Home / التشويق / الإثارة / عرش النيل والقلوب / الفصل العاشر: خنجر في ثوب الزفاف

Share

الفصل العاشر: خنجر في ثوب الزفاف

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-04 20:59:35

أشرقت شمس يوم احتفال حورس، ولفت طيبة حلة من البهجة الزائفة. كانت الشوارع المؤدية إلى معبد آمون الأكبر تكتظ بآلاف العامة الذين جاءوا ليشهدوا زواج الأمير كامس من الجميلة نفر، ابنة الكاهن الأكبر. كانت الوجوه مستبشرة بالحدث، لكن خلف جدران المعبد العالية، كان الجو أثقل من حجارة الأهرامات.

داخل غرفتها الملكية، كانت نفر تقف كتمثال من الرخام الناعم. كانت وصيفاتها يضعن اللمسات الأخيرة على مظهرها؛ ارتدت ثوب زفاف أسطوريًا من الكتان الشفاف المنسوج بخيوط الذهب الخالص، ووضعت على رأسها تاجًا مرصعًا بنسر ذهبي عريض، وحول عنقها استقرت قلادة الملكات العريضة من الفيروز والزمرد. بدت وكأنها إلهة هبطت من السماء، لكن وجهها كان يخلو من أي تعبير، وعيناها الكاحلتان تحدقان في الفراغ بصلابة مرعبة.

"مولاتي.. لقد حان الوقت، الأمير كامس ووالدكِ بانتظاركِ في بهو الأعمدة الكبرى،" همست ميريت بصوت يرتجف، وهي تقترب لتضع الوشاح الحريري الطويل على كتفيها.

التفتت نفر نحو ميريت، وتأكدت أن الوصيفات الأخريات قد ابتعدن، ثم مدت يدها ببطء نحو حزام ثوبها الداخلي، وتفقدت ملمس الخنجر الفضي الصغير ذي المقبض العاجي الذي هرّبته لها ميريت سراً. كان الخنجر حاداً ومسموماً بمادة من أسرار المعبد.

"هل هناك أي أنباء من المرسى؟ هل وصل رد من الجنوب؟" همست نفر بنبرة تفيض بالقلق المكتوم.

نكسّت ميريت رأسها والحزن يعصر قلبها: "لا شيء يا مولاتي.. النهر هادئ، ولم تصل أي سفينة حربية من الجنوب حتى الآن. يبدو أن.. أن الوقت قد فات".

أغلقت نفر عينيها لثانية واحدة، وضغطت بيدها على موضع الخنجر، ثم رفعت رأسها بكبرياء وقالت بصوت حاسم: "لم يفت الوقت بعد. إذا لم يصل سيف آني ليقطع رقبة هذا الخائن، فإن خنجري سيفعل. لن أكون لكامس أبداً، حتى لو كان الثمن أن ألحق بـ آني إلى العالم الآخر الليلة".

وفي تلك الأثناء، كانت المقادير تتحرك بسرعة جنونية فوق مياه النيل. كانت ثلاث سفن حربية خفيفة، تنتمي للفرقة الذهبية، تشق مياه النهر العظيم كالسلاحف السريعة الغاضبة. الجنود على متن السفن كانوا يتبادلون الأدوار على المجاذيف دون توقف ليل نهار، حتى تيبست أيديهم وسالت منها الدماء.

في مقدمة السفينة الأولى، كان آني يقف كالصخرة المتحدية. كان جرح كتفه ينزف خفية تحت درعه نتيجة المجهود، لكنه لم يهتم. كانت عيناه مسمرتين نحو الشمال، حيث بدأت قمم مسلات طيبة الشاهقة تلوح في الأفق البعيد مع غسق السهام.

"الرياح ضدنا يا صاحبي، والجنود ينهارون من التعب!" صاح خوفو وهو يمسح العرق والدماء عن جبينه، بعد أن شارك بنفسه في التجديف لرفع المعنويات. "نحتاج إلى نصف ساعة أخرى على الأقل للوصول إلى مرسى المعبد الإلهي!".

"لا نملك هذه النصف ساعة يا خوفو!" صرخ آني وهو يستل سيفه "الخوبش" المقوس بيده السليمة، والتمعت عيناه بنور الغضب. "إذا انهار الجنود، فذكرهم بأن عِرض الجيش وشرف مصر يُنتهك الآن في طيبة! دعهم يجدفون بأرواحهم لا بأيديهم! لن أسمح لكامس أن يلمس نفر!".

دقت طبول المعبد الكبرى، وانفتحت البوابات البرونزية لبهو الأعمدة المظلم، حيث اصطف الكهنة بحمل مشاعل الضوء الأزرق، مرتلين ترانيم الزواج العتيقة. تقدم الأمير كامس بملابسه الفريرية الفاخرة، والتاج الصغير يزين جبينه، وعلى وجهه ابتسامة النصر المطلق. وبجانبه وقف الكاهن الأكبر حور محب بملامحه الحجرية الوقورة.

دخلت نفر الممر بخطوات وئيدة، وثوبها الذهبي يجر خلفها. التقت عيناها بعيني كامس الجشعتين، فشعرت ببرودة الخنجر تحت ثوبها تمنحها دفء الشجاعة.

تقدم كامس وأمسك بعباءتها، وقادها نحو المذبح المقدّس حيث كان فرعون مصر المريض، ميرنبرع، يجلس على كرسي متحرك وهو في حالة شبه غيبوبة، لا يعي ما يدور حوله بالكامل.

رفع الكاهن الأكبر يديه وبدأ يتلو العهد المقدس: "أمام الآلهة العظام، وبحضور فرعون مصر، هل تقبلين أيتها العذراء نفر، ابنة الكهنوت، بالأمير كامس زوجاً وملكاً وشريكاً للعرش؟".

ساد صمت رهيب في القاعة الكبرى، وحبس الجميع أنفاسهم بانتظار جوابها. التفت كامس نحوها بابتسامة خبيثة، بينما وضعت نفر يدها ببطء تحت وشاحها الذهبي، وقبضت أصابعها على مقبض الخنجر العاجي. نظرت في عينيه وقالت بصوت واضح وهادئ هز جدران المعبد: "الآلهة لا تقبل بزواج بني على الخيانة يا كامس.. وجوابي لك هو هذا!".

واستلت الخنجر بسرعة البرق، ورفعته في الهواء لتغرسه في قلب الأمير المذهول!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عرش النيل والقلوب   114

    مع أولى تبارير الصباح وبزوغ خيوط الفجر التالية، التي بدأت تنسل برقة أثيرية بالغة لتنساب عبر النوافذ الرخامية الشاهقة، بدأت سماء العاصمة العتيقة "طيبة" تتلون رويداً رويداً باللون الذهبي القاني الممتزج بحمرة المجد والرفعة الشاملة. كان ذلك الضياء المنبثق أشبه بمداد إلهي يطرد بقايا ليل طويل من الخطوب الكونية والحروب الجيوسياسية الطاحنة التي كادت تعصف بأركان المعمورة. في هذا الإطار الزمني الساحر، حيث السكون يلف وادي النيل المقدس، كان الملكان العاشقان يغطان في نوم دافئ، عميق، ومفعم بالسكينة المطلقة التي لفت أركان المخدع الإمبراطوري الفسيح، بعد ليلة تلاشت فيها حسابات العروش وحل مكانها نداء القلوب والأجساد. لقد تطهر هذا المحراب الملكي العظيم بالكامل بنيران الشغف المتقد، وجمر الالتصاق الحار، والانتصار النهائي الساحق الذي بدد أوهام الفناء الجيولوجي ومكائد السحر الأسود التي حاكها الطغاة في أقاصي الأرض؛ فاستقرت أذرعهما النحاسية والخمرية متشابكة بإحكام شديد كأنه قيد زمني أبدي صِيغ في معامل الأقدار لئلا ينفصم أو يزول عبر العصور. كان العناق في نومهما تجسيداً لوحدة المصير، فالملك المحارب والملكة ال

  • عرش النيل والقلوب   115

    تقدم كبير كهنة آمون بخطوات وقورة بطيئة، تملؤها المهابة الجنائزية العتيقة والوقار الديني الصارم الذي يليق بجلال الملوك والآلهة السائرة على الأرض. كانت كل حركة من حركاته محسوبة بميزان المعابد القديمة، وصوت صنادل الجلد الفاخرة يتردد في ردهات معبد الكرنك الشاهق كأنه صدى الزمان نفسه. حمل بين يديه المرتعشتين—رعشة الخشوع والهيبة لا ريب الكبر—التاج المزدوج للإمبراطورية الفرعونية العظمى، تاج "بشينت" الشهير، رمز المشرق والمغرب، ومجمع تيجان البحار السبعة، والرمز السرمدي للسيادة المطلقة على قارات الوجود بأسره التي دانت لوادي النيل الخالد. وبجلال أسطوري حابس للأنفاس، وضعه فوق رأس الملك الباسل "آني"، الذي نُحتت بنيته النحاسية الصلبة من صخر الجسارة الفرعونية الشامخة، ليتلاحم الذهب الخالص مع كبرياء المحارب الذي صاغ النصر بنصل سيفه.ثم استدار كبير الكهنة بوقار كنسي مهيب، عاكسًا تراتيل الآلهة التي همست بها الشفاه في المحاريب المظلمة، ليتوج المليكة الفذة ولبؤة طيبة الجسورة "نفر" بتاج اللوتس الذهبي الخاص بالملكات العظميات. كان التاج مرصعًا بعيون الصقر، المنحوتة من أندر الأحجار الكريمة الكاحلة والزمرد الب

  • عرش النيل والقلوب   116

    لم تكن تبارير الضياء التي بدأت تلوح في أفق العاصمة العتيقة "طيبة" مجرد إعلانٍ عن ميلاد يومٍ جديد، بل كانت غسقاً أثيرياً يطوي تحت ظلاله الممتدة أشرس المعارك الجيوسياسية والعسكرية التي شهدها وادي النيل الخالد. في تلك الساعات الساحرة، المفعمة بعبير الانتصار السرمدي الطاغي الذي طال انتظاره، كانت قاعات البلاط الملكي وممراته الصخرية الشاهقة الصامتة تشهد تحولاً من نوع آخر؛ تحولاً ينبذ صرامة السيف والحيلة العسكرية ليعود إلى النبع الأول للوجود البشري: العاطفة الجارفة الشرسة والشبق الإمبراطوري الذي لا يقهر.لم تكن المليكة الإمبراطورية الفذة، "نفر"، في تلك اللحظات التاريخية الاستثنائية، ترتدي الأثواب الرسمية الخشنة المصنوعة من حرير القرطاس الموشى بخيوط الذهب والفضة، ذلك الرداء الأسطوري الصارم الذي طالما قيد حركتها الدلالية، وحبس أنفاسها الأنثوية خلف جدران قاعات العمليات السرية، وخلال جلسات البلاط والمشاورات الحربية المعقدة مع كبار القادة والوزراء. لقد تخلت عن تلك الهيبة الظاهرية المصطنعة، واستسلمت بالكامل وجذرياً، بوجدان متقد ولوعة أنثوية طاغية، لجبروت عاطفتها الجارفة ونيران وجدها الحارق.أدركت

  • عرش النيل والقلوب   113

    لم يكن الصمت الذي خيّم على أركان المخدع الملكي العظيم سوى مقدمة أزلية لاندلاع إعصار عاطفي جارف ومكتوم طوال فصول الاغتراب الشاق ومطاردة الأعداء وراء التخوم؛ وبحركة خاطفة مشحونة بعنفوان الفاتحين، أطبق الملك الباسل "آني" ساعديه القويين، الضخام، والمفتولين—اللذين طالما سحقا قلاع أباطرة المايا والإنكا وأخرسا طبول الحرب الشاملة—حول خصرها النحيل الغض. جذب الملك جسدها الفتان الفوّاح بنعومة قاتلة نحوه، بعنفوان حارق ووحشية عاشقة ذابت وتلاشت فيها، عند تلك العتبة اللاهبة، كل قسوة الحروب الطاحنة، ومرارة الاغتراب، ووحشة المسافات الصماء التي كادت تعصف بوجدان المملكة بأسره.الجمت الأجساد الملكية المفتولة والناعمة في إلتحام وثيق وحارق؛ ليلتصق صدر المليكة "نفر" الممشوق، النابض بدقات الحب والولاء، بكامل صدره العاري الساخن، المشتعل بنيران الحمى والشهوة الخالصة الممتزجة بنوازع الامتلاك الأبدي الشامل الذي لا يرحم حصون البعاد. التفت أطرافهما الساخنة واندغمت تقاطيعهما الملوحة بوهج المشاعل في عناق أثيري شديد العمق، غامق اللوعة، أخرس لسان الكلام لشدة ما فيه من شبق قاصف واشتعال عاطفي جارف جرف وراءه كل حدود المن

  • عرش النيل والقلوب   112

    على الشرفات الشاهقة والمنيعة للقصر الملكي الأعظم في "طيبة"، تلك الشرفات الجرانيتية التي تطل بجلاء على مجرى النهر الخالد والوديان المستسلمة، كانت المليكة الفذة "نفر" تقف بكامل جلالها الأسطوري الفاخر وسحر أنوثتها الفتّانة الآسرة التي حيرت عقول وألباب أباطرة الوجود وجبابرة الأمم. فرغم الإدارة الاستخباراتية الشاقة والأعصاب المشدودة لفك شفرات المعارك الجيولوجية والفلكية الكبرى، ورغم السهر الطويل لتأمين الجبهة الداخلية للمملكة من غدر الأفاعي وسحرة الظلام، إلا أن مظهرها الساحر النادر لم تعتره ذرة من الإرهاق؛ بل كان يشع في ليل طيبة بنور البعث المقدس وظلال النصر الأبدي الخالد الذي تعمد بالدم والكتان.ارتدت المليكة رداءً ملكياً فاخراً للغاية، نُسج خصيصاً لهذه الليلة المصيرية من أنقى خيوط الكتان الشفاف الموشى بحبات الفيروز والذهب النقي؛ كان الثوب ينساب كالغسق الرقيق ويلتصق بنعومة قاتلة بمنحنيات قوامها الفرعوني المثير، ليفضح بجرأة آسرة ودلال أنثوي لاهب لا تملك قوى الأرض مقاومته سحر بشرتها الخمرية الساخنة وروعة جسدها الممشوق الأخّاذ، الذي تعافى بالكامل من مخاض الأمومة ليزداد فتنة، روعة، وإثارة وجا

  • عرش النيل والقلوب   111

    الجزء الرابع عشر: موكب النسور المظفرة وفجر السلام العالمي العظيمالفصل الأول: بشرى خوفو واستسلام التيجان العالميةمع خيوط الفجر الأولى التي بدأت تلون سماء الجنوب البعيد باللون الذهبي القاني الممتزج بحمرة المجد والرفعة، كانت الفيالق المصرية المظفرة قد أكملت تأمين منطقة شلالات النيل بالكامل، وفرضت طوقاً دفاعياً صخرياً منيعاً لا تخترقه أفاعي الغدر، معلنةً التدمير الساحق والكامل لآخر بقايا جيوش إمبراطورية الإنكا البربرية وتحويل قلاعهم ومعداتهم إلى ركام يدفن تحت الثرى. ولكن، مع اكتمال معالم هذا النصر الجيولوجي والتكتوني الفذ وتثبيت خطوط الدفاع الطبوغرافية الأخيرة لحماية مجرى النهر الخالد، تبدلت أجواء الترقب العسكري فجأة؛ إذ تقدم العملاق الباسل "خوفو" بخطوات متزنة ومهيبة وثقيلة، وبحوزته التقرير الأمني الاستخباراتي النهائي والأكثر خطورة الموجه مباشرة إلى التاج الإمبراطوري.وبدلاً من ظهور نذر حرب جديدة أو بزوغ عدو بربري آخر من وراء حجب الأفق، حمل التقرير السري بين طياته بشرى استخباراتية إستراتيجية عظمى زلزلت قاعة القيادة بفرحة عارمة؛ حيث أعلنت كافة ممالك وإمبراطوريات المشرق والمغرب قاطبة، دون

  • عرش النيل والقلوب   110

    وفي ذات الساعات الشاقة والمصيرية الملوحة بنذر الفجر الوشيك، كان الملك الباسل "آني" في خيمته الإمبراطورية الشاهقة المنتصبة بصلابة عند شلالات الجنوب العاتية. كانت الخيمة مضاءة بوهج الشموع العطرية الخافتة التي ألقت ظلالاً مهيبة فوق جدران الكتان الكثيف، حيث تخلص الملك لتوّه من درعه النحاسي الثقيل الملو

  • عرش النيل والقلوب   109

    على جبهة القيادة الإستراتيجية والاستخباراتية الشامخة في عاصمة الملك العتيقة "طيبة"، كانت المليكة الفذة "نفر" تتابع بدقة متناهية أنفاس وأنغام المعركة الجيولوجية والتكتونية الأخيرة؛ ورغم جلال أنوثتها الطاغية المفرطة وكبريائها الأسطوري النادر الذي كان يسطع في أرجاء القصر كإلهة البعث والخلود، إلا أن ذك

  • عرش النيل والقلوب   108

    امتدت الأشواق الأثيرية الجارفة العابرة للمسافات برقة بالغة وجنون لاهب صهر كل حواجز الواقع الجغرافي بين طيبة والشلالات؛ وبحركة وجدانية مشحونة بالشبق الخالص والامتلاك المطلق، انزاح حزام رداء الكتان الأبيض الشفاف عن كتفيها العاريتين الحاميتين، لينساب القماش الناعم خفيفاً كالماء الجاري المتهادي فوق منح

  • عرش النيل والقلوب   107

    في مخدع طيبة الدافئ، المترع بالهدوء الموشى بأنفاس الترقب، كانت المليكة "نفر" قد اغتسلت بعناية فائقة بزيوت المر النقي والصندل الملكي الحارة، مستسلمةً لطقوس الطهر والجمال التي تليق بمليكة تحكم وجدان الزمان. تخلصت نهائياً من أثواب البلاط الرسمية الثقيلة والخشنة، لتستعيد بكامل عنفوانها سحر أنوثتها الفت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status