Home / الرومانسية / عادت لتكسر كبرياءه / الفصل الثالث والثلاثون: أطياف الرماد الأول

Share

الفصل الثالث والثلاثون: أطياف الرماد الأول

last update Petsa ng paglalathala: 2026-08-18 06:26:40

تجلس ياسمين الهاشمي خلف مكتبها الأبنوسي الفاخر، وتضع الصورة القديمة الملونة أمامها على السطح المصقول. تلك الصورة الفوتوغرافية الواحدة كانت كفيلة بأسرها، حيث أطاحت بجليد حاضرها الشامخ لتجرها قسراً إلى القاع... إلى ذلك الماضي السحيق الذي أقسمت بذاتها على دفنه تحت أقدام نجاحها الاستثماري.

يقف دانيال قبالتها بثبات، يتابع بتركيز تحركات عينيها اللوزيتين والدقيقة، ويرصد هدوءها المريب الذي يسبق العواصف عادة، ثم ينطق بصوت خفيض محمل بالحرص والتوجس:

— "تتبعنا الاتصال والتسريب الرقمي الذي وصل إلى السيرفر الداخلي قبل قليل... ميرنا لم تكتفِ بالتواري في الظل طوار السنوات الثلاث الماضية يا ياسمين. إنها تحاول استغلال حالة التوتر الشديدة والشرخ القائم حالياً بينكِ وبين لؤي المنشاوي لتنسج مؤامرة جديدة وتستعمل ذات الطعم القديم."

ترتفع يد ياسمين ببطء شديد، وتلمس بأطراف أصابعها الدقيقة ملامح وجهها في الصورة المغبرة. الفتاة التي كانت ترتدي ثياباً واسعة وبسيطة، تخبئ أحلامها وطموحاتها الكبيرة خلف خجلها المفرط وسذاجتها الفطرية، وتنظر إلى لؤي المنشاوي في الكادر بعينين تفيضان شغفاً، كأنه كان يمثل لها المجرة بأكملها.

تغمض ياسمين عينيها لثوانٍ معدودة، فتنساب مشاهد الماضي القاسية كالسم الذعاف في عروقها...

قبل ثلاث سنوات كاملة...

في أروقة نفس هذه المؤسسة، كانت ياسمين تعكف ليل نهار دون كلل على صياغة وتطوير أول نظام برمجي حقيقي لمجموعة المنشاوي. كانت ميرنا وقتها ترتدي قناع الصديقة الودودة والحنون، تتودد إليها يومياً وتستدرج سذاجتها العاطفية لتعرف كل جزئية في الشفرات البرمجية والثغرات التأمينية.

وفي الليلة الحاسمة التي سبقت التوقيع النهائي على المشروع، قامت ميرنا بسرقة الشفرة المصدرية الأساسية، وزوّرت التوقيعات الرقمية والاعتمادات باسم ياسمين، لتظهرها أمام مجلس الإدارة وعائلة المنشاوي في صورة المذنبة التي اختلست أموال المؤسسة وسربت البيانات السرية لحساب المنافسين!

تتذكر ياسمين بمرارة تلك الليلة الشاتية... يوم وقفت المظلومة البسيطة في منتصف القاعة، والجميع يتضاحكون على سذاجتها ويتهامسون حولها باحتقار وتنمر، بينما تقف ميرنا في زاوية القاعة ترسم على شفتيها ابتسامة النصر المتشفية.

لكن السهم الحقيقي الذي غُرِسَ في عمق قلبها وشق روحها إلى نصفين لم يكن غدر ميرنا أو خيانتها... بل كان موقف لؤي المنشاوي القاسي.

وقف لؤي يومها بنظراته الصقريّة الباردة والحادة، وبدلاً من أن يستمع إلى دفاعها المستميت أو يفحص الأوراق والأدلة المحيطة بالواقعة، انحاز فوراً لاسم عائلته ولمصلحة مؤسسته المالية. نظر إلى عينيها الباكيتين بجمود قاتل، ونطق كلمته التي أحرقت ما تبقى من طفولتها ونقائها:

(الأرقام والوثائق لا تكذب يا ياسمين... انصرفي فوراً من هنا قبل أن أحيل الملف برمته إلى النيابة العامة).

طُردت ياسمين يومها إلى الشارع القارس في ليلة ممطرة، بلا مال، وبسمعة مهنية ومالية محطمة، ومع أم مريضة لم تطق صدمة العار والفقر... يومها أقسمت ياسمين وهي تبكي بحرقة على الرصيف وتحت زخات المطر المتساقطة أن تلك الفتاة البسيطة والمظلومة قد ماتت وانتهت إلى الأبد، وأن المرأة التي ستعود يوماً ما... ستعود فقط لتكسر كبرياء المنشاوي وتسحق كل من تجرأ وضحت عليه يوم انكسارها.

تفتح ياسمين عينيها في الحاضر، وتتلاشى أطياف الماضي المؤلمة من حدقتيها لتستبدل بشعلة حادة من الصلابة والتحدي الناري.

تلتفت بنظراتها نحو دانيال وتقول بصوت جليدي وثابت لا يعرف التردد:

— "ميرنا تعتقد أنني ما زلت تلك الفتاة الضعيفة التي تجلس في الزاوية لتبكي عندما تهددها بالصور القديمة والذكريات... هي لا تفهم ولا تدرك أن كل حجر وكل كود في إمبراطورية 'أورورا' قد أُقيم وبُني على ركام ونشيج تلك الليلة المظلمة."

يتنفس دانيال بحذر شديد ويسأل بنبرة جادة:

— "ولؤي المنشاوي؟... هل يعلم أن ميرنا هي من تقف خلف هذا الظرف وتسريب الأوراق؟"

ترتسم على شفتي ياسمين اللوزيتين ابتسامة سخرية مريرة وقاسية:

— "لؤي كان أعمى بكبريائه وغروره قديماً، وما زال حتى اللحظة يتوهم أنه يمسك بخيوط اللعبة ومقاليد الأمور. لكن هذه المرة تحديداً... لن أترك له أي مجال ليمثل دور الضحية أو دور المنقذ الشجاع."

تسحب ياسمين ملفاً أزرق اللون ومغلقاً بإحكام من درج مكتبها، وتضعه فوق الطاولة الأبنوسية بثبات ورسوخ:

— "هذا الملف يتضمن كافة الوثائق والمستندات الأصلية التي تثبت تزوير ميرنا للمستندات قبل ثلاث سنوات، إلى جانب التحويلات المالية السرية التي أثبتناها مؤخراً عبر حساباتها المجهولة في جنيف... حان الوقت لنغير قواعد اللعبة برمتها يا دانيال، ولن ننتظر دفاعاً أو هجوماً جديداً منهم."

يقترب دانيال خطوة إضافية ويسأل باهتمام بالغ:

— "ما هي خطوتكِ القادمة المباشرة؟"

تستند ياسمين بكفيها على سطح الطاولة، وتتطلع بثبات نحو النافذة المطلة على البرج المقابل:

— "سننشر هذه الوثائق والمستندات في المؤتمر الصحفي العالمي للبورصة مساء اليوم... سأكشف خيانة وتزوير ميرنا أمام الملأ، وأضع لؤي المنشاوي أمام خيار حاسم لا ثاني له: إما أن يعترف بجرمه وسكوته القديم علناً أمام وسائل الإعلام... أو يشاهد إمبراطورية عائلته وهي تتهاوى وتتحطم تماماً تحت أقدامي!"

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • عادت لتكسر كبرياءه    الفصل التاسع والثلاثون: رماد الليل والورد المسموم

    في المساء ذاته، أقام السيد أنس حفل عشاء ساهر طغت عليه أضواء البنفسج الفاخرة والديكورات الأنيقة في قاعة المنتجع المطلة على البحر، وذلك بمناسبة عيد ميلاد زوجته ليلى. كانت ليلى في الحقيقة قد اتفقت مع زوجها على تدبير هذه الدعوة خصيصاً لياسمين ولؤي، أملاً في تقريب المسافات وإعادة الشمل بينهما بعد أن لمست بحسها العاطفي وجود شرارة قديمة ومكتومة لم تُطفأ بعد. مرت السهرة بطقوس دافئة، لكن ياسمين، وتحت ثقل الذكريات وضغوط الأيام الأخيرة، شربت أكثر من طاقتها لتنسى الصراع المشتعل في رأسها. عقب انتهاء السهرة، لاحظ لؤي عدم قدرة ياسمين على السير بثبات. تقدم نحوها بخطوات حنونة وقرر مرافقتها بنفسه إلى كوخها الصيفي في المنتجع. ولكن عندما وصلا، كانت ياسمين في حالة من الإنهاك والتشتت والمزرية التي لم تكن ترغب الإطلاق في أن يراها عليها أحد، وخاصة هو. رفض لؤي أن يتركها في تلك الحالة بمفردها، وبحسم دافئ حمالها ببطء واصطحبها إلى كوخه الصيفي الخشبي الخاص. هناك، داخل الكوخ الدافئ بعيداً عن أضواء العالم، ساد الصمت إلا من صوت أنفاسهما المتهدجة وضجيج أمواج البحر في الخارج. اقترب لؤي منها ببطء، وعيناه تفيض

  • عادت لتكسر كبرياءه    الفصل الثامن والثلاثون: أصداء على الرمال

    كانت شاشة الحماية في مكتب ياسمين الهاشمي تومض بضوء خافت ومتقطع وسط الظلام الساكن للغرفة، بينما كانت حركة البيانات الرقمية تُظهر بوضوح خطة رفع الشفرة البرمجية المزيفة التي زرعتها كطُعم محكم. وفي الطرف الآخر من المدينة، داخل القصر المظلم لعائلة المنشاوي، كانت ناهد المنشاوي ومساعدها الخفي رأفت يحتفلان بانتصار وهمي وشيك، بعد أن سلّما الشفرة المسروقة عبر المهندس الخائن "سامر" إلى "مجموعة صقر العالمية"، أكبر وأشرس منافس استثماري لشركة ياسمين في السوق.لكن تلك النشوة الزائفة لم تدم طويلاً...في صباح اليوم التالي، أعلنت "مجموعة صقر العالمية" في مؤتمر صحفي عاجل ومُتلفز عن إطلاق مشروعها الثوري الجديد للذكاء الاصطناعي. وما إن بُث العرض التوضيحي المباشر أمام كبار المستثمرين وعدسات وسائل الإعلام المحلية والدولية، حتى تفعّلت آلية حماية برمجية مخفية (Kill-Switch) كانت قد زرعتها ياسمين بدقة متناهية داخل أعماق الكود. تجمدت الشاشات والأنظمة فجأة، وظهر بدلاً من العرض شعار شركة "أورورا" البرّاق محاطاً بتحذير أمني رسمي يُثبت بالدليل القاطع والحجة الدامغة أن الشفرة مسروقة ومستنسخة بالكامل من خوادم ياسمين ا

  • عادت لتكسر كبرياءه    الفصل السابع والثلاثون: عواصف خلف الأسوار

    تجمّد "لؤي" في مكانه وسط الحديقة، وعيناه معلقتان بتلك الأرجوحة الخشبية الصغيرة والكرة الملونة الملقاة على العشب الأخضر المبتل بقطرات الندى. شعر بضربات قلبه تتسارع في صدره كطبل حربي، بينما تهاجم عقله أفكارٌ مجنونة كالعاصفة: ألعاب أطفال؟ في فيلا ياسمين؟ مع مَن تعيش هنا؟ هل تزوجت في سنوات غيابها؟ هل أصبحت حقاً لغيره؟انقطع حبل أفكاره المضطربة على صوت كعب حذائها العالي وهو يضرب الأرض الرخامية بانتظام وثقة. التفت ببطء، لتتجمد الكلمات في حلقه.كانت ياسمين تقف عند مدخل الحديقة، تشع كبرياءً وأناقة لا حد لها. فستانها العملي الأسود يبرز قوامها الفاتن، ونظرات عينيها كانت أشد برودة من صقيع الشتاء. لم يعد هناك أي أثر لتلك الفتاة الخجولة التي كان يكسرها بكلماته قديماً.رفعت حاجبها الأيسر وسخرت بنبرة هادئة لكنها حادة كالشفرة:— "ما الذي يفعله الملياردير 'لؤي المنشاوي' متسللاً إلى أملاكي الخاصة؟ ألم يعلمك أحد أن اقتحام بيوت السيدات يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون؟"بلع لؤي ريقه، وحاول استعادة قناعه المتكبر، لكن صوته خانه قليلاً وهو يشير بيده نحو الألعاب:— "لم أكن أتسلل يا ياسمين... جئت لأرى كيف تجرئ

  • عادت لتكسر كبرياءه    الفصل السادس والثلاثون: الغيبوبة

    رن صوت الهاتف في تلك الساعة المتأخرة من الليل أشبه بصفارة إنذار حادة تمزق سكون شقة لؤي المنشاوي الفاخرة، لتوقظ الظلام الدامس المخيم على الصالة المترامية الأطراف. رفع السماعة بقلق تلقائي ونبضات قلبه تتسارع، ليصله صوت ضابط الشرطة عبر الأثير جافاً، مقتضباً ومحكاباً لبرودة الليل:— "سيد لؤي المنشاوي؟ نتصل بكِ بخصوص شقيقتكم الآنسة ميرنا المنشاوي... لقد تعرضت لحادث سير خطير جداً على الطريق السريع، وهي الآن في حالة حرجة بالمستشفى المركزي."سقطت السماعة من يده للحظة لتصطدم بالأرضية المرمرية، وتوقفت أنفاسه قبل أن يستعيد رباطة جأشه بجهد جهيد. ارتدى معطفه الأسود بحركات مرتبكة ويدين ترتجفان، وطلب من مساعده الشخصي إحضار السيارة فوراً إلى أسفل المبنى، بينما راح يطلب بحدقيتين متسعتين رقم والدته ناهد المنشاوي، التي كانت حينها في جولة سياحية استجمامية خارج البلاد.جاء صوت ناهد عبر الخط متعباً وبطيئاً من فرق التوقيت، لكن نبرتها تحولت في ثوانٍ معدودة إلى صراخ مذعور وفزع جارف حين سمعت الخبر الكارثي من ولدها:— "ميرنا؟! حادث سير؟! كيف حدث هذا... ومتى؟! سآخذ أول طائرة متجهة إلى العاصمة فوراً يا لؤي! إياك أ

  • عادت لتكسر كبرياءه    الفصل الخامس والثلاثون: ظلال العرش وعهد جديد

    تجلس ياسمين الهاشمي في جناحها المكتبي الهادئ بعيد انقضاء المؤتمر الصحفي العالمي، تُحدق في أضواء المدينة المتلألئة عبر الزجاج الشفاف الشاهق. بين يديها كوب من القهوة الدافئة يتصاعد منه البخار، بينما يتسلل هدوء عميق ونادر إلى صدرها لأول مرة منذ سنوات طويلة من الصراع والترقب. لقد انتهت المعركة الأولى، وصوت الحق الذي صمت طويلاً أخذ يتردد في كل أرجاء البورصة وسائل الإعلام.ينفتح الباب الزجاجي بخفة، وتدخل سيدة أنيقة تتوهج عيناها بالدفء والبهجة الصادقة. إنها هناء، صديقة ياسمين المقربة ورفيقة دربها المحببة منذ أيام الدراسة الجامعية الأولى. تطأ أقدامها القاعة بخطوات واثقة، لتغمر المكان بطاقة إيجابية واحتضان دافئ.تضم هناء ياسمين بطف ودعم صادق، ثم تبتعد قليلاً لتنظر إلى عينيها بقخر:— "ياسمين! أخيراً رأيتكِ تأخذين حقكِ كاملاً وأمام العالم كله! لم أشك لحظة واحدة منذ كنا نجلس على مقاعد الجامعة الخشبية ونحلم بالمستقبل أنكِ ستعودين يوماً لتلجمي كل من حاول التقليل منكِ أو كسر كبرياءكِ."ترتسم ابتسامة هادئة ودافئة على شفتي ياسمين، وتجيبها بنبرة ممتنة يمتزج فيها الشجن بالارتياح:— "هناء... وجودكِ بجانب

  • عادت لتكسر كبرياءه    الفصل الرابع والثلاثون: عرش من زجاج

    الساعة تشير إلى 6:30 مساءً...تكتظ القاعة الكبرى للمؤتمرات الصحفية بالصحفيين، وعدسات الكاميرات التي تومض بلا توقف، وممثلي كبرى الشبكات الاقتصادية العالمية. الهواء داخل القاعة مشحون بالترقب والتوتر، فالجميع بانتظار المؤتمر الطارئ الذي دعت إليه ياسمين الهاشمي، عقب تصدي مؤسستها لأشرس هجوم سيبراني في تاريخ البورصة.خلف الكواليس، تقف ياسمين أمام المرأة الكبيرة. ترتدي فستاناً أزرق داكناً بقَصة حادة وأنيقة، تضع مساحيق تجميل خفيفة تُبرز حدة ملامحها وثباتها، بينما يستقر الملف الأزرق في يد دانيال الذي يقف بجانبها.ينظر دانيال إلى الشاشة المعلقة في الغرفة، والتي تنقل بثاً مباشراً للشارع الرئيسي، ويقول بنبرة جادة:— "لؤي المنشاوي وصل إلى المبنى يا ياسمين... إنه يدخل القاعة الآن برفقة حراسه. ويبدو أنه علم بالملف الذي تنوين طرحه."ترتسم على شفتي ياسمين ابتسامة باردة، وتعدل ياقة فستانها بثبات دون أن ترتبك:— "ممتاز... كنت أريده أن يجلس في الصف الأمامي. أراده أن يشهد التهاوي بنفسه، بدلاً من أن يصله الخبر عبر شاشات التلفاز."داخل القاعة...يدخل لؤي المنشاوي بخطوات ثقيلة ومحسوبة. بزيّه الأسود الفاخر وم

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status