เข้าสู่ระบบتجمّد "لؤي" في مكانه وسط الحديقة، وعيناه معلقتان بتلك الأرجوحة الخشبية الصغيرة والكرة الملونة الملقاة على العشب الأخضر المبتل بقطرات الندى. شعر بضربات قلبه تتسارع في صدره كطبل حربي، بينما تهاجم عقله أفكارٌ مجنونة كالعاصفة: ألعاب أطفال؟ في فيلا ياسمين؟ مع مَن تعيش هنا؟ هل تزوجت في سنوات غيابها؟ هل أصبحت حقاً لغيره؟انقطع حبل أفكاره المضطربة على صوت كعب حذائها العالي وهو يضرب الأرض الرخامية بانتظام وثقة. التفت ببطء، لتتجمد الكلمات في حلقه.كانت ياسمين تقف عند مدخل الحديقة، تشع كبرياءً وأناقة لا حد لها. فستانها العملي الأسود يبرز قوامها الفاتن، ونظرات عينيها كانت أشد برودة من صقيع الشتاء. لم يعد هناك أي أثر لتلك الفتاة الخجولة التي كان يكسرها بكلماته قديماً.رفعت حاجبها الأيسر وسخرت بنبرة هادئة لكنها حادة كالشفرة:— "ما الذي يفعله الملياردير 'لؤي المنشاوي' متسللاً إلى أملاكي الخاصة؟ ألم يعلمك أحد أن اقتحام بيوت السيدات يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون؟"بلع لؤي ريقه، وحاول استعادة قناعه المتكبر، لكن صوته خانه قليلاً وهو يشير بيده نحو الألعاب:— "لم أكن أتسلل يا ياسمين... جئت لأرى كيف تجرئ
رن صوت الهاتف في تلك الساعة المتأخرة من الليل أشبه بصفارة إنذار حادة تمزق سكون شقة لؤي المنشاوي الفاخرة، لتوقظ الظلام الدامس المخيم على الصالة المترامية الأطراف. رفع السماعة بقلق تلقائي ونبضات قلبه تتسارع، ليصله صوت ضابط الشرطة عبر الأثير جافاً، مقتضباً ومحكاباً لبرودة الليل:— "سيد لؤي المنشاوي؟ نتصل بكِ بخصوص شقيقتكم الآنسة ميرنا المنشاوي... لقد تعرضت لحادث سير خطير جداً على الطريق السريع، وهي الآن في حالة حرجة بالمستشفى المركزي."سقطت السماعة من يده للحظة لتصطدم بالأرضية المرمرية، وتوقفت أنفاسه قبل أن يستعيد رباطة جأشه بجهد جهيد. ارتدى معطفه الأسود بحركات مرتبكة ويدين ترتجفان، وطلب من مساعده الشخصي إحضار السيارة فوراً إلى أسفل المبنى، بينما راح يطلب بحدقيتين متسعتين رقم والدته ناهد المنشاوي، التي كانت حينها في جولة سياحية استجمامية خارج البلاد.جاء صوت ناهد عبر الخط متعباً وبطيئاً من فرق التوقيت، لكن نبرتها تحولت في ثوانٍ معدودة إلى صراخ مذعور وفزع جارف حين سمعت الخبر الكارثي من ولدها:— "ميرنا؟! حادث سير؟! كيف حدث هذا... ومتى؟! سآخذ أول طائرة متجهة إلى العاصمة فوراً يا لؤي! إياك أ
تجلس ياسمين الهاشمي في جناحها المكتبي الهادئ بعيد انقضاء المؤتمر الصحفي العالمي، تُحدق في أضواء المدينة المتلألئة عبر الزجاج الشفاف الشاهق. بين يديها كوب من القهوة الدافئة يتصاعد منه البخار، بينما يتسلل هدوء عميق ونادر إلى صدرها لأول مرة منذ سنوات طويلة من الصراع والترقب. لقد انتهت المعركة الأولى، وصوت الحق الذي صمت طويلاً أخذ يتردد في كل أرجاء البورصة وسائل الإعلام.ينفتح الباب الزجاجي بخفة، وتدخل سيدة أنيقة تتوهج عيناها بالدفء والبهجة الصادقة. إنها هناء، صديقة ياسمين المقربة ورفيقة دربها المحببة منذ أيام الدراسة الجامعية الأولى. تطأ أقدامها القاعة بخطوات واثقة، لتغمر المكان بطاقة إيجابية واحتضان دافئ.تضم هناء ياسمين بطف ودعم صادق، ثم تبتعد قليلاً لتنظر إلى عينيها بقخر:— "ياسمين! أخيراً رأيتكِ تأخذين حقكِ كاملاً وأمام العالم كله! لم أشك لحظة واحدة منذ كنا نجلس على مقاعد الجامعة الخشبية ونحلم بالمستقبل أنكِ ستعودين يوماً لتلجمي كل من حاول التقليل منكِ أو كسر كبرياءكِ."ترتسم ابتسامة هادئة ودافئة على شفتي ياسمين، وتجيبها بنبرة ممتنة يمتزج فيها الشجن بالارتياح:— "هناء... وجودكِ بجانب
الساعة تشير إلى 6:30 مساءً...تكتظ القاعة الكبرى للمؤتمرات الصحفية بالصحفيين، وعدسات الكاميرات التي تومض بلا توقف، وممثلي كبرى الشبكات الاقتصادية العالمية. الهواء داخل القاعة مشحون بالترقب والتوتر، فالجميع بانتظار المؤتمر الطارئ الذي دعت إليه ياسمين الهاشمي، عقب تصدي مؤسستها لأشرس هجوم سيبراني في تاريخ البورصة.خلف الكواليس، تقف ياسمين أمام المرأة الكبيرة. ترتدي فستاناً أزرق داكناً بقَصة حادة وأنيقة، تضع مساحيق تجميل خفيفة تُبرز حدة ملامحها وثباتها، بينما يستقر الملف الأزرق في يد دانيال الذي يقف بجانبها.ينظر دانيال إلى الشاشة المعلقة في الغرفة، والتي تنقل بثاً مباشراً للشارع الرئيسي، ويقول بنبرة جادة:— "لؤي المنشاوي وصل إلى المبنى يا ياسمين... إنه يدخل القاعة الآن برفقة حراسه. ويبدو أنه علم بالملف الذي تنوين طرحه."ترتسم على شفتي ياسمين ابتسامة باردة، وتعدل ياقة فستانها بثبات دون أن ترتبك:— "ممتاز... كنت أريده أن يجلس في الصف الأمامي. أراده أن يشهد التهاوي بنفسه، بدلاً من أن يصله الخبر عبر شاشات التلفاز."داخل القاعة...يدخل لؤي المنشاوي بخطوات ثقيلة ومحسوبة. بزيّه الأسود الفاخر وم
تجلس ياسمين الهاشمي خلف مكتبها الأبنوسي الفاخر، وتضع الصورة القديمة الملونة أمامها على السطح المصقول. تلك الصورة الفوتوغرافية الواحدة كانت كفيلة بأسرها، حيث أطاحت بجليد حاضرها الشامخ لتجرها قسراً إلى القاع... إلى ذلك الماضي السحيق الذي أقسمت بذاتها على دفنه تحت أقدام نجاحها الاستثماري.يقف دانيال قبالتها بثبات، يتابع بتركيز تحركات عينيها اللوزيتين والدقيقة، ويرصد هدوءها المريب الذي يسبق العواصف عادة، ثم ينطق بصوت خفيض محمل بالحرص والتوجس:— "تتبعنا الاتصال والتسريب الرقمي الذي وصل إلى السيرفر الداخلي قبل قليل... ميرنا لم تكتفِ بالتواري في الظل طوار السنوات الثلاث الماضية يا ياسمين. إنها تحاول استغلال حالة التوتر الشديدة والشرخ القائم حالياً بينكِ وبين لؤي المنشاوي لتنسج مؤامرة جديدة وتستعمل ذات الطعم القديم."ترتفع يد ياسمين ببطء شديد، وتلمس بأطراف أصابعها الدقيقة ملامح وجهها في الصورة المغبرة. الفتاة التي كانت ترتدي ثياباً واسعة وبسيطة، تخبئ أحلامها وطموحاتها الكبيرة خلف خجلها المفرط وسذاجتها الفطرية، وتنظر إلى لؤي المنشاوي في الكادر بعينين تفيضان شغفاً، كأنه كان يمثل لها المجرة بأكم
الساعة تشير إلى 5:12 فجراً...المطر الغزير ما زال يضرب زجاج نوافذ شقة "البنتهاوس" الفاخرة في الطابق الخمسين بقسوة متواصلة، محولاً أضواء المدينة الخارجيّة إلى بقع ضبابية متلاطمة. كان كل شيء داخل الصالة المترامية الأطراف غارقاً في ظلام دامس وسكون شتوي حاد، إلا من التوهج الأزرق البارد الصادر عن شاشة التلفاز التفاعلية المعلقة على الجدار الرئيسي.ينساب صوت مذيع الأخبار الاقتصادية بنبرة رسمية ومكتومة:"...وفي تطور دراماتيكي مفاجئ شهدته أسواق المال قبيل بزوغ الفجر، نجحت مجموعة 'أورورا' الاستثمارية في التصدي لأكبر وأشرس هجوم سيبراني في تاريخ البورصة الحديثة، وذلك تحت القيادة المباشرة للرئيسة التنفيذية ياسمين الهاشمي. ومصادرنا التكنولوجية تؤكد أن الهجوم العنيف تم احتواؤه وتفكيك شفراته بالكامل خلال 13 دقيقة فقط..."ضغطة حادة وصوت ارتطام جاف!تحطم جهاز التحكم عن بُعد على الحائط المرمري وتناثر إلى شظايا بلاستيكية صغيرة.يقف لؤي المنشاوي في منتصف الصالة كالشبح المظلم. قميصه الأبيض العريض مبلل بالكامل بماء المطر، قطرات الماء تقطر من أطراف شعره الأسود وتتساقط على السجاد الثمين، وعيناه... لأول مرة في







