطة يومك.

كانت الكلمات تنساب كالسائل المالح والثقيل مباشرة إلى صدره، تحرق كبريائه. انحنى رأس أيمن دون وعي منه، وهبط كتفاه بقلة حيلة، كمن أعلن استسلامه الكامل ورفع الراية البيضاء قبل أن تبدأ المعركة مع عائلته.

تنفست ليلى بعمق، وتركت صوتها ينكسر في شهقة أخيرة وعيونها تفيض

- بعد كل صبري ده… تقوم تبهدلني وتشتمني على السلم قدام الغريب والقريب؟

ثم فجأة، وبعبقرية أنثوية نادرة، شدّت ليلى ظهرها، ونفضت خصلات شعرها للخلف، وغيرت نبرة صوتها المتباكية إلى حسم بارد، جاف كالموت

* بص يا ابن الناس… إحنا نطلق وكل واحد يروح لحاله. أنا آخد ابن أختى يزن وأربيه بمعرفتي وبعيد عن النكد ده. أنا مستحيل في دنيتي أتجوز راجل غيرك لأن قلبي ملكك، وإنت بقى شوف مصلحتك واتجوز اللي تعجب أمك وتخدم أختك وترضيهم.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل بارد    البارت الثامن والأربعون

    كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج

  • ظل بارد    البارت السابع والأربعون

    لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.

  • ظل بارد    البارت السادس والأربعون

    جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل - يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟ رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل - لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة. مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه - آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟ سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغر

  • ظل بارد    البارت الخامس والأربعون

    في صباح اليوم التالي، عاد أيمن ليعيد ليلى إلى المنزل، لكن الطريق الذي مشى فيه لم يكن ممهدًا أو مفرشًا بالطيب كما ظن في عودته. كانت ليلى وسلمى قد سبقتاه بخطوة ذكية؛ شحنتا والدة سلمى بكلمات مسمومة صُبّت في أذنيها بعناية، وحكايات مُفتعلة طُرّزت بخيوط المظلومية والتهويل الشديد، حتى تحولت تلك المرأة العجوز الهادئة بطبعها إلى سورٍ من نار وحصنٍ منيع يقف في وجهه عند العتبة. استقبلته فاطمة بنبرة قاسية، جافة، تنهره بلومٍ لاذع، وتصف ما تعيشه ليلى في كنفه بالجحيم الحقيقي، وكأن البيت الذي خرجت منه ليلى غارقة بدمائها المزعومة لم يكن مأوى بل سجنًا موحشاً، وكأن إعادتها إليه اليوم حكمٌ جائر لا شفقة فيه ولا أمان. وسط تلك العاصفة، جلست ليلى صامتة تمامًا، تؤدي دورها المرسوم بإتقانٍ بارع يحسدها عليه كبار المحترفين؛ خفضت عينيها نحو الأرض بانكسار، وتركت دموعها تنساب ببطء وبلا صوت على وجنتيها الشاحبتين، لا تملك في جعبتها دفاعًا ولا هجومًا، فقط كان انكساراً محسوبًا بالمسطرة، يعرف جيدًا كيف يضرب ويخترق أعمق نقطة ضعف وعار داخل رجولة أيمن. كان مشهدها المتهالك كافيًا ليُشعر أيمن بأنه المتهم الأوحد والجاني الحق

  • ظل بارد    البارت الرابع والأربعون

    دخلت سلمى بخطوات واثقة، سريعة، وأغلقت الباب بإحكام بالترباس، ثم صفّقت فجأة بكفيها صفقة حادة، رنانة كسرت صمت الموت الزائف. في اللحظة نفسها، انتفضت ليلى ونهضت من فوق الفراش بنشاط وخفة كمن أُلقي عنه ثقلٌ وسحر زائف، وصفّقت هي الأخرى بكفيها بانتصار، ثم قفزت فوق السجادة بخفة ومرح طفولي، وانفلتت ضحكتها الرنانة القاتلة دون قيود أو حدود، وكأن الألم والنزيف والشحوب الذي كان يملأ أركان المكان منذ دقائق لم يكن سوى قناع درامي أُتقن صنعه وارتداؤه بميزان من ذهب. اقتربت منها سلمى، وتفرست في وجهها بإعجاب صريح، ورأسها يهتز ذهولاً وهي تبتسم ابتسامة مشوبة بالدهشة والوجل من مكرها - يخربيت عقلك يا ليلى..... دي الحكاية دخلتِ عليه بالملي، والراجل طالع من هنا مهدود ومتأثر، وعينيه مليانه عياط والذنب بيوجع فيه كانت نبرة سلمى توليفة من الإعجاب المطلق والتسليم الكامل بقدرة صديقتها على السيطرة وتسيير الرجال كالعرايس، بينما ليلى توقفت فجأة عن الضحك والمرح، وتجمدت ملامحها، واتجه بصرها الكحيل إلى الفراغ الصامت؛ حدقت أمامها بعينين قاسيتين، متقدتين بشرر الانتقام، وقالت بحدة باردة كالموت - هو لسه شاف حاجة؟ ده أنا

  • ظل بارد    البارت الثالث والأربعون

    وبعد وقتٍ قليل من الفرار الهستيري، كان أيمن يجلس في صالة البيت أمام والدة سلمى؛ منكّس الرأس بوهن، وعيناه الزائغتان معلّقتان بالأرض الخشبية كطفلٍ صغار ضُبط متلبسًا بذنبٍ وعار لا يعرف كيف يبررهما أو يداري سوأتهما. كان الخجل ينهش ملامحه المخطوفة، ويثقّل كتفيه العريضين كأنه يحمل صخرة الوجود، بينما كانت كلمات العجوز تنهمر فوق رأسه قاسية، لا تعرف الرحمة أو المواربة، كأنها تُفرغ في جوفه كل ما اختزنته روحها من غضب وخوف على بنات الناس. كانت المرأة تتحدث بعصبية واضحة جفّت معها شفاها، تلوّح بوجعٍ بيمينها وتضرب بيسارها على فخذها بحرقة، وصوتها الأجش يعلو ويهبط في ردهات المكان لكنه لا يلين قط - يا بني كده مينفعش ولا يرضي ربنا خالص... إزاي مراتك تكون ساكنة في بيتك وسط عيلتك، وأختك تطلع لها لحد شقتها تضربها بالشكل ده وتحلف بـِميت يمين إنها لازم تسقطها.... لولا بتي سلمى سمعت الصريخ ولحقتها من تحت إيد أختك كانت زمان البنية ماتت في ايدها..... حرام عليكوا، ذنبه العيل اللى راح ده، ده مش ابنهم ولحمهم كلمة ماتت سقطت على أذنه كطلقة رصاص طائشة استقرت في شغاف قلبه. فجأة، لم يعد يسمع بقية الحديث المتدفق؛ انس

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status