Home / الرومانسية / ظل بارد / البارت السابع والأربعون

Share

البارت السابع والأربعون

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-06-08 12:32:38

لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها

- بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى

في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه

- يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟

نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام

- ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت.

وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.

✨✨✨✨✨✨✨

مرّت الأيام متثاقلة كئيبة كأنها دهرٌ من النكد المصبوب، بلا جديد يُذكر سوى ضغط ليلى المستمر، الناعم والمبرح، على ترك الشقة لعدم إحساسها بالأمان والراحة، واختلاقها البارع للمشاكل الصغيرة والكبيرة بين أيمن ووالدته فاطمة. كانت ليلى تدير تلك الحرب الباردة كقائدٍ محترف، تحوّل التلميحات إلى قذائف، والكلمات العابرة إلى أزمات كرامة، حتى تحوّلت العلاقة بين الابن وأمه إلى توتر دائم ومشحون، جعل كل لحظة تُقضى في ردهات هذا البيت ثقيلة وخانقة، وكأن الجدران الإسمنتية نفسها باتت تضيق وتثقل على الصدر لتكتم الأنفاس.

وفي ذلك اليوم المشهود، كانت ليلى تقف خلف زجاج النافذة ترقب الشارع بعيني صقر، فلمحت فجأة "خالد" خطيب سمر يسير مطأطأ الرأس؛ فارتسمت على وجهها في الحال ابتسامة خبيثة، متقدة بالشر، كأنها رأت بغتة المنقذ المحتمل والمثالي لآخر فصول مخططاتها الجهنمية.

همست لنفسها بفحيح مكتوم، وعيناها تلمعان بخطط سوداء خفية

- إنت جيت؟ أهلاً بمنقذي اللي هيقيد النار اللي مش هتنطفي… والله يا سمر لأطلع عينك وعين أهلك، وأخرب عليكى يا حرباية... اصبرى بس عليا

بينما كان عقلها الداهية ينسج ويبحث عن حيلة متقنة للوصول إليه دون إثارة الشبهات، وُفرت عليها المسافة؛ إذ سمعت طرقة خفيفة، مترددة على باب شقتها. تحركت بخفة، وفتحت الباب بملامح هادئة، لتجد خالد نفسه يقف هناك بخجلٍ ريفي أصيل، وعيناه تتجنبان النظر في وجهها مباشرة تعففاً واحتراماً، بينما ترتسم على شفتيه ابتسامة خجولة

- السلام عليكم ورحمة الله… أنا آسف يا مدام ليلى، طلعت على طول من غير ما اتصل بأيمن، قولت أفاجئه.

رحّبت به ليلى باحترام مبالغ فيه وبشاشة مصطنعة، وفتحت له الباب على مصراعيه لتفسح له المكان دالّةً إياه على الصالة

- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. أهلاً يا أبو فارس، يا خطوة عزيزة، اتفضل اتفضل جوه.

تراجع خالد خطوة إلى الخلف بتردد وحذر، يراقب مدخل الشقة بعينين متخوفتين من القيل والقال، ثم قال بصوت خفيض

- يزيد فضلك يا رب... كنت جاي بس أسأل على أيمن، هو جوه ولا لسه في الشغل؟

ابتسمت له ليلى ابتسامة هادئة مطمئنة، وعينها تلمح بدقة ارتباكه، ثم قالت بهدوء محسوب ونبرة واثقة

- أيوه يا سيدي، تعالى اتفضل ارتاح في الصالة، هو على وصول.. مسافة عشر دقائق بالكتير وهتلاقيه جاي من برا، على ما يدخل أكون عملتلك كبّاية الشاي ونتغدى سوا بقى

دخل خالد الشقة ببطء وتحفّظ، وكل خطوة من حذائه كانت تخترق صمت المكان المشبع بترقبٍ مكتوم، بينما اتجهت ليلى إلى المطبخ بخطوات محسوبة ونشيطة. تحركت أصابعها بدقة بين الأكواب وغلاية الماء؛ كانت كل حركة تبدو طبيعية ومرحبة في ظاهرها، لكنها في العمق كانت تحمل بعداً درامياً من السيطرة التامة على مجريات اللقاء المرتقب.

جهزت له الشاي وقدمت له الكوب الساخن بابتسامة خفيفة مكسورة قسراً، وجلس خالد يتأمل تفاصيل الصالة بريبة، ثم رفع الكوب برفق، واحتسى منه رشفة دافئة، وقال بابتسامة ممتزجة بالامتنان والتقدير:

* تسلم إيدك يا مدام، تعبتك معايا.. معلش طلعت من غير ميعاد.

ابتسمت ليلى بمجاملة رقيقة، تخفي خلف هدوئها كل سموم التفكير والمكائد

- لا تعب ولا حاجة ، ده أيمن بيحبك أوي ودايما بيشكر في رجولتك وأصلك، والله دايما فى سيرتك بالخير

وضع خالد الكوب جانباً فوق الطاولة، وتنهد تنهيدة ثقيلة، ثم همس لنفسه بنبرة حزينة

-؛ يعلم ربنا أنا كمان بحبه قد إيه وبعتبره أخويا الكبير… بس مش عارف هو وسمر زعلانين ليه الأيام دي؟ البنت وشها مقلوب والبيت تحت مقلوب ومش فاهم في إيه

هنا حانت اللحظة الحاسمة؛ فتبدّلت ملامح ليلى في ثانية واحدة، وتمثلت الانكسار الشديد والخجل، وانخفضت عيناها نحو الأرض وهي تردد بصوتٍ مرتعش، مصطنع الارتباك

- إيه ده؟ هو إنت... هو إنت عرفت باللي حصل؟ يالا... ربنا يسامحها على اللي عملته فيا وفي ابني، أنا مسامحة عشان خاطرك وخاطر أيمن.

انعقد حاجباه مستغرباً، وتسلّق الشك ملامحه، فسأل بدهشة وجدية

- في إيه اللي حصل يا مدام ليلى؟ سمر عملت إيه؟ فهميني الله يخليكي

تطلعت إليه ليلى بخبثٍ دفين، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة مكسورة، ثم قالت بنبرة تقطر تقية ومظلومية

- والله وأنا كمان مش عارفة في إيه وليه الغل ده كله سمر طلعت لي الشقة هنا وطلبت مني الذهب بتاعي تلبسه يومين قدام أهلك وأنت راجع من السفر، قولت لها يا حبيبتي طب ما تجيبي ذهب صيني وإكسسوارات جاهزة تفضل عندك وتفرحي بيها، بدل ما تلبسي ذهبي وكل اللي هيشوفه وعارفين إنه بتاعي ومستلفاه.

صمتت ليلى قليلًا لتقيس أثر الصدمة، ثم شددت كلماتها بنبرة باكية لتلفت انتباهه بالكامل وتغرس النصل في صدره

- راحت فجأة متهجمه عليا زي المجنونة... وضربتني ومسقطة اللي في بطني، وحرمتني من ضنايا

توسعت حدقتا خالد من فرط المفاجأة والذهول، وشحب وجهه وهو يحاول مستميتاً استيعاب الموقف المتناقض، فتمتم بعدم تصديق

- ذهب؟ ذهب إيه اللي تطلبه منك؟ مش ده ذهبها هي أصلاً؟ هي قالت لي بنفسها إنها اشترته وانا اللى بعتلها الفلوس... ولما سألتها عليه إمبارح لقيتها مخبياه، وقالت لي إنك إنتِ اللي استلفتيه منها عشان عندك مناسبة، ولما اتخانقتوا مع بعض اتكسفت تطلبه منك، فقالت تستنى لما تتصالحوا وبعدين تطلبه عشان المشاكل متزيدش بينها وبين ايمن

اندفعت ليلى بالنفي القاطع، ولامعت عيناها ببريق من الغضب المصطنع والتحكم المحكم في دفة الحديث

- لا طبعاً...كل ده كدب في كدب ده ذهبي أنا الفلوس اللي إنت كنت بتبعتها لها اللى اعرفه انها حطتها فى البوسطة... دي خدتها وحطتها في البوسطة بحساب باسمها هي وحماتى عارفه كده كويس... إنما أنا هبيع ذهبي وادّيهولها ليه؟... إحنا مش لاقيين ناكل يا خالد؟

نهض خالد فجأة من مقعده كأن أفعى قد لدغته؛ احمرّ وجهه بشدة وعقله يرفض تصديق حجم الخديعة، وكانت عيناه تحرقان أركان المكان بغضب مكتوم ومتطاير. نهض كمن يريد أن يصرخ بأعلى صوته ليشُق صدر السماء من القهر والخيانة، لكن صمته القاتل كان أثقل وأخطر من أي كلام.

استدار بظهره دون أن ينطق بكلمة واحدة ليرد بها، أو ينتظر رؤية أيمن، وغادر الشقة مهرولاً كالمجنون وهو يضرب الأبواب خلفه، تاركاً خلفه صمتًا ثقيلاً يملأ الجو... بينما كانت ليلى تقف خلف الباب وتنظر في أثره مبتسمة بابتسامة خبيثة، منتشية بالانتصار الساحق؛ فقد علمت أن الجوازة قد دُمرت بالكامل، وأن الحرب الصغيرة قد انتهت لصالحها بكش ملك لا غبار عليه.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل بارد    البارت الثامن والأربعون

    كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج

  • ظل بارد    البارت السابع والأربعون

    لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.

  • ظل بارد    البارت السادس والأربعون

    جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل - يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟ رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل - لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة. مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه - آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟ سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغر

  • ظل بارد    البارت الخامس والأربعون

    في صباح اليوم التالي، عاد أيمن ليعيد ليلى إلى المنزل، لكن الطريق الذي مشى فيه لم يكن ممهدًا أو مفرشًا بالطيب كما ظن في عودته. كانت ليلى وسلمى قد سبقتاه بخطوة ذكية؛ شحنتا والدة سلمى بكلمات مسمومة صُبّت في أذنيها بعناية، وحكايات مُفتعلة طُرّزت بخيوط المظلومية والتهويل الشديد، حتى تحولت تلك المرأة العجوز الهادئة بطبعها إلى سورٍ من نار وحصنٍ منيع يقف في وجهه عند العتبة. استقبلته فاطمة بنبرة قاسية، جافة، تنهره بلومٍ لاذع، وتصف ما تعيشه ليلى في كنفه بالجحيم الحقيقي، وكأن البيت الذي خرجت منه ليلى غارقة بدمائها المزعومة لم يكن مأوى بل سجنًا موحشاً، وكأن إعادتها إليه اليوم حكمٌ جائر لا شفقة فيه ولا أمان. وسط تلك العاصفة، جلست ليلى صامتة تمامًا، تؤدي دورها المرسوم بإتقانٍ بارع يحسدها عليه كبار المحترفين؛ خفضت عينيها نحو الأرض بانكسار، وتركت دموعها تنساب ببطء وبلا صوت على وجنتيها الشاحبتين، لا تملك في جعبتها دفاعًا ولا هجومًا، فقط كان انكساراً محسوبًا بالمسطرة، يعرف جيدًا كيف يضرب ويخترق أعمق نقطة ضعف وعار داخل رجولة أيمن. كان مشهدها المتهالك كافيًا ليُشعر أيمن بأنه المتهم الأوحد والجاني الحق

  • ظل بارد    البارت الرابع والأربعون

    دخلت سلمى بخطوات واثقة، سريعة، وأغلقت الباب بإحكام بالترباس، ثم صفّقت فجأة بكفيها صفقة حادة، رنانة كسرت صمت الموت الزائف. في اللحظة نفسها، انتفضت ليلى ونهضت من فوق الفراش بنشاط وخفة كمن أُلقي عنه ثقلٌ وسحر زائف، وصفّقت هي الأخرى بكفيها بانتصار، ثم قفزت فوق السجادة بخفة ومرح طفولي، وانفلتت ضحكتها الرنانة القاتلة دون قيود أو حدود، وكأن الألم والنزيف والشحوب الذي كان يملأ أركان المكان منذ دقائق لم يكن سوى قناع درامي أُتقن صنعه وارتداؤه بميزان من ذهب. اقتربت منها سلمى، وتفرست في وجهها بإعجاب صريح، ورأسها يهتز ذهولاً وهي تبتسم ابتسامة مشوبة بالدهشة والوجل من مكرها - يخربيت عقلك يا ليلى..... دي الحكاية دخلتِ عليه بالملي، والراجل طالع من هنا مهدود ومتأثر، وعينيه مليانه عياط والذنب بيوجع فيه كانت نبرة سلمى توليفة من الإعجاب المطلق والتسليم الكامل بقدرة صديقتها على السيطرة وتسيير الرجال كالعرايس، بينما ليلى توقفت فجأة عن الضحك والمرح، وتجمدت ملامحها، واتجه بصرها الكحيل إلى الفراغ الصامت؛ حدقت أمامها بعينين قاسيتين، متقدتين بشرر الانتقام، وقالت بحدة باردة كالموت - هو لسه شاف حاجة؟ ده أنا

  • ظل بارد    البارت الثالث والأربعون

    وبعد وقتٍ قليل من الفرار الهستيري، كان أيمن يجلس في صالة البيت أمام والدة سلمى؛ منكّس الرأس بوهن، وعيناه الزائغتان معلّقتان بالأرض الخشبية كطفلٍ صغار ضُبط متلبسًا بذنبٍ وعار لا يعرف كيف يبررهما أو يداري سوأتهما. كان الخجل ينهش ملامحه المخطوفة، ويثقّل كتفيه العريضين كأنه يحمل صخرة الوجود، بينما كانت كلمات العجوز تنهمر فوق رأسه قاسية، لا تعرف الرحمة أو المواربة، كأنها تُفرغ في جوفه كل ما اختزنته روحها من غضب وخوف على بنات الناس. كانت المرأة تتحدث بعصبية واضحة جفّت معها شفاها، تلوّح بوجعٍ بيمينها وتضرب بيسارها على فخذها بحرقة، وصوتها الأجش يعلو ويهبط في ردهات المكان لكنه لا يلين قط - يا بني كده مينفعش ولا يرضي ربنا خالص... إزاي مراتك تكون ساكنة في بيتك وسط عيلتك، وأختك تطلع لها لحد شقتها تضربها بالشكل ده وتحلف بـِميت يمين إنها لازم تسقطها.... لولا بتي سلمى سمعت الصريخ ولحقتها من تحت إيد أختك كانت زمان البنية ماتت في ايدها..... حرام عليكوا، ذنبه العيل اللى راح ده، ده مش ابنهم ولحمهم كلمة ماتت سقطت على أذنه كطلقة رصاص طائشة استقرت في شغاف قلبه. فجأة، لم يعد يسمع بقية الحديث المتدفق؛ انس

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status