Home / التشويق / الإثارة / عرش النيل والقلوب / الفصل الحادي عشر: صرخة النسر في بهو الأعمدة

Share

الفصل الحادي عشر: صرخة النسر في بهو الأعمدة

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-05 06:29:47

لم تكن ابتسامة الأمير كامس قد اختفت تمامًا عن وجهه عندما رأى البريق الفضي للخنجر المستل من بين طيات ثوب الزفاف الذهبي. شُلّت حركته لكسر من الثانية من فرط المفاجأة؛ فلم يكن يتخيل أبداً أن ابنة الكاهن الأكبر، التي ظن أنه كسر كبرياءها، تملك الشجاعة لتصبح قاتلته أمام مذبح الآلهة.

اندفعت نفر بكل ما أوتيت من عزم، ووجهت نصل الخنجر المسموم نحو صدره مباشرة. ولكن في اللحظة الأخيرة، تدارك الكاهن الأكبر حور محب الأمر بحكم غريزته الصارمة؛ فمد يده القوية وقبض على معصم ابنته بعنف، مما انحرف بالطعنة عن قلب كامس لتخترق كتفه الفاخر المزدان بالذهب، ممزقةً رداءه الملكي ومحدثةً جرحاً سطحياً تدفقت منه الدماء.

صرخ كامس رعباً وغضباً، متراجعاً عدة خطوات وهو يمسك بكتفه المدمى، بينما ألقى حور محب بابنته أرضاً بقسوة، ليتطاير تاج النسر الذهبي من فوق رأسها وينساب شعرها الأسود على الأرض الرخامية.

"خائنة ومجنونة!" صرخ كامس بصوت حاد ملأ أرجاء المعبد، والتفت نحو حراسه الشخصيين الذين وقفوا مصدومين: "ماذا تنتظرون؟ اقطعوا رأس هذه الأفعى فوراً! لا يهم إن كانت ابنة الكاهن الأكبر، لقد حاولت اغتيال ملك مصر المستقبلي!".

ارتجفت ميريت وسقطت على ركبتيها تبكي، بينما تقدم ثلاثة من حراس الأمير الأشداء مشهرين سيوفهم نحو نفر المستلقية على الأرض. رفعت نفر رأسها وعيناها تتحديان الموت، وقالت بصوت قوي رددته أعمدة المعبد الشاهقة: "اقتلوني.. لكن اعلم يا كامس أن عرشك ملطخ بالدم، وأن الآلهة لن تبارك لخائن مثلك!".

وقبل أن تلمس نصال السيوف جسد نفر النحيل، اهتزت الأرض فجأة تحت أقدام الحاضرين. دوى صوت ارتطام هائل زلزل البوابات البرونزية الضخمة للمعبد، وتلاه صراخ حراس البوابة الخارجيين.

وانشقت البوابات العتيقة بعنف لتتطاير شظايا الخشب والبرونز، ودخل من بين الغبار كائن أشبه بإله الحرب. إنه آني.

كان درعه النحاسي ملطخاً بماء النيل ودماء جرحه القديم الذي انفتح مجدداً جراء المجهود، وسيفه المقوس "الخوبش" يلمع في يده كأنه قطعة من البرق. وخلفه اندفعت فرقة من صفوة رماة وحملة سيوف الفرقة الذهبية، يتقدمهم العملاق خوفو ببلطته الحربية التي كانت تقطر من دماء حراس كامس الذين حاولوا التصدي لهم بالخارج.

"ابتعدوا عنها أيها الكلاب!" زأر آني بصوت رعدي هز ثريات المعبد وصدم قلوب الخونة.

التفت الحراس الثلاثة نحو مصدر الصوت برعب، لكن آني لم يمنحهم وقتاً للتفكير. اندفع بسرعة الفهد، وبضربة دائرية خارقة من سيفه المقوس، أطاح بسيف الحرس الأول وشق صدره، ثم التفت بخفة ليغرس كعب سيفه في وجه الحارس الثاني ليقع أرضاً فاقداً الوعي. أما الحارس الثالث، فقد تكفل به خوفو الذي شطره ببلطته بضربة واحدة أذهلت الكهنة الحاضرين.

ركض آني نحو نفر، وانحنى على ركبتيه واضعاً سيفه حامياً فوق رأسها، وأمسك بكتفها بيده الأخرى وعيناه تفيضان بلهفة وخوف لم يعهدهما جندي قط: "نفر! هل أنتِ بخير؟ أعتذر لأنني تأخرت.. أعتذر يا غزالة قلبي".

نظرت إليه نفر، ولم تصدق عيناها؛ شعرت أن الروح قد ردت إلى جسدها بعد ممات. لمست وجهه الملطخ بالغبار بدموع الفرح وقالت: "لقد جئت.. كنت أعلم أن النيل لن يخذلنا!".

نهض آني واثقاً، وجذب نفر خلف ظهره ليحميها بجسده، ووجه نصل سيفه مباشرة نحو الأمير كامس الذي كان يرتجف وراء حاشيته، ووجهه شاحب كالموتى.

"آني! أيها الصعلوك المتمرد!" هدر الكاهن الأكبر حور محب بغضب أعمى، وهو يتقدم بخطوات متثاقلة: "كيف تجرؤ على اقتحام بيت الآلهة بالسلاح وسفك الدماء؟ هذا تدنيس يستوجب لعنة أبدية! حراس المعبد، اقبضوا على هذا الخائن!".

لكن حراس المعبد لم يتحركوا؛ فقد أدركوا أن رجال الفرقة الذهبية يحيطون بكل زاوية في البهو، وأن كفة القوة قد انقلبت تماماً.

تقدم آني خطوة بصلابة، ونظر إلى الكاهن الأكبر ثم إلى الأمير كامس، وقال بصوت حازم سمعه كل كاهن وجندي في القاعة: "أنا لست خائناً يا حور محب. الخائن هو من دبر كميناً لجيش فرعون في كوش، الخائن هو من حاول تسميم عقل الملك، ومن أراد سرقة عرش مصر العظيمة بالخديعة والمؤامرات. لقد عدت بجيشي، ومعي أدلة وخريطة مختومة بختم الأمير كامس تثبت خيانته العظمى مع متمردي الجنوب!".

انحبست الأنفاس في القاعة، وتراجعت حاشية كامس من حوله، ليجد الأمير نفسه وحيداً في مواجهة سيف آني وغضب الجنود.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عرش النيل والقلوب   114

    مع أولى تبارير الصباح وبزوغ خيوط الفجر التالية، التي بدأت تنسل برقة أثيرية بالغة لتنساب عبر النوافذ الرخامية الشاهقة، بدأت سماء العاصمة العتيقة "طيبة" تتلون رويداً رويداً باللون الذهبي القاني الممتزج بحمرة المجد والرفعة الشاملة. كان ذلك الضياء المنبثق أشبه بمداد إلهي يطرد بقايا ليل طويل من الخطوب الكونية والحروب الجيوسياسية الطاحنة التي كادت تعصف بأركان المعمورة. في هذا الإطار الزمني الساحر، حيث السكون يلف وادي النيل المقدس، كان الملكان العاشقان يغطان في نوم دافئ، عميق، ومفعم بالسكينة المطلقة التي لفت أركان المخدع الإمبراطوري الفسيح، بعد ليلة تلاشت فيها حسابات العروش وحل مكانها نداء القلوب والأجساد. لقد تطهر هذا المحراب الملكي العظيم بالكامل بنيران الشغف المتقد، وجمر الالتصاق الحار، والانتصار النهائي الساحق الذي بدد أوهام الفناء الجيولوجي ومكائد السحر الأسود التي حاكها الطغاة في أقاصي الأرض؛ فاستقرت أذرعهما النحاسية والخمرية متشابكة بإحكام شديد كأنه قيد زمني أبدي صِيغ في معامل الأقدار لئلا ينفصم أو يزول عبر العصور. كان العناق في نومهما تجسيداً لوحدة المصير، فالملك المحارب والملكة ال

  • عرش النيل والقلوب   115

    تقدم كبير كهنة آمون بخطوات وقورة بطيئة، تملؤها المهابة الجنائزية العتيقة والوقار الديني الصارم الذي يليق بجلال الملوك والآلهة السائرة على الأرض. كانت كل حركة من حركاته محسوبة بميزان المعابد القديمة، وصوت صنادل الجلد الفاخرة يتردد في ردهات معبد الكرنك الشاهق كأنه صدى الزمان نفسه. حمل بين يديه المرتعشتين—رعشة الخشوع والهيبة لا ريب الكبر—التاج المزدوج للإمبراطورية الفرعونية العظمى، تاج "بشينت" الشهير، رمز المشرق والمغرب، ومجمع تيجان البحار السبعة، والرمز السرمدي للسيادة المطلقة على قارات الوجود بأسره التي دانت لوادي النيل الخالد. وبجلال أسطوري حابس للأنفاس، وضعه فوق رأس الملك الباسل "آني"، الذي نُحتت بنيته النحاسية الصلبة من صخر الجسارة الفرعونية الشامخة، ليتلاحم الذهب الخالص مع كبرياء المحارب الذي صاغ النصر بنصل سيفه.ثم استدار كبير الكهنة بوقار كنسي مهيب، عاكسًا تراتيل الآلهة التي همست بها الشفاه في المحاريب المظلمة، ليتوج المليكة الفذة ولبؤة طيبة الجسورة "نفر" بتاج اللوتس الذهبي الخاص بالملكات العظميات. كان التاج مرصعًا بعيون الصقر، المنحوتة من أندر الأحجار الكريمة الكاحلة والزمرد الب

  • عرش النيل والقلوب   116

    لم تكن تبارير الضياء التي بدأت تلوح في أفق العاصمة العتيقة "طيبة" مجرد إعلانٍ عن ميلاد يومٍ جديد، بل كانت غسقاً أثيرياً يطوي تحت ظلاله الممتدة أشرس المعارك الجيوسياسية والعسكرية التي شهدها وادي النيل الخالد. في تلك الساعات الساحرة، المفعمة بعبير الانتصار السرمدي الطاغي الذي طال انتظاره، كانت قاعات البلاط الملكي وممراته الصخرية الشاهقة الصامتة تشهد تحولاً من نوع آخر؛ تحولاً ينبذ صرامة السيف والحيلة العسكرية ليعود إلى النبع الأول للوجود البشري: العاطفة الجارفة الشرسة والشبق الإمبراطوري الذي لا يقهر.لم تكن المليكة الإمبراطورية الفذة، "نفر"، في تلك اللحظات التاريخية الاستثنائية، ترتدي الأثواب الرسمية الخشنة المصنوعة من حرير القرطاس الموشى بخيوط الذهب والفضة، ذلك الرداء الأسطوري الصارم الذي طالما قيد حركتها الدلالية، وحبس أنفاسها الأنثوية خلف جدران قاعات العمليات السرية، وخلال جلسات البلاط والمشاورات الحربية المعقدة مع كبار القادة والوزراء. لقد تخلت عن تلك الهيبة الظاهرية المصطنعة، واستسلمت بالكامل وجذرياً، بوجدان متقد ولوعة أنثوية طاغية، لجبروت عاطفتها الجارفة ونيران وجدها الحارق.أدركت

  • عرش النيل والقلوب   113

    لم يكن الصمت الذي خيّم على أركان المخدع الملكي العظيم سوى مقدمة أزلية لاندلاع إعصار عاطفي جارف ومكتوم طوال فصول الاغتراب الشاق ومطاردة الأعداء وراء التخوم؛ وبحركة خاطفة مشحونة بعنفوان الفاتحين، أطبق الملك الباسل "آني" ساعديه القويين، الضخام، والمفتولين—اللذين طالما سحقا قلاع أباطرة المايا والإنكا وأخرسا طبول الحرب الشاملة—حول خصرها النحيل الغض. جذب الملك جسدها الفتان الفوّاح بنعومة قاتلة نحوه، بعنفوان حارق ووحشية عاشقة ذابت وتلاشت فيها، عند تلك العتبة اللاهبة، كل قسوة الحروب الطاحنة، ومرارة الاغتراب، ووحشة المسافات الصماء التي كادت تعصف بوجدان المملكة بأسره.الجمت الأجساد الملكية المفتولة والناعمة في إلتحام وثيق وحارق؛ ليلتصق صدر المليكة "نفر" الممشوق، النابض بدقات الحب والولاء، بكامل صدره العاري الساخن، المشتعل بنيران الحمى والشهوة الخالصة الممتزجة بنوازع الامتلاك الأبدي الشامل الذي لا يرحم حصون البعاد. التفت أطرافهما الساخنة واندغمت تقاطيعهما الملوحة بوهج المشاعل في عناق أثيري شديد العمق، غامق اللوعة، أخرس لسان الكلام لشدة ما فيه من شبق قاصف واشتعال عاطفي جارف جرف وراءه كل حدود المن

  • عرش النيل والقلوب   112

    على الشرفات الشاهقة والمنيعة للقصر الملكي الأعظم في "طيبة"، تلك الشرفات الجرانيتية التي تطل بجلاء على مجرى النهر الخالد والوديان المستسلمة، كانت المليكة الفذة "نفر" تقف بكامل جلالها الأسطوري الفاخر وسحر أنوثتها الفتّانة الآسرة التي حيرت عقول وألباب أباطرة الوجود وجبابرة الأمم. فرغم الإدارة الاستخباراتية الشاقة والأعصاب المشدودة لفك شفرات المعارك الجيولوجية والفلكية الكبرى، ورغم السهر الطويل لتأمين الجبهة الداخلية للمملكة من غدر الأفاعي وسحرة الظلام، إلا أن مظهرها الساحر النادر لم تعتره ذرة من الإرهاق؛ بل كان يشع في ليل طيبة بنور البعث المقدس وظلال النصر الأبدي الخالد الذي تعمد بالدم والكتان.ارتدت المليكة رداءً ملكياً فاخراً للغاية، نُسج خصيصاً لهذه الليلة المصيرية من أنقى خيوط الكتان الشفاف الموشى بحبات الفيروز والذهب النقي؛ كان الثوب ينساب كالغسق الرقيق ويلتصق بنعومة قاتلة بمنحنيات قوامها الفرعوني المثير، ليفضح بجرأة آسرة ودلال أنثوي لاهب لا تملك قوى الأرض مقاومته سحر بشرتها الخمرية الساخنة وروعة جسدها الممشوق الأخّاذ، الذي تعافى بالكامل من مخاض الأمومة ليزداد فتنة، روعة، وإثارة وجا

  • عرش النيل والقلوب   111

    الجزء الرابع عشر: موكب النسور المظفرة وفجر السلام العالمي العظيمالفصل الأول: بشرى خوفو واستسلام التيجان العالميةمع خيوط الفجر الأولى التي بدأت تلون سماء الجنوب البعيد باللون الذهبي القاني الممتزج بحمرة المجد والرفعة، كانت الفيالق المصرية المظفرة قد أكملت تأمين منطقة شلالات النيل بالكامل، وفرضت طوقاً دفاعياً صخرياً منيعاً لا تخترقه أفاعي الغدر، معلنةً التدمير الساحق والكامل لآخر بقايا جيوش إمبراطورية الإنكا البربرية وتحويل قلاعهم ومعداتهم إلى ركام يدفن تحت الثرى. ولكن، مع اكتمال معالم هذا النصر الجيولوجي والتكتوني الفذ وتثبيت خطوط الدفاع الطبوغرافية الأخيرة لحماية مجرى النهر الخالد، تبدلت أجواء الترقب العسكري فجأة؛ إذ تقدم العملاق الباسل "خوفو" بخطوات متزنة ومهيبة وثقيلة، وبحوزته التقرير الأمني الاستخباراتي النهائي والأكثر خطورة الموجه مباشرة إلى التاج الإمبراطوري.وبدلاً من ظهور نذر حرب جديدة أو بزوغ عدو بربري آخر من وراء حجب الأفق، حمل التقرير السري بين طياته بشرى استخباراتية إستراتيجية عظمى زلزلت قاعة القيادة بفرحة عارمة؛ حيث أعلنت كافة ممالك وإمبراطوريات المشرق والمغرب قاطبة، دون

  • عرش النيل والقلوب   110

    وفي ذات الساعات الشاقة والمصيرية الملوحة بنذر الفجر الوشيك، كان الملك الباسل "آني" في خيمته الإمبراطورية الشاهقة المنتصبة بصلابة عند شلالات الجنوب العاتية. كانت الخيمة مضاءة بوهج الشموع العطرية الخافتة التي ألقت ظلالاً مهيبة فوق جدران الكتان الكثيف، حيث تخلص الملك لتوّه من درعه النحاسي الثقيل الملو

  • عرش النيل والقلوب   109

    على جبهة القيادة الإستراتيجية والاستخباراتية الشامخة في عاصمة الملك العتيقة "طيبة"، كانت المليكة الفذة "نفر" تتابع بدقة متناهية أنفاس وأنغام المعركة الجيولوجية والتكتونية الأخيرة؛ ورغم جلال أنوثتها الطاغية المفرطة وكبريائها الأسطوري النادر الذي كان يسطع في أرجاء القصر كإلهة البعث والخلود، إلا أن ذك

  • عرش النيل والقلوب   108

    امتدت الأشواق الأثيرية الجارفة العابرة للمسافات برقة بالغة وجنون لاهب صهر كل حواجز الواقع الجغرافي بين طيبة والشلالات؛ وبحركة وجدانية مشحونة بالشبق الخالص والامتلاك المطلق، انزاح حزام رداء الكتان الأبيض الشفاف عن كتفيها العاريتين الحاميتين، لينساب القماش الناعم خفيفاً كالماء الجاري المتهادي فوق منح

  • عرش النيل والقلوب   107

    في مخدع طيبة الدافئ، المترع بالهدوء الموشى بأنفاس الترقب، كانت المليكة "نفر" قد اغتسلت بعناية فائقة بزيوت المر النقي والصندل الملكي الحارة، مستسلمةً لطقوس الطهر والجمال التي تليق بمليكة تحكم وجدان الزمان. تخلصت نهائياً من أثواب البلاط الرسمية الثقيلة والخشنة، لتستعيد بكامل عنفوانها سحر أنوثتها الفت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status