Share

10

Author: سايلا
last update publish date: 2026-04-18 02:54:08

فتحت ليندا عينيها ببطء شديد، وكأن جفنيها صخورٌ ثقيلة تأبى الارتفاع. لم تجد سقف الغرفة الخشبي المتواضع، بل وجدت نفسها تحت ثريا كريستالية ضخمة تعكس ضوءاً خافتاً يبعث على الهدوء والرهبة في آنٍ واحد. نظرت حولها بذهول مشوب بالخوف؛ لم تعد في المنزل البسيط الذي كانت تسكن فيه منذ فتره، بل هي الآن في جناحٍ فخم .

​كان السرير تحتها ناعماً لدرجة أنها شعرت وكأنها تطفو فوق غيمة من القطن، وكانت ترتدي فستاناً أبيض رقيقاً من الحرير الخالص، يلامس بشرتها ببرودةٍ زادت من شعورها بالغرابة. حاولت أن تنادي، أن تصرخ،
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • عروس الجحيم   14

    بمجرد أن وقع بصر ميثم على ليندا وهي تقف مذهولة عند باب الجناح، تبدلت ملامحه فوراً. تلاشت ابتسامته وتلاشت تلك الروح المرحة التي ظهرت للتو، وألقى الوسادة من يده بحركةٍ حادة، ثم قال ببرودٍ لاذع: — "سأذهب للنوم في مكان آخر." ​لم ينتظر رداً، بل استدار بوقارٍ مصطنع وخرج من الجناح، تاركاً خلفه ريشاً متناثراً وسكوناً مريباً. تنفس سلمان الصعداء، ثم نظر إلى شقيقته ببريقٍ غريب في عينيه وقال ببساطة: — "ليندا.. هل يمكنني أن أنام معه؟" ​تسمرت ليندا في مكانها، وشعرت وكأن الأرض مالت بها من شدة الصدمة. اتسعت عيناها بذهول، وهتفت بصوتٍ مرتجف: — "ماذا جرى لك؟! لقد تركتك لدقائق معدودة، وكنت تمقته ولا تطيق فكرة وجوده في غرفتنا، والآن.. الآن تريد الذهاب لتنام معه في غرفته؟! أجننت يا سلمان؟!" ​لم يبالِ سلمان بذهول شقيقته، بل نهض عن السرير وشرع في ترتيب ملابسه الصغيرة، وقال بثقةٍ غريبة: — "لقد كان ممتعاً في اللعب، وأظن أن غرفته ستكون أكبر وفيها ألعاب كثيرة.. أليس كذلك؟" ​نظرت ليندا إلى المكان الذي خرج منه ميثم، ثم إلى سلمان الذي بدأ يتصرف وكأنه وجد "بطلاً خارقاً" جديداً في حياته، أمسكت ليندا ب

  • عروس الجحيم   13

    استجمعت ليندا كل ما تبقى من كبريائها وهي لا تزال محاصرة بين ذراعيه، ونظرت في عينيه بصلابة، وقالت بنبرةٍ لم تهتز: — "الشرط الأول.. أن تحافظ على سلامة أي شخص يخصني وقريب مني، أياً كان، وألا يمسهم سوء بسببك أو بسبب هذه اللعبة." ​ارتسمت على شفتي ميثم ابتسامة غامضة، فأكملت هي بحدة أكبر: — "الشرط الثاني.. أن يظل هذا الزواج سراً بعيداً عن أضواء الإنترنت والصحافة؛ كل ما نُشر على المنصات يجب أن يُحذف فوراً، ولا أريد أن يُربط اسمي باسمك في العلن." ​صمتت للحظة لتلتقط أنفاسها، ثم قالت الكلمات التي وقعت كالصاعقة: — "والشرط الثالث.. ألا أتقيد بهذا الزواج؛ أخرج أينما شئت، وأختفي متى ما أردت، دون أن تتبعني ظلالك أو رجالك." ​ساد صمتٌ ثقيل في المكتب، ولم يكن يُسمع سوى صوت عقارب الساعة الكبيرة. أرخى ميثم قبضته عن خصرها قليلاً، لكنه لم يبتعد، بل مال برأسه نحو أذنها وهمس بصوتٍ أجش جعل القشعريرة تسري في جسدها: — "الأول والثاني.. اعتبريهما قد نُفذا بالفعل؛ فأنا لا أحب الفوضى، أما الشرط الثالث، فلا أستطيع تنفيذه.. لقد أصبحتِ زوجتي رسمياً أمام القانون، ومن حقّي -بل من واجبي- أن أعلم بكل تحركاتكِ

  • عروس الجحيم   12

    وجّه ميثم نظراته الحادة نحو الممرضة، وقال بصوته الآمر: — "أحضري لها الحساء قبل أن تعطيها المهدئ، سأتصل بـ (حسام) ليجلب لها وحدات دم فوراً؛ فقد خسرت الكثير منه بالفعل.. والآن، لنخرج جميعاً، المائدة قد جُهزت." ​خرج الجميع تاركين ليندا لتنال قسطاً من الراحة، وجلسوا حول طاولة الطعام التي غلفها صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى رنين الأواني. كسر عبد العزيز الصمت وهو ينظر إلى ميثم بتوجس: — "ميثم.. هل تعتقد حقاً أن بقاء ليندا في هذا المكان آمنٌ لها أكثر من بقائها معنا؟" ​رد ميثم ببرودٍ شديد، دون أن يرفع بصره عن طبقه: — "نعم.. ستبقى هنا." ​في تلك اللحظة، كان الصغير سلمان يرمق ميثم بنظراتٍ يملؤها الحقد والوعيد، لكنه التزم الصمت كبركانٍ يوشك على الانفجار. وما إن انتهوا من وجبة العشاء، حتى همّت عائلة "الراوي" بالخروج ووداع ميثم وليندا. أمسكت سماح بيد ابنها سلمان لتقوده نحو الباب، وقالت: — "هيا بنا يا صغيري.. حان وقت العودة." ​لكن سلمان سحب يده بغضبٍ طفولي صارخاً: — "لقد وعدتُها أنني سأبقى معها! ثم إنني لن أتركها مع هذا الشرير أبداً!" ​أشار بإصبعه الصغير نحو ميثم بتحدٍ، ثم ركض بسرعة البر

  • عروس الجحيم   11

    بمجرد أن أغلق الباب خلف هيفاء، انتفضت ليندا من مكانها كشرارةٍ مستعرة، وتناست ضعف جسدها وهي تصرخ بغضبٍ مكتوم: — "زوجتك؟! متى تزوجنا بحق الجحيم؟ أنا لا أريدك، ألا تفهم ذلك أم أنك تتغابى؟" ​ظل ميثم واقفاً مكانه، لم تهتز شعرة في جسده من ثورتها، بل حافظ على هدوئه الجليدي وهو ينظر إليها بنظراتٍ غامضة، وقال بصوتٍ رخيم: — "ليس من الجيد لصحتكِ أن تنفعلي هكذا وأنتِ في فترة النقاهة.. وبالمناسبة، لقد أتممنا كافة مراسم الزواج بينما كنتِ بين الحياة والموت، وأصبحنا الآن زوجين شرعاً وقانوناً.. أوراقكِ الرسمية كلها تحمل اسمي الآن." ​ضحكت ليندا بسخرية مريرة وهي تحاول استجماع قواها للوقوف أمام منضدة الزينة: — "كف عن هذا التمثيل! لا يوجد أحد هنا لتظهر اهتمامك الزائف بي.. أخبرني ماذا تريد مني بالتحديد؟ ولماذا كل هذا الإصرار على هذا الزواج المهين؟" ​صمت ميثم قليلاً، ودار حول الغرفة وكأنه يتفقد ممتلكاته، ثم قال بنبرةٍ جادة خالية من المشاعر: — "جيد.. بدأ عقلُكِ يعمل أخيراً. الحقيقة هي أنني أريد شيئاً معيناً، لكنه ليس منكِ بالتحديد، بل هو أمرٌ سأصل إليه عن طريقكِ أنتِ.. وبوجودكِ بجانبي كزوجة، س

  • عروس الجحيم   10

    فتحت ليندا عينيها ببطء شديد، وكأن جفنيها صخورٌ ثقيلة تأبى الارتفاع. لم تجد سقف الغرفة الخشبي المتواضع، بل وجدت نفسها تحت ثريا كريستالية ضخمة تعكس ضوءاً خافتاً يبعث على الهدوء والرهبة في آنٍ واحد. نظرت حولها بذهول مشوب بالخوف؛ لم تعد في المنزل البسيط الذي كانت تسكن فيه منذ فتره، بل هي الآن في جناحٍ فخم . ​كان السرير تحتها ناعماً لدرجة أنها شعرت وكأنها تطفو فوق غيمة من القطن، وكانت ترتدي فستاناً أبيض رقيقاً من الحرير الخالص، يلامس بشرتها ببرودةٍ زادت من شعورها بالغرابة. حاولت أن تنادي، أن تصرخ، أن تسأل عن أي شيء، لكن حنجرتها خانتها؛ خرج صوتها مبحوحاً وجافاً، وكأن لسانها لم يذق قطرة ماء منذ دهور، وكأنها كانت غائبة عن الوعي لأيامٍ طويلة. ​حاولت النهوض، لكن جسدها كان في حالة من الوهن الشديد، وكأن قواها قد سُحبت منها تماماً. وبعد دقائق من الصراع الصامت مع ضعفها، فُتح الباب الضخم بهدوء، ودخلت ممرضة بزيٍّ ناصع البياض. وبمجرد أن وقع بصرها على ليندا وهي تحاول الحركة، ركضت نحوها بلهفة: — "يا آنسة! لقد استيقظتِ أخيراً.. الحمد لله على سلامتكِ! مهلاً، أرجوكِ لا تتحركي، سأذهب فوراً لإحضار شيءٍ

  • عروس الجحيم   9

    هذه المرة، قطعت ليندا عهداً على نفسها ألا تكرر خطأها السابق؛ فلم تفارق المطبخ قيد أنملة، وظلت تراقب القدر وكأنها تحرس كنزاً ثميناً. وحين اقتربت المعكرونة من النضج، بدأت بتجهيز السفرة بخفة ونشاط، وضعت العصير البارد ورتبت الأطباق بأناقة القصور التي لم تفارق مخيلتها. ​عادت للمطبخ لتلقي نظرة أخيرة، لكنها لمحت "كتلة الفراء الصغيرة" وهي تنطلق كالسهم، محملة بطاقة جنونية في أرجاء المنزل. وقبل أن تستوعب ليندا الموقف أو تحاول اعتراض طريقها، كانت القطة قد قفزت ببراعة تحسد عليها فوق "المجلى"، ومنه إلى حافة القدر الساخن، لتسقطه أرضاً في مشهد بدا وكأن الزمن فيه قد توقف! ​تناثرت المعكرونة والماء في كل مكان، وانطلقت القطة هاربة دون توقف وكأن شيئاً لم يكن. ركضت ليندا نحوها بسرعة، وبدلاً من الغضب، حملتها بتفحص وقلق: — "يا إلهي! هل احترقتِ؟ أيتها المشاغبة.. لقد قتلتِ مسيرتي الفنية قبل أن تبدأ! هل كان عليكِ حقاً أن تسقطي طبختي الوحيدة أرضاً؟" ​دخلت هيفاء المطبخ بخطوات مسرعة بعد أن سمعت صوت الارتطام، وتوقفت مذهولة أمام المشهد — "هل أنتِ بخير يا ليندا؟ أوه.. يبدو أن هذه القطة المشاغبة ه

  • عروس الجحيم   7

    ​رحل ضياء قبل أن تتنفس الشمس ضياءها، مخلفاً وراءه صمتاً مطبقاً في أرجاء المنزل الصغير. حين استيقظت ليندا، وجدت الفراغ بانتظارها، فأدركت أن رحلة استقلالها الحقيقية قد بدأت الآن. خرجت إلى الحديقة حيث استقبلتها القطة الصغيرة بمواءٍ حانٍ، وكأنها ترحب بصاحبتها الجديدة. انغمست ليندا في مداعبتها تح

  • عروس الجحيم   6

    خلف زجاج النافذة، كان ضياء يراقب خيال "ليندا" وهي تتنقل في أرجاء المنزل الصغير، ملامحها كانت تعكس دهشة طفلة اكتشفت عالماً جديداً. أخرج هاتفه وأجاب بصوتٍ خفيض: — "نعم يا سيدي، هي الآن في الداخل.. لكنها تصر بكبرياءٍ عجيب على دفع الإيجار، ماذا أفعل مع عنادها هذا؟" ​جاءته ضحكة الطرف الآخر عبر الأثي

  • عروس الجحيم   2

    نظرت ليندا إلى اليد الممدودة نحوها وكأنها قيدٌ صِيغَ من ذهبٍ خالص؛ تلمع بالثراء لكنها تخنق الحرية. ترددت لثوانٍ بدت كأنها دهر، مما جعل أنظار المعازيم تتركز عليهما في صمتٍ ثقيل. لكن ميثم الهاشمي ظل واقفاً بشموخه الطاغي، عيناه الزيتونيتان لم ترمشا، بل كانتا تحدقان بها ببرودٍ يتحدى كبرياءها الصغير ويُ

  • عروس الجحيم   1

    في زاوية غرفتها الهادئة، كانت ليندا الراوي تتأمل انعكاسها في المرآة. اليوم أتمّت عامها الثامن عشر؛ شعرها البني الفاتح المنسدل على كتفيها كان يلمع تحت ضوء المصباح الخافت، وعيناها البنيتان تحملان بريقاً من الأمل الطفولي، وبشرتها الناصعة توردت قليلاً بفعل الحماس. كانت تظن أن بلوغها هذا السن يعني بداية

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status