Teilen

7

last update Veröffentlichungsdatum: 08.04.2026 06:00:03

​رحل ضياء قبل أن تتنفس الشمس ضياءها، مخلفاً وراءه صمتاً مطبقاً في أرجاء المنزل الصغير.

حين استيقظت ليندا، وجدت الفراغ بانتظارها، فأدركت أن رحلة استقلالها الحقيقية قد بدأت الآن.

خرجت إلى الحديقة حيث استقبلتها القطة الصغيرة بمواءٍ حانٍ، وكأنها ترحب بصاحبتها الجديدة.

انغمست ليندا في مداعبتها تحت أشعة الصباح الدافئة، ثم استكانت على مقعدٍ خشبي تحتسي قهوتها المرة وهي تغرق في صفحات كتابها، بينما غطت القطة في نومٍ عميق بين أحضانها.

​قطع خلوتها صوت العمة سارة الحنون وهي تطل عليها بابتسامتها المعهودة:

— "صباح الخير يا صغيرتي ليندا! متى استيقظتِ؟ هيا تعالي معي، سأعد لكِ إفطاراً شهياً، ثم نخرج في جولة لنستكشف أزقة القرية معاً."

​نهضت ليندا والابتسامة تزين ثغرها، وسألت بفضول وهي تداعب فراء القطة:

— "عمة سارة، هل تعرفين لمن تنتمي هذه الصغيرة؟ لا أريد أن أسرقها من أصحابها."

​نظرت العمة سارة إلى القطة وضحكت قائلة:

— "إنها ابنة قطتي الشقية! يمكنكِ الاحتفاظ بها إن شئتِ، فقد كنتُ على وشك إهدائها لأحد الجيران؛ فهي لم تترك قطعة أثاث في منزلي إلا ووضعت بصمات مخالبها عليها."

​أجابت ليندا بحماس: "إذن، ستكون رفيقتي، سأعتني بها بنفسي."

​دخلتا منزل العمة سارة الذي تفوح منه رائحة المخبوزات. أصرت العمة على تدليل ضيفتها:

— "اجلسي واستريحي على الأريكة، سأحضر لكِ الفطور في لمح البصر."

​حاولت ليندا المساعدة، لكن العمة منعتها بلطف، فاستسلمت وجلست تراقب القطة وهي تتشبث بطرف فستانها وتلاحق حركاتها بمرح.

وفجأة، انفتح الباب لتدخل فتاةٌ في مقتبل العمر، بملامح حيوية ونظرات فضولية. توقفت الفتاة حين رأت ليندا وقالت بترحيب:

— "يبدو أن العمة سارة تستضيفُ وجهاً جديداً وجميلاً اليوم! أهلاً بكِ، أنا هيفاء، تشرفتُ بلقائكِ."

​صافحتها ليندا بابتسامةٍ رقيقة:

— "أهلاً بكِ يا آنسة هيفاء.. لي الشرف، أنا ليندا."

دخلت العمة سارة وفي يدها المخبوزات الساخنة التي تفوح رائحتها في أرجاء المكان، وجهزت سفرة الإفطار بعناية فائقة تليق بضيفتها. وحين وقع بصرها على هيفاء، سألتها بدهشة:

— "هيفاء! متى أتيتِ؟ لم أسمع صوتكِ اليوم، وهذا أمرٌ غريب عن عادتكِ الصاخبة!"

​ضحكت هيفاء بمرح وهي تلمس طرف المائدة:

— "وصلتُ قبل قليل يا عمتي، وحين رأيتُ أن لديكِ ضيفة، قررتُ عدم إزعاجكِ. وبالمناسبة، أنا لم أتفرغ لتناول الفطور بعد، لذا سأفطر معكِ ومع ضيفتكِ الجميلة."

​التفتت العمة سارة إلى ليندا بابتسامة حانية وقالت:

— "هيا يا ليندا، انهضي لتتناولي الطعام مع هيفاء وتعرفا على بعضكما. سأخرج الآن إلى الحظيرة لأتفقد الماشية، وعند انتهائكِ سنذهب في جولتنا الموعودة."

​أومأت ليندا لها، وتوجهت برفقة هيفاء للمائدة بينما انسحبت العمة سارة نحو الخارج. بدأت هيفاء بصب الشاي، ولم تنتظر طويلاً حتى انهالت على ليندا بأسئلةٍ فضولية:

— "أخبريني يا ليندا.. عرفيني عن نفسكِ أكثر. كم عمركِ؟ ومن أين أتيتِ؟ ولماذا أنتِ هنا في قريتنا؟"

​نظرت ليندا إلى هيفاء وقالت في سرها بشيء من الضيق: «ما هذه المتطفلة! لقد انهالت عليّ بالأسئلة منذ أول لقاء بيننا.. يبدو أنني لن أستطيع إبقاء سري مخفياً لوقت طويل بوجودها.»

وبعد دقائق من الصمت المتعمد، أجابت ليندا بهدوء:

— "لقد بلغتُ الثامنة عشرة مؤخراً.. أنا من 'مدينة السلطان'، وقد أتيتُ إلى هنا لأن حالتي المادية لم تعد تسمح لي بالبقاء في تلك المدينة. أنتِ تعلمين أن كل من يسكن هناك أغنياء وأنا لستُ منهم، لذا وجدتُ أن هذه القرية أنسب لي."

​شهقت هيفاء بصدمة، واتسعت عيناها بذهول:

— "كنتِ تسكنين هناك؟! يا لكِ من محظوظة! إن أمنية حياتي أن أرى تلك المدينة، لكن عائلتي لا يسمحون لي بالخروج من هنا.. إنهم متشددون جداً، وفي تفكيرهم أن الأنثى ممنوع أن تخرج من مدينتها مهما كان السبب إلا إذا تزوجت ورحلت مع زوجها."

​ارتشفت ليندا من شايها وقالت بنبرة تحمل تجربة مريرة:

— "هذه قوانين معقدة بعض الشيء، لكن لا شيء مستحيل. وعلى الرغم من تطور مدينة السلطان، إلا أن هناك عوائل تمنع خروج بناتهم حتى لو كنّ يسكن في قصر مشيد.. النتيجة واحدة يا هيفاء، الفرق فقط في 'حجم القفص'."

​حاولت هيفاء تغيير هذا الموضوع الكئيب، فقالت بابتسامة:

— "بالمناسبة، أنا في سن العشرين، أكبر منكِ بقليل. إذا أردتِ التعرف على بنات القرية، سأرافقكِ بنفسي، فليس لدي أي أشغال اليوم."

​ابتسمت ليندا لها وقالت بلطف:

— "حسناً.. شكراً لكِ يا هيفاء."

نهضت هيفاء وهي تنفض فتات الخبز عن ثوبها وقالت بحماس:

— "سنذهب في البداية إلى الحظيرة، لأخبر العمة سارة أنني سآخذكِ في الجولة بنفسي.. فمن المحتمل أن لديها أعمالاً كثيرة ولا تستطيع مرافقتنا الآن."

​ردت ليندا بنبرة خجولة:

— "لا أريد أن أتعبكِ معي يا هيفاء، يمكننا تأجيل الجولة لوقت لاحق."

​قاطعتها هيفاء بابتسامة واسعة:

— "أي تعب؟! بالعكس، أنا أحب مرافقتكِ، وأريد تغيير مزاجي قليلاً بالخروج معكِ."

​خرجت الفتاتان وسارتا في طريقٍ بدا وكأنه لوحة فنية مرسومة بعناية؛ حيث تصطف الأزهار الملونة على الجانبين لترحب بخطواتهما. وعند وصولهما إلى بناءٍ طيني قديم تفوح منه رائحة القش والأرض، أشارت هيفاء بيدها قائلة:

— "هذه هي حظيرة العمة سارة.. كانت تديرها قديماً برفقة ابنها، رحمه الله."

​توقفت ليندا، وشعرت بوخزة أسى في قلبها على تلك المرأة الطيبة، وقالت بهمس:

— "يا إلهي.. يبدو أنها عانت كثيراً بفقدان ابنها."

​أومأت هيفاء بحزنٍ حقيقي، وانخفض صوتها وكأنها تفشي سراً مؤلماً:

— "نعم.. لقد خسرت جميع أفراد عائلتها في حادث مأساوي عندما قرروا الخروج من المدينة.كانوا ذاهبين لزيارة ابنها الذي استقل بحياته بعيداً عن هنا، وقيل وقتها إنه مات في ظروف غامضة.. والأنكى من ذلك، أن جثته لم تُجلب إلى هنا، ودُفن الغريب في أرضٍ غريبة دون أن تودعه أمه الوداع الأخير."

​كادت ليندا أن تسأل المزيد، لكن قطع حديثهما خروج العمة سارة من باب الحظيرة الخشبي، وهي تمسح جبينها وتتنفس بعمق:

— "ها قد أتيتما! يا ليندا، لديّ عمل قليل سأنهيه في بضع دقائق ثم نذهب، أرجو ألا تؤاخذيني على هذا الانتظار الطويل."

​بادرتها ليندا بابتسامة رقيقة لتبدد قلقها:

— "لا داعي لمرافقتي يا عمة، أتمي عملكِ براحة بال.. سأذهب برفقة هيفاء، فهي تعرف القرية جيداً."

تمشت ليندا مع هيفاء وهما تتبادلان أحاديث قصيرة وسطحية، وكأن كل واحدة منهما تحاول استكشاف الأخرى بحذر. قالت هيفاء بحماس:

— "سآخذكِ الآن إلى قلب القرية، هناك تقام فعاليات كثيرة اليوم، ويمكنكِ التعرف على السكان، فغالبيتهم يتواجدون هناك في مثل هذا الوقت."

​توقفت ليندا فجأة، وسرحت عيناها في مشهد البطات التي تسبح بدلال في مياه النهر الرقراقة، وقالت بنبرةٍ حالمة:

— "أريد الذهاب إلى النهر.. أريد أن أشعر ببرودة الماء وأراقب هذه البطات اللطيفة. هل يمكننا تأجيل الجولة؟ لطالما تمنيتُ أن أشهد لحظة الغروب وأنا جالسة على ضفاف النهر."

​سحبتها هيفاء من يدها بإصرار وهي تضحك:

— "هيا يا ليندا نحن في الصباح هل تريدين قضاء يوماً كاملاً بجانب النهر! وايضاً يمكنكِ مشاهدة الغروب في أي يوم تشائين، لكن هذا التجمع لا يحدث دائماً. لنستغل الفرصة لنعرفكِ على الجميع، أعدكِ أنكِ ستحبين فتيات هذه القرية جداً."

​أومأت ليندا بعبوسٍ طفولي وهي تتبع هيفاء مكرهة.

وبمجرد وصولهما إلى وسط القرية، حدث ما كانت تخشاه؛ تجمهر الناس حولهما وكأنهم اكتشفوا كنزاً مفقوداً. تعالت الهمسات والأسئلة من كل جانب:

"من هذه الجميلة؟"..

"لم أرها هنا من قبل!"..

"يبدو أنها ابنة عائلة ثرية جداً، كيف جاءت إلى قريتنا المتواضعة؟".

​وقفت هيفاء أمام ليندا بوضعية دفاعية، وصاحت بالجمع:

— "مابكم بحق السماء؟ لماذا تلتفون حولها وكأنكم ترون إنساناً لأول مرة؟ ابتعدوا قليلاً ولا تزعجوها!"

​رد أحد الواقفين بانبهار:

— "حقاً يا هيفاء، لم نرَ ملاكاً بمثل هذا النقاء من قبل.. من أين أتيتِ بها؟"

​ضحكت هيفاء بصوتٍ عالٍ، وشعرت بالفخر لأنها "دليلة" هذه الجميلة:

— "إنها ليندا، جاءت من 'مدينة السلطان'.. وهذا سبب كافٍ لتكون بهذا الجمال، فكل من يسكن تلك المدينة يمتلك وجهاً ملائكياً يسرّ الناظرين."

​وفجأة، شقت فتاةٌ طريقها وسط الزحام، ووقفت أمام ليندا بعينين تلمعان بالفضول، وقالت بنبرةٍ غلبت عليها الجرأة:

— "إذن يا ليندا.. بما أنكِ من هناك، هل تعرفتِ على مشاهير مدينة السلطان؟ هل رأيتِ ميثم الهاشمي؟ يقولون إنه غني جداً ووسيمٌ حدّ اللعنة! أرجوكِ، إن كان لديكِ معارف، توسّطي لي عنده ليتزوجني ويأخذني من هنا!"

​تجمدت الدماء في عروق ليندا، وشعرت وكأن الأرض تهتز تحت قدميها.. ميثم؟ ميثم الهاشمي يلاحقها بذكره حتى هنا؟

Lies dieses Buch weiterhin kostenlos
Code scannen, um die App herunterzuladen

Aktuellstes Kapitel

  • عروس الجحيم   13

    استجمعت ليندا كل ما تبقى من كبريائها وهي لا تزال محاصرة بين ذراعيه، ونظرت في عينيه بصلابة، وقالت بنبرةٍ لم تهتز: — "الشرط الأول.. أن تحافظ على سلامة أي شخص يخصني وقريب مني، أياً كان، وألا يمسهم سوء بسببك أو بسبب هذه اللعبة." ​ارتسمت على شفتي ميثم ابتسامة غامضة، فأكملت هي بحدة أكبر: — "الشرط الثاني.. أن يظل هذا الزواج سراً بعيداً عن أضواء الإنترنت والصحافة؛ كل ما نُشر على المنصات يجب أن يُحذف فوراً، ولا أريد أن يُربط اسمي باسمك في العلن." ​صمتت للحظة لتلتقط أنفاسها، ثم قالت الكلمات التي وقعت كالصاعقة: — "والشرط الثالث.. ألا أتقيد بهذا الزواج؛ أخرج أينما شئت، وأختفي متى ما أردت، دون أن تتبعني ظلالك أو رجالك." ​ساد صمتٌ ثقيل في المكتب، ولم يكن يُسمع سوى صوت عقارب الساعة الكبيرة. أرخى ميثم قبضته عن خصرها قليلاً، لكنه لم يبتعد، بل مال برأسه نحو أذنها وهمس بصوتٍ أجش جعل القشعريرة تسري في جسدها: — "الأول والثاني.. اعتبريهما قد نُفذا بالفعل؛ فأنا لا أحب الفوضى، أما الشرط الثالث، فلا أستطيع تنفيذه.. لقد أصبحتِ زوجتي رسمياً أمام القانون، ومن حقّي -بل من واجبي- أن أعلم بكل تحركاتكِ

  • عروس الجحيم   12

    وجّه ميثم نظراته الحادة نحو الممرضة، وقال بصوته الآمر: — "أحضري لها الحساء قبل أن تعطيها المهدئ، سأتصل بـ (حسام) ليجلب لها وحدات دم فوراً؛ فقد خسرت الكثير منه بالفعل.. والآن، لنخرج جميعاً، المائدة قد جُهزت." ​خرج الجميع تاركين ليندا لتنال قسطاً من الراحة، وجلسوا حول طاولة الطعام التي غلفها صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى رنين الأواني. كسر عبد العزيز الصمت وهو ينظر إلى ميثم بتوجس: — "ميثم.. هل تعتقد حقاً أن بقاء ليندا في هذا المكان آمنٌ لها أكثر من بقائها معنا؟" ​رد ميثم ببرودٍ شديد، دون أن يرفع بصره عن طبقه: — "نعم.. ستبقى هنا." ​في تلك اللحظة، كان الصغير سلمان يرمق ميثم بنظراتٍ يملؤها الحقد والوعيد، لكنه التزم الصمت كبركانٍ يوشك على الانفجار. وما إن انتهوا من وجبة العشاء، حتى همّت عائلة "الراوي" بالخروج ووداع ميثم وليندا. أمسكت سماح بيد ابنها سلمان لتقوده نحو الباب، وقالت: — "هيا بنا يا صغيري.. حان وقت العودة." ​لكن سلمان سحب يده بغضبٍ طفولي صارخاً: — "لقد وعدتُها أنني سأبقى معها! ثم إنني لن أتركها مع هذا الشرير أبداً!" ​أشار بإصبعه الصغير نحو ميثم بتحدٍ، ثم ركض بسرعة البر

  • عروس الجحيم   11

    بمجرد أن أغلق الباب خلف هيفاء، انتفضت ليندا من مكانها كشرارةٍ مستعرة، وتناست ضعف جسدها وهي تصرخ بغضبٍ مكتوم: — "زوجتك؟! متى تزوجنا بحق الجحيم؟ أنا لا أريدك، ألا تفهم ذلك أم أنك تتغابى؟" ​ظل ميثم واقفاً مكانه، لم تهتز شعرة في جسده من ثورتها، بل حافظ على هدوئه الجليدي وهو ينظر إليها بنظراتٍ غامضة، وقال بصوتٍ رخيم: — "ليس من الجيد لصحتكِ أن تنفعلي هكذا وأنتِ في فترة النقاهة.. وبالمناسبة، لقد أتممنا كافة مراسم الزواج بينما كنتِ بين الحياة والموت، وأصبحنا الآن زوجين شرعاً وقانوناً.. أوراقكِ الرسمية كلها تحمل اسمي الآن." ​ضحكت ليندا بسخرية مريرة وهي تحاول استجماع قواها للوقوف أمام منضدة الزينة: — "كف عن هذا التمثيل! لا يوجد أحد هنا لتظهر اهتمامك الزائف بي.. أخبرني ماذا تريد مني بالتحديد؟ ولماذا كل هذا الإصرار على هذا الزواج المهين؟" ​صمت ميثم قليلاً، ودار حول الغرفة وكأنه يتفقد ممتلكاته، ثم قال بنبرةٍ جادة خالية من المشاعر: — "جيد.. بدأ عقلُكِ يعمل أخيراً. الحقيقة هي أنني أريد شيئاً معيناً، لكنه ليس منكِ بالتحديد، بل هو أمرٌ سأصل إليه عن طريقكِ أنتِ.. وبوجودكِ بجانبي كزوجة، س

  • عروس الجحيم   10

    فتحت ليندا عينيها ببطء شديد، وكأن جفنيها صخورٌ ثقيلة تأبى الارتفاع. لم تجد سقف الغرفة الخشبي المتواضع، بل وجدت نفسها تحت ثريا كريستالية ضخمة تعكس ضوءاً خافتاً يبعث على الهدوء والرهبة في آنٍ واحد. نظرت حولها بذهول مشوب بالخوف؛ لم تعد في المنزل البسيط الذي كانت تسكن فيه منذ فتره، بل هي الآن في جناحٍ فخم . ​كان السرير تحتها ناعماً لدرجة أنها شعرت وكأنها تطفو فوق غيمة من القطن، وكانت ترتدي فستاناً أبيض رقيقاً من الحرير الخالص، يلامس بشرتها ببرودةٍ زادت من شعورها بالغرابة. حاولت أن تنادي، أن تصرخ، أن تسأل عن أي شيء، لكن حنجرتها خانتها؛ خرج صوتها مبحوحاً وجافاً، وكأن لسانها لم يذق قطرة ماء منذ دهور، وكأنها كانت غائبة عن الوعي لأيامٍ طويلة. ​حاولت النهوض، لكن جسدها كان في حالة من الوهن الشديد، وكأن قواها قد سُحبت منها تماماً. وبعد دقائق من الصراع الصامت مع ضعفها، فُتح الباب الضخم بهدوء، ودخلت ممرضة بزيٍّ ناصع البياض. وبمجرد أن وقع بصرها على ليندا وهي تحاول الحركة، ركضت نحوها بلهفة: — "يا آنسة! لقد استيقظتِ أخيراً.. الحمد لله على سلامتكِ! مهلاً، أرجوكِ لا تتحركي، سأذهب فوراً لإحضار شيءٍ

  • عروس الجحيم   9

    هذه المرة، قطعت ليندا عهداً على نفسها ألا تكرر خطأها السابق؛ فلم تفارق المطبخ قيد أنملة، وظلت تراقب القدر وكأنها تحرس كنزاً ثميناً. وحين اقتربت المعكرونة من النضج، بدأت بتجهيز السفرة بخفة ونشاط، وضعت العصير البارد ورتبت الأطباق بأناقة القصور التي لم تفارق مخيلتها. ​عادت للمطبخ لتلقي نظرة أخيرة، لكنها لمحت "كتلة الفراء الصغيرة" وهي تنطلق كالسهم، محملة بطاقة جنونية في أرجاء المنزل. وقبل أن تستوعب ليندا الموقف أو تحاول اعتراض طريقها، كانت القطة قد قفزت ببراعة تحسد عليها فوق "المجلى"، ومنه إلى حافة القدر الساخن، لتسقطه أرضاً في مشهد بدا وكأن الزمن فيه قد توقف! ​تناثرت المعكرونة والماء في كل مكان، وانطلقت القطة هاربة دون توقف وكأن شيئاً لم يكن. ركضت ليندا نحوها بسرعة، وبدلاً من الغضب، حملتها بتفحص وقلق: — "يا إلهي! هل احترقتِ؟ أيتها المشاغبة.. لقد قتلتِ مسيرتي الفنية قبل أن تبدأ! هل كان عليكِ حقاً أن تسقطي طبختي الوحيدة أرضاً؟" ​دخلت هيفاء المطبخ بخطوات مسرعة بعد أن سمعت صوت الارتطام، وتوقفت مذهولة أمام المشهد — "هل أنتِ بخير يا ليندا؟ أوه.. يبدو أن هذه القطة المشاغبة ه

  • عروس الجحيم   8

    وقبل أن تستطيع ليندا لملمة شتات نفسها للرد على ذلك السؤال الصاعق، ظهرت امرأة من خلف الفتاة "تالين" وسحبتها بعنفٍ من ذراعها، وهي تصرخ بصوتٍ مبحوح من الغضب — "تالين! ما هذا الهراء الذي تهذين به؟ أيتها الفتاة العديمة الأخلاق، يبدو أنني لم أحسن تربيتكِ، وسأعيد تأديبكِ من جديد.. هيا أمامي إلى المنزل!" ​التفتت تالين إلى والدتها بعينين تشتعلان تمرداً وقالت بمرارة: — "أمي! ما خطبكِ؟ أنا فقط أريد الخروج من هذه القرية الخانقة، وقد جاءتني فرصة لا تعوض.. هل تريدين مني أن أضيعها وأنتظر ابن عمي الغبي ليتزوجني واضل عالقه في عالم الفقر؟" ​ارتعشت الأم من شدة الغضب، وبحركة سريعة صفعت ابنتها صفعةً دوت في أرجاء المكان، وقالت بنبرةٍ يملؤها الخزي: — "يا للعار! كيف تتجرئين على ذكر ابن عمكِ بهذه الطريقة؟ في أحلامكِ فقط ستخرجين من هذه القرية ما دمتُ على قيد الحياة.. هيا إلى المنزل بسرعة!" ​جرت المرأة ابنتها بقوة وسط ذهول الحاضرين، لكن الغريب أن تالين لم تبكِ ولم تتأثر، بل كانت ملامحها جامدة وكأنها اعتادت هذا النوع من القسوة والتعامل المهين. ​كانت الصدمة تعلو وجه ليندا ماذا يحدث بحق الجحيم لماذا

Weitere Kapitel
Entdecke und lies gute Romane kostenlos
Kostenloser Zugriff auf zahlreiche Romane in der GoodNovel-App. Lade deine Lieblingsbücher herunter und lies jederzeit und überall.
Bücher in der App kostenlos lesen
CODE SCANNEN, UM IN DER APP ZU LESEN
DMCA.com Protection Status