تسجيل الدخولأوقف لؤي المنشاوي سيارته عند حافة الشاطئ المهجور، والظلام يلف المكان كلياً. كانت الأمطار تهطل بغزارة شديدة، والرياح تضرب زجاج السيارة بقوة كأنها تعكس طوفان الذنب والندم الذي يغرق فيه منذ علم بحقيقة ليلة البحر.وفجأة، توقف محرك السيارة عن العمل وانطفأت أضواؤها تماماً. غرق لؤي في ظلام دامس، وشعر برعشة تسري في أطرافه؛ كانت الحمى تعصف برأسه، وجسده يكتوي بالحرارة بينما أطرافه تتجمد من البرد.في لحظة غياب تام عن الوعي وتشتت ذهني حاد، سحب هاتفه المحمول وأجرى اتصالاً بأول رقم ظهر أمامه في السجل دون إدراك منه... كان رقم ياسمين.في الطرف الآخر، كانت ياسمين تجلس في غرفتها والقلق يساورها، فرفعت السماعة بحذر وسألت:— "أهلاً لؤي؟"سمع لؤي صوتها المتردد، فاستعاد جزءاً ضئيلاً من وعيه، وشعر بوطأة ما فعله ومقدار الإحراج الذي أوقع نفسه فيه. قال بصوت خافت ومبحوح يثقله التعب الشديد:— "أنا... أعتذر منكِ على هذا الإزعاج. يبدو أنني أخطأتُ في تحديد جهة الاتصال."وقبل أن تستفسر منه أو تسأله عن مكان وجوده، أنهى المكالمة فوراً وأغلق الهاتف كلياً.بقيت ياسمين تتردد في مكانها والأسئلة تعصف برأسها. لكن نبرة صوته ا
— "ميرنا هي التي دفعتها إلى البحر." تجمد لؤي في مكانه داخل مكتب وائل بالفندق، والظلام يلف المكان خارج النوافذ. لم يرمش حتى؛ ظل يحدق في وائل وكأن عقله يرفض استقبال الجملة، وكأن الكلمات اصطدمت بجدار داخله ثم عادت تتردد في رأسه. ميرنا... أخته. الشخص الذي لم يتخيل يوماً أن تكون له يد في أسوأ ليلة عاشتها ياسمين. تحركت أصابعه دون وعي حول كأس العصير الموضوع أمامه. ضغط عليه بقوة أكبر، حتى تحطم الزجاج في يده. انتفض وائل من مكانه بوهل: — "لؤي! يدك!" نظر لؤي إلى كفه؛ قطرات الدم بدأت تتساقط على الطاولة، لكنه لم يشعر بأي ألم. رفع عينيه ببطء وقال: — "أنت متأكد؟" ابتلع وائل ريقه وقال: — "هذا ما قالته لنا ميرنا تلك الليلة... كانت تريد إبعاد ياسمين عنك نهائياً، وقالت إنها وجدت طريقة تفعل بها ذلك." ظل لؤي صامتاً، ثم أدار ظهره وغادر الفندق في عتمة الليل. لم يكن يعرف كيف وصل إلى سيارته، ولا كيف أدار محركها. كل ما كان يسمعه هو صوت وائل يتكرر داخل رأسه: ميرنا هي التي دفعتها إلى البحر... انطلق بالسيارة في الشوارع المظلمة، لكن الطريق أمامه كان ضبابياً. ضغط على المقود بقوة وعيناه مث
لم يكن لؤي يعرف إلى أين يقوده فضوله في ذلك الصباح، لكنه وجد نفسه يقود سيارته نحو الحي القديم الذي كانت ياسمين تعيش فيه قبل اختفائها. توقف أمام المبنى الذي حصل على عنوانه بعد عدة اتصالات، ثم ترجل من السيارة ونظر إلى الواجهات القديمة بصمت. كان يبحث عن أي شخص عرفها. وبعد دقائق، لمح رجلًا في منتصف العمر يخرج من أحد المحال القريبة. اقترب منه لؤي وسأله: — عذرًا، هل تعرف امرأة كانت تسكن هنا؟ ياسمين الهاشمي؟ تأمله الرجل للحظات، ثم قال: — ياسمين؟ تغيرت ملامحه قليلًا. — نعم، كنت أعرفها. لماذا تسأل عنها؟ — أين هي الآن؟ هز الرجل كتفيه. — لا أعرف. اختفت منذ سنوات. تصلب لؤي. — اختفت؟ — نعم. على حد علمي، دخلت المستشفى في إحدى الليالي، وبعدها لم تعد إلى الحي. أظن أن هذا كان قبل ثلاث سنوات ونصف تقريبًا. سأل لؤي بسرعة: — هل تعرف لماذا دخلت المستشفى؟ — لا. كل ما سمعناه أنها كانت في حالة سيئة جدًا. شكره لؤي وغادر. كان الطريق إلى المستشفى قصيرًا، لكنه بدا له أطول من المعتاد. حين وصل، توجه مباشرة إلى الاستعلامات. — أريد معلومات عن ياسمين الهاشمي. دخلت إلى هنا قبل
في ساعة متأخرة من الليل، كان لؤي المنشاوي يجلس في مكتبه الخاص داخل منزله، يحدق في الشاشة المضيئة أمامه عبر مكالمة فيديو مشفرة. على الطرف الآخر من المحيط، في الولايات المتحدة، كان يجلس صديقه المقرب والطبيب النفسي المرموق "مارك إدوارد". كان لؤي يرتشف قهوته المرة ويحكي لمارك بكل جوارحه عن دوامة المشاعر والتناقضات التي يعيشها مع ياسمين الهاشمي. قال لؤي بصوت يملؤه التعب: — "كلما حاولتُ التقرب منها خطوة واحدة، أو شعرتُ أن الجليد بيننا بدأ يذوب كما حدث في المنتجع، أجدها في اليوم التالي تبني جداراً أشد قسوة وتعود بي إلى نقطة البداية... وكأنني أحارب أشباحاً لا أراها يا مارك." صمت مارك لثوانٍ، يتفحص ملامح لؤي المجهدة عبر الشاشة، ثم قال بنبرة هادئة وتحليلية: — "لؤي... ردود فعل ياسمين المبالغ فيها وقسوتها الباردة ليست مجرد كبرياء امرأة، بل هي درع دفاعي لحماية جرح عميق لم يلتئم بعد. إذا أردتَ كسر هذا الجدار، فعليك أن تبحث عن الثغرة الحقيقية... عن السر الذي جعلها تختفي من حياتك فجأة وبشكل قاطع قبل سنوات." أطرق لؤي رأسه بشرود عميق، وانزلق ذهنه رغماً عنه إلى الماضي... تذكر لؤي تلك الأيام ا
التئم الشمل في قاعة الاجتماعات الكبرى ذات الطابع الزجاجي المعتم، حيث انعكس ضوء النهار الباهت على طاولة الاجتماعات المصنوعة من الخشب الداكن. كان الاجتماع الثلاثي المقرر بين الأقطاب الثلاثة: السيد أنس ممثلاً لـ "تراسلت"، لؤي المنشاوي ممثلاً لمجموعة المنشاوي، وياسمين الهاشمي بصفتها رئيسة "أورورا". لكن الاجتماع لم يبدأ بملفات العمل، بل بمفاجأة لم تكن في الحسبان. دخل السيد أنس ومعه شخصية نسائية مخضرمة في أوائل الخمسينيات من عمرها، ذات ملامح صارمة ونظرات ثاقبة تحمل عبق الماضي. وما إن تخطت السيدة عتبة الباب ووقعت عيناها على ياسمين، حتى ترجلت نحوها بسؤال مباشر اخترق سكون القاعة وكأنه سهم موجّه: — "إذن... أنتِ هي ياسمين الهاشمي؟ أخيراً التقيتُ بكِ وجهاً لوجه. لكن أخبريني، ما الذي دفعكِ للعودة المفاجئة إلى أرض الوطن بعد غياب دام لسنوات .. ثلاثة أعوام كاملة من الاختفاء؟ ألم يكن من الأفضل لكِ البقاء حيث كنتِ بعيدة؟" شعرت ياسمين بصدمة خفيفة، تلتها موجة من الاستياء الشديد وهي ترى هذه المرأة تقتحم حياتها الشخصية بوقاحة سافرة في قاعة رسمية. في المقابل، كان لؤي المنشاوي جالساً بملامح هادئة، يبد
كان الجو داخل المكتب الرئاسي لشركة "أورورا" يفيض بصرامة باردة. لم تكن ياسمين الهاشمي من النساء اللاتي يمررن الضربات سدى؛ فحادثة الخيانة البرمجية التي تورط فيها المهندس "سامر" مع ناهد ورأفت، ورغم كشفها وإفشالها بحنكة، تركت في قلب ياسمين جرس إنذار حاداً لا يمكن تجاهله. استغلت ياسمين ساعات الليل المتأخرة، وقبل التوقيع النهائي على الشراكة الثلاثية، لتجري عملية إعادة هيكلة شاملة وتطهير جذري لشركتها. استعانت بفريق مراجعة أمني خارجي مستقل للتدقيق السري في الملفات الحيوية، الحسابات البنكية، والسجلات الشخصية لكافة الموظفين في "أورورا"، من أكبر مهندس إلى أصغر عامل. أسفرت التحقيقات السرية عن استبعاد كل من تحوم حوله أدنى شبهة أو ضائقة مالية مشبوهة قد تسحب رجله إلى مستنقع ناهد المنشاوي، ليحل محلهم طاقم جديد جرى انتقاؤه بعناية فائقة. ولأن موقع السكرتارية التنفيذية هو العصب الحساس الذي تتدفق عبره المراسلات، وتُحفظ في أدراجه أسرار المواعيد والملفات الخاصة، قررت ياسمين إغلاق هذا الباب نهائياً أمام الاختراقات. وقع اختيارها المباشر على "نور"، الشقيقة الصغرى لصديقتها المقربة "هناء". كانت نور خريجة







