LOGINخلف زجاج النافذة، كان ضياء يراقب خيال "ليندا" وهي تتنقل في أرجاء المنزل الصغير، ملامحها كانت تعكس دهشة طفلة اكتشفت عالماً جديداً. أخرج هاتفه وأجاب بصوتٍ خفيض:
— "نعم يا سيدي، هي الآن في الداخل.. لكنها تصر بكبرياءٍ عجيب على دفع الإيجار، ماذا أفعل مع عنادها هذا؟" جاءته ضحكة الطرف الآخر عبر الأثير، ضحكةٌ امتزج فيها الإعجاب بالسخرية المكتومة: — "عنيدة كما عهدتُها دوماً، حتى وهي في أوج انكسارها لا تتخلى عن كبريائها. خذ منها مبلغاً رمزياً فقط، فإذا قررت 'آنسة الراوي' شيئاً، فلن يثنيها عنه إنس ولا جان." أغلق ضياء الخط، ومسح ملامحه ببرودٍ هادئ قبل أن يدخل إليها. كانت ليندا تستكشف زوايا "المنزل" بحماسٍ غريب، وكأنها لم ترَ جدرانًا من قبل. التفتت إليه فور دخوله وقالت بعينين تشعان شغفاً: — "ضياء، هل يمكنك أخذي إلى السوق؟ أريد شراء بعض المستلزمات، هذا المكان يحتاج لمساتي الخاصة ليصبح ملائماً لي.. بما أنني سأقيم هنا لفترة." ابتسم ضياء بصدقٍ هذه المرة، والدهشة ترتسم على وجهه: — "يبدو أنكِ متحمسة حقاً لفكرة العيش في هذا المنزل البسيط!" رسمت ليندا ابتسامةً حالمة، وتنهدت بعمقٍ وكأنها تطرد هواء القصور الخانق من رئتيها: — "نعم، لطالما تمنيتُ استقلالاً بعيداً عن صخب القصور وضوضاء المدينة التي كانت تنهش روحي.. هذا المكان، ببساطته، هو المرآة التي تشبهني الآن." سارا معاً نحو السوق القريب، وهناك تجلت براءة "أميرة القصور" التي لم تطأ قدماها مطبخاً قط. توقفت أمام دكان البقالة، ورفعت ذقنها بتحدٍ: — "سأطبخ الغداء بنفسي اليوم، مكافأةً لك على كل ما بذلته من أجلي." لم يعترض ضياء، بل تراجع خطوة للخلف يراقب حيرتها اللذيذة بين أصناف الخضار. حين رآها تمسك بحبة ذابلة، تدخل بهدوء لينتقي الثمار الناضجة، وقال بلهجةٍ غلفها المزاح: — "يا آنسة، إذا كنتِ لا تميزين بين الثمرة الناضجة والذابلة، فكيف لنا أن نأمن على معدتنا من طبخكِ؟" ردت ليندا بتحدٍ طفولي وهي ترفع رأسها: — "لا تقلق، سترى مهاراتي! الطبخ ليس إلا إبداعاً، وأنا، كما تعلم، أتنفس الإبداع." عادا للمنزل محملين بالأكياس، وفي منتصف الطريق، مدّ ضياء يده بهاتفٍ جديد قائلاً: — "ليندا، سأضطر للمغادرة إلى المدينة غداً لعملٍ طارئ، سأغيب ليومين. هذا الهاتف لنتواصل، وستأتي العمة 'سارة' جارتكِ لتفقدكِ يومياً." أومأت برأسها بالموافقة، ثم قالت —"ضياء انت لست مضطر للبقاء بجانبي يمكنك الذهاب بلا عوده سوف ادبر شوؤني بنفسي" رد ضياء وهوا ينظر اليها: —"ليندا عملي هوا ان ارافقكِ واهتم بشوؤنكِ وهذا العمل ليس مجاني أنا أخذ النقود من ساندي لذا لاتفكري بهذه الطريقه " . . اندفعت نحو المطبخ لتبدأ ملحمتها مع "عجينة البيتزا". كانت تحدق في العجين السائل الذي يرفض التماسك، وتهمس بيأس: «يجب أن تكون أقوى! لقد اتبعتُ كل التعليمات!». نظرت عبر النافذة، رأت ضياء مشغولاً بغرس شتلات الزهور، فكرت في مناداته لكنها تراجعت بكبرياء: «سيسخر مني حتماً!». وبحركة "انتحارية"، سكبت العجين السائل في الصينية، ونثرت فوقه الحشو والجبن، ودفعته في جوف الفرن وهي تدعو ألا تقع كارثة. بعد دقائق، بدأت رائحة العجين المخبوز تفوح، فنظرت لإنجازها بنصر: — "يا إلهي، ما هذا الجمال؟ أنا عبقرية بحق، أستحق جائزة دولية على هذه الرائحة!" صوتٌ هادئ جاء من خلفها ليقطع لحظة زهوها: — "يبدو أن ثقتكِ بنفسكِ تتجاوز حدود المنطق يا آنسة ليندا!" قفزت ليندا من مكانها، لتجده واقفاً يسند ظهره إلى الباب، يراقب "اختراعها" بابتسامة غامضة. وضعت يديها على خصرها، والدقيق يزين طرف أنفها، وقالت بغضبٍ مصطنع: — "ليست ثقة، بل هي موهبة فطرية! انتظر حتى تذوقها، أراهنك أنك ستطلب قطعة ثانيه قبل ان تنتهي من الاولى !" . . انغمسَت ليندا في مداعبة القطة الصغيرة وسط عشب الحديقة، غافلةً تماماً عن "تحفتها الفنية" التي تقبع في أحشاء الفرن. فجأة، استنشق ضياء هواءً محملاً برائحة احتراق نفاذة، وقبل أن ينطق، سألته ليندا ببراءة: — "ضياء.. هل تشم ذلك؟ يبدو أن جيراننا يحرقون شيئاً ما!" اتسعت عينا ليندا فجأة حين تذكرت الحقيقة المرة، وركضت نحو المطبخ وكأنها تسابق الريح. لكن الأوان كان قد فات؛ سحابة من الدخان الرمادي استقبلتها، وفي قعر الصينية رقدت "البيتزا" متفحمةً، صامتة، وأشبه بقطعة فحمٍ سقطت من قطار قديم. تسمرت ليندا مكانها، وغلبتها دموع الخيبة وهي تحدق في حطام أول غداء تصنعه بيديها. دخل ضياء المطبخ، تنقل بصره بين الدخان وبين وجهها المحمر من البكاء، ثم قال بنبرة هادئة محاولاً ترميم كبريائها الجريح: — "لنتفاءل.. شكلها يوحي بأنها نضجت أكثر من اللازم قليلاً، لكن الرائحة.. الرائحة لا بأس بها! هيا، ضعيها على الطاولة، سأكون أول من يتذوقها." نظرت إليه ليندا، والدموع لا تزال عالقة بأهدابها، وانفجرت في ضحكةٍ ممزوجة بالبكاء: — "هل تسخر مني؟ إنها رماد يا ضياء! كيف ستأكل رماداً؟" دون رد، سحب ضياء الصينية، واقتطع قطعةً قاسية أصدرت صوتاً جافاً، ووضعها في فمه. قاوم مرارة الطعم وقساوة العجين التي كادت تكسر أسنانه، وحاول الحفاظ على ثبات ملامحه وهو يبتلع بصعوبة: — "فيها.. فيها نكهة مميزة، لكنها تحتاج لبعض العصير لتنزلق بسلام." وقبل أن تجيبه بكلمة، دوى طرقٌ خفيف على الباب. تنهد ضياء بعمق وقال بسرعة: — "يبدو أن النجدة السماوية قد وصلت!" فتح الباب ليجد العمة سارة واقفة بابتسامتها الدافئة. هتفت حين رأته: — "أهلاً يا بني، طال غيابك عنا.. ومن هذه الجميلة؟ يا للروعة، تبدوان ثنائياً يسرّ الناظرين!" ارتبك ضياء للحظة، ونظر إلى ليندا الواقفة خلفه بوجنتين متوردتين، ثم قال موضحاً: — "لا يا عمة، لقد فهمتِ الأمر خطأ، هي بمثابة أختي الصغرى.. هذه ليندا، ستحل ضيفةً على هذا المنزل لفترة، وأرجو أن ترعيها في غيابي." احتضنت العمة سارة ليندا بحرارة الأمومة قائلة: — "أهلاً بزهرة الدار الجديدة.. لا تقلق يا ضياء، سأعتبرها ابنتي التي لم أنجبها." ثم رفعت وعاءً تفوح منه رائحة شهية: —"لقد أعددتُ لكم غداءً خاصاً، ولا أريد أعذاراً، يجب أن تأكلا منه الآن." بعد رحيل العمة، نظرت ليندا إلى الطعام الشهي ثم التفتت إلى ضياء وقالت بابتسامة عذبة: — "يبدو أن القدر أشفق على معدتك من 'إبداعي' الفطري، وأرسل لك هذا العوض الجميل." ضحك ضياء بصوتٍ عالٍ، وقال وهو يسحب الكراسي:— "صدقتِ.. العوض دائماً يأتي في وقته المناسب!" . . . في قصر الهاشمي حيث يلف الصمت الأروقة الفخمة، جلس ميثم خلف مكتبه كطودٍ شامخ، وعيناه الزيتونيتان ترصدان كل حركةٍ في الغرفة. رفع نظره نحو حسام وسأل بنبرةٍ باردة تقطر حزماً: — "هل من جديد؟ هل توصلتم إلى طرف خيط يوصلنا إليها؟" عدل حسام وقفته وأخرج ملفاً وضعه أمام ميثم، وقال بجدية: — "لقد كشفتُ هوية الرجل الذي اختطفها.. يدعى 'ضياء'، ينتمي لقبيلة الإسكندر، في الثانية والعشرين من عمره، غير متزوج. تعيش والدته في مدينة الصحاري وليس لديه أشقاء، ووالده متوفى منذ سنوات. لكن.. حتى اللحظة، لم نتمكن من معرفة من هو 'رأسه' أو القائد الذي يحركه." أمسك ميثم بالملف، يتفحص صورة ضياء بنظراتٍ ثاقبة وكأنه يحاول استنطاق الورق، ثم قال بصوتٍ رخيم يحمل وعيداً خفياً: — "راقبوه كظله.. أريد أن أعرف من تجرأ وأرسله لاختطاف ممتلكات الهاشمي. اكتشفوا 'المحرك' في أسرع وقت حتى نسترد ليندا ونحاسب الجميع." أومأ حسام بطاعة وأضاف محاولاً طمأنته: — "حسناً سيدي، سنفعل. ولا تقلق بشأن الآنسة ليندا، لقد استقرت الآن في منزلٍ يقع بجوار 'العمة سارة' تماماً.. هي تحت الأنظار بوجودها هناك." استجمعت ليندا كل ما تبقى من كبريائها وهي لا تزال محاصرة بين ذراعيه، ونظرت في عينيه بصلابة، وقالت بنبرةٍ لم تهتز: — "الشرط الأول.. أن تحافظ على سلامة أي شخص يخصني وقريب مني، أياً كان، وألا يمسهم سوء بسببك أو بسبب هذه اللعبة." ارتسمت على شفتي ميثم ابتسامة غامضة، فأكملت هي بحدة أكبر: — "الشرط الثاني.. أن يظل هذا الزواج سراً بعيداً عن أضواء الإنترنت والصحافة؛ كل ما نُشر على المنصات يجب أن يُحذف فوراً، ولا أريد أن يُربط اسمي باسمك في العلن." صمتت للحظة لتلتقط أنفاسها، ثم قالت الكلمات التي وقعت كالصاعقة: — "والشرط الثالث.. ألا أتقيد بهذا الزواج؛ أخرج أينما شئت، وأختفي متى ما أردت، دون أن تتبعني ظلالك أو رجالك." ساد صمتٌ ثقيل في المكتب، ولم يكن يُسمع سوى صوت عقارب الساعة الكبيرة. أرخى ميثم قبضته عن خصرها قليلاً، لكنه لم يبتعد، بل مال برأسه نحو أذنها وهمس بصوتٍ أجش جعل القشعريرة تسري في جسدها: — "الأول والثاني.. اعتبريهما قد نُفذا بالفعل؛ فأنا لا أحب الفوضى، أما الشرط الثالث، فلا أستطيع تنفيذه.. لقد أصبحتِ زوجتي رسمياً أمام القانون، ومن حقّي -بل من واجبي- أن أعلم بكل تحركاتكِ
وجّه ميثم نظراته الحادة نحو الممرضة، وقال بصوته الآمر: — "أحضري لها الحساء قبل أن تعطيها المهدئ، سأتصل بـ (حسام) ليجلب لها وحدات دم فوراً؛ فقد خسرت الكثير منه بالفعل.. والآن، لنخرج جميعاً، المائدة قد جُهزت." خرج الجميع تاركين ليندا لتنال قسطاً من الراحة، وجلسوا حول طاولة الطعام التي غلفها صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى رنين الأواني. كسر عبد العزيز الصمت وهو ينظر إلى ميثم بتوجس: — "ميثم.. هل تعتقد حقاً أن بقاء ليندا في هذا المكان آمنٌ لها أكثر من بقائها معنا؟" رد ميثم ببرودٍ شديد، دون أن يرفع بصره عن طبقه: — "نعم.. ستبقى هنا." في تلك اللحظة، كان الصغير سلمان يرمق ميثم بنظراتٍ يملؤها الحقد والوعيد، لكنه التزم الصمت كبركانٍ يوشك على الانفجار. وما إن انتهوا من وجبة العشاء، حتى همّت عائلة "الراوي" بالخروج ووداع ميثم وليندا. أمسكت سماح بيد ابنها سلمان لتقوده نحو الباب، وقالت: — "هيا بنا يا صغيري.. حان وقت العودة." لكن سلمان سحب يده بغضبٍ طفولي صارخاً: — "لقد وعدتُها أنني سأبقى معها! ثم إنني لن أتركها مع هذا الشرير أبداً!" أشار بإصبعه الصغير نحو ميثم بتحدٍ، ثم ركض بسرعة البر
بمجرد أن أغلق الباب خلف هيفاء، انتفضت ليندا من مكانها كشرارةٍ مستعرة، وتناست ضعف جسدها وهي تصرخ بغضبٍ مكتوم: — "زوجتك؟! متى تزوجنا بحق الجحيم؟ أنا لا أريدك، ألا تفهم ذلك أم أنك تتغابى؟" ظل ميثم واقفاً مكانه، لم تهتز شعرة في جسده من ثورتها، بل حافظ على هدوئه الجليدي وهو ينظر إليها بنظراتٍ غامضة، وقال بصوتٍ رخيم: — "ليس من الجيد لصحتكِ أن تنفعلي هكذا وأنتِ في فترة النقاهة.. وبالمناسبة، لقد أتممنا كافة مراسم الزواج بينما كنتِ بين الحياة والموت، وأصبحنا الآن زوجين شرعاً وقانوناً.. أوراقكِ الرسمية كلها تحمل اسمي الآن." ضحكت ليندا بسخرية مريرة وهي تحاول استجماع قواها للوقوف أمام منضدة الزينة: — "كف عن هذا التمثيل! لا يوجد أحد هنا لتظهر اهتمامك الزائف بي.. أخبرني ماذا تريد مني بالتحديد؟ ولماذا كل هذا الإصرار على هذا الزواج المهين؟" صمت ميثم قليلاً، ودار حول الغرفة وكأنه يتفقد ممتلكاته، ثم قال بنبرةٍ جادة خالية من المشاعر: — "جيد.. بدأ عقلُكِ يعمل أخيراً. الحقيقة هي أنني أريد شيئاً معيناً، لكنه ليس منكِ بالتحديد، بل هو أمرٌ سأصل إليه عن طريقكِ أنتِ.. وبوجودكِ بجانبي كزوجة، س
فتحت ليندا عينيها ببطء شديد، وكأن جفنيها صخورٌ ثقيلة تأبى الارتفاع. لم تجد سقف الغرفة الخشبي المتواضع، بل وجدت نفسها تحت ثريا كريستالية ضخمة تعكس ضوءاً خافتاً يبعث على الهدوء والرهبة في آنٍ واحد. نظرت حولها بذهول مشوب بالخوف؛ لم تعد في المنزل البسيط الذي كانت تسكن فيه منذ فتره، بل هي الآن في جناحٍ فخم . كان السرير تحتها ناعماً لدرجة أنها شعرت وكأنها تطفو فوق غيمة من القطن، وكانت ترتدي فستاناً أبيض رقيقاً من الحرير الخالص، يلامس بشرتها ببرودةٍ زادت من شعورها بالغرابة. حاولت أن تنادي، أن تصرخ، أن تسأل عن أي شيء، لكن حنجرتها خانتها؛ خرج صوتها مبحوحاً وجافاً، وكأن لسانها لم يذق قطرة ماء منذ دهور، وكأنها كانت غائبة عن الوعي لأيامٍ طويلة. حاولت النهوض، لكن جسدها كان في حالة من الوهن الشديد، وكأن قواها قد سُحبت منها تماماً. وبعد دقائق من الصراع الصامت مع ضعفها، فُتح الباب الضخم بهدوء، ودخلت ممرضة بزيٍّ ناصع البياض. وبمجرد أن وقع بصرها على ليندا وهي تحاول الحركة، ركضت نحوها بلهفة: — "يا آنسة! لقد استيقظتِ أخيراً.. الحمد لله على سلامتكِ! مهلاً، أرجوكِ لا تتحركي، سأذهب فوراً لإحضار شيءٍ
هذه المرة، قطعت ليندا عهداً على نفسها ألا تكرر خطأها السابق؛ فلم تفارق المطبخ قيد أنملة، وظلت تراقب القدر وكأنها تحرس كنزاً ثميناً. وحين اقتربت المعكرونة من النضج، بدأت بتجهيز السفرة بخفة ونشاط، وضعت العصير البارد ورتبت الأطباق بأناقة القصور التي لم تفارق مخيلتها. عادت للمطبخ لتلقي نظرة أخيرة، لكنها لمحت "كتلة الفراء الصغيرة" وهي تنطلق كالسهم، محملة بطاقة جنونية في أرجاء المنزل. وقبل أن تستوعب ليندا الموقف أو تحاول اعتراض طريقها، كانت القطة قد قفزت ببراعة تحسد عليها فوق "المجلى"، ومنه إلى حافة القدر الساخن، لتسقطه أرضاً في مشهد بدا وكأن الزمن فيه قد توقف! تناثرت المعكرونة والماء في كل مكان، وانطلقت القطة هاربة دون توقف وكأن شيئاً لم يكن. ركضت ليندا نحوها بسرعة، وبدلاً من الغضب، حملتها بتفحص وقلق: — "يا إلهي! هل احترقتِ؟ أيتها المشاغبة.. لقد قتلتِ مسيرتي الفنية قبل أن تبدأ! هل كان عليكِ حقاً أن تسقطي طبختي الوحيدة أرضاً؟" دخلت هيفاء المطبخ بخطوات مسرعة بعد أن سمعت صوت الارتطام، وتوقفت مذهولة أمام المشهد — "هل أنتِ بخير يا ليندا؟ أوه.. يبدو أن هذه القطة المشاغبة ه
وقبل أن تستطيع ليندا لملمة شتات نفسها للرد على ذلك السؤال الصاعق، ظهرت امرأة من خلف الفتاة "تالين" وسحبتها بعنفٍ من ذراعها، وهي تصرخ بصوتٍ مبحوح من الغضب — "تالين! ما هذا الهراء الذي تهذين به؟ أيتها الفتاة العديمة الأخلاق، يبدو أنني لم أحسن تربيتكِ، وسأعيد تأديبكِ من جديد.. هيا أمامي إلى المنزل!" التفتت تالين إلى والدتها بعينين تشتعلان تمرداً وقالت بمرارة: — "أمي! ما خطبكِ؟ أنا فقط أريد الخروج من هذه القرية الخانقة، وقد جاءتني فرصة لا تعوض.. هل تريدين مني أن أضيعها وأنتظر ابن عمي الغبي ليتزوجني واضل عالقه في عالم الفقر؟" ارتعشت الأم من شدة الغضب، وبحركة سريعة صفعت ابنتها صفعةً دوت في أرجاء المكان، وقالت بنبرةٍ يملؤها الخزي: — "يا للعار! كيف تتجرئين على ذكر ابن عمكِ بهذه الطريقة؟ في أحلامكِ فقط ستخرجين من هذه القرية ما دمتُ على قيد الحياة.. هيا إلى المنزل بسرعة!" جرت المرأة ابنتها بقوة وسط ذهول الحاضرين، لكن الغريب أن تالين لم تبكِ ولم تتأثر، بل كانت ملامحها جامدة وكأنها اعتادت هذا النوع من القسوة والتعامل المهين. كانت الصدمة تعلو وجه ليندا ماذا يحدث بحق الجحيم لماذا







