LOGINأرتفعت يدها إلى عنقها، تحاول نزع السلسلة مرةً أخرى، لكن دون جدوى، وكأنها لم تعد مجرد قطعةٍ من معدن… بل جزءًا منها.
وفجأة، فُتح باب القصر، كما في المرة السابقة. لكن هذه المرة… لم ترَ ذلك الظلّ الصامت الذي ظنّته وحشًا. بل سمعت صوتًا، صوتٌ غليظ، عميق، قوي… قريبٌ حدّ أنها شعرت وكأنه يهمس داخل أذنها مباشرة:"ادخلي… زوجتي." ارتجف جسدها بالكامل، وتراجعت خطوة إلى الخلف، وعيناها متسعتان بذعر: "أنا… أنا لن أدخل!" قالتها بسرعة، متشبثةً بما تبقّى لديها من شجاعة. لكن في اللحظة التالية، تحرّكت قدماها، رغمًا عنها. اتسعت عيناها أكثر، والرعب يتسلل إلى أعماقها، وهي تشعر بجسدها يُساق للأمام دون إرادتها… خطوة… ثم أخرى… حتى عبرت عتبة الباب. وبمجرد دخولها، أُغلق الباب خلفها بعنفٍ مدوٍّ. انتفض جسدها، واستدارت بسرعة، تضرب الباب بكفّيها المرتجفتين: "افتح! ليفتح أحد الباب!" لكن لم يكن هناك رد. لا صوت. لا حركة. فقط صمتٌ خانق. تخاذلت قواها، وانسحبت من جسدها دفعةً واحدة، فانهارت جالسةً على أرضية القصر الباردة، مستندةً إلى الباب المغلق خلفها، ودموعها تنهمر بلا توقف. "أريد العودة إلى المنزل…" تمتمت بصوتٍ مكسور، "ستقتلني تلك المرأة هذه المرة… لا أريد الضرب…" احتضنت نفسها، وكأنها تحتمي من شيءٍ لا يُرى، واستمرت بالبكاء، غير مدركةٍ لما ينتظرها. لكن، في لحظةٍ واحدة…لم تعد وحدها. توقفت شهقاتها تدريجيًا، وشعرت بوجودٍ أمامها. رفعت رأسها ببطء، وكان هو، يقف أمامها. أو… لا. بل كان قد انحنى على ركبته أمامها، قريبًا منها بشكلٍ أربك أنفاسها، ويده تمتد ببطء… تمسح دموعها. تجمّدت، لم تستطع الابتعاد، ولا حتى الصراخ. "أنتِ…" قال بصوتٍ منخفض، يحمل نبرة دهشةٍ خفيفة، "لا تخافين مني." رفعت عينيها إليه بارتباك، ودموعها لا تزال عالقة على وجنتيها، ثم قالت ببساطةٍ صادقة: "زوجة عمي… ستضربني… دعني أعود الآن، أرجوك…" توقّف للحظة، حدّق بها بنظرةٍ لم تستطع تفسيرها. "هي… لا تملّ من ضربي…" تابعت بصوتٍ مرتجف، "وحتى حين تؤلمها يدها من كثرة ما تضربني… تعاود ذلك مرةً أخرى… وكأنها تنتقم." ساد صمت قصير، لكنه كان ثقيلاً، نظره إليها لم يتغير… لكنه أصبح أعمق. غريبًا. هل كان ذلك… شفقة؟ أم استغرابًا من سذاجتها؟ أيّ فتاةٍ في موضعها… كان ينبغي أن تفكر في الهروب من هذا المكان، من هذا الرعب… لا من امرأةٍ في عالمٍ آخر. لكنها، لم تكن كذلك. مدّ يده، وأمسك بها، يساعدها على النهوض، وقفت بجواره، ضعيفة… قصيرة القامة مقارنةً به، حتى بدا وكأنها قد تنكسر إن اقترب منها أكثر. نظرت إلى داخل القصر، وعيناها تتجولان ببطء. كان الظلام يملأ المكان، كثيفًا، ثقيلًا… لكن ضوءًا خافتًا كان يتسلل من الشموع الموزعة على الجدران، وكأنها ترسم طريقًا… أو تقودها إلى عمقٍ لا عودة منه. ساد صمتٌ ثقيل… مخيف… يخنق الأنفاس. ومع ذلك، تحرّكت عيناها ببطء، تجوبان المكان من حولها، وكأنها تحاول التشبث بأي شيءٍ مألوف، لتدرك أنها تقف داخل قاعةٍ هائلة، سقفها يرتفع بشكلٍ مرعب، وثرياتٌ عتيقة تتدلّى منه، تتراقص أضواؤها الخافتة فوق أرضيةٍ من الرخام الأسود، تعكس صورتها الباهتة كأنها شبحٌ غريب عن هذا المكان. لأول مرة تجرأت، و رفعت بصرها نحوه ببطء. وفي اللحظة التي التقت فيها عيناها بملامحه، تجمّد الدم في عروقها. كانت ملامحه حادة… قاسية، فكٌّ بارز كأنما نُحت بإتقانٍ لا يرحم، يمنح وجهه صرامةً تدفع أيّ شخصٍ للتراجع قبل الاقتراب، وبشرةٌ شاحبة، بيضاء على نحوٍ غير طبيعي، كأن الشمس لم تمسّه يومًا. أما شعره… فكان بلون الفحم، ينسدل بتمرّدٍ محسوب فوق جبينه، طويلًا بما يكفي ليضفي عليه رهبةً إضافية. وجسده، لم يكن مجرد طويل القامة فقط … بل امتلك تلك الضخامة الهادئة، أكتافٌ عريضة كأنها قُطعت من صخرٍ صلب، وصدرٌ واسع يوحي بقوةٍ لا تنتمي إلى هذا العالم الهشّ الذي تعرفه. كان يرتدي سترةً سوداء طويلة، خالية من الزخارف، لكنها تحمل في بساطتها فخامةً صارخة، قماشها يمتص الضوء بدلًا من عكسه، ينسدل خلفه بوقارٍ مخيف، بينما ياقتها العالية تخفي جزءًا من رقبته الشاحبة، وأزرارها الفضية تلمع ببرودٍ حاد… كعيونٍ صغيرة تراقبها في صمت. لكن، كل ذلك لم يكن شيئًا… أمام عينيه، لم تكونا مجرد عينين، بل كانتا… هاويتين؛ لونٌ عسليّ عميق، كالعسل المحترق، يتوسطه سوادٌ كثيف يبتلع كل من يجرؤ على النظر إليه، ووهجٌ غريب… شيطاني، يوحي بأنه يرى ما خلف الكلمات… بل ما قبلها. نظرةٌ واحدة منه، جعلتها تشعر وكأنها مكشوفة تمامًا… عارية أمام حضوره الطاغي. كان يجسد وسامةً مظلمة، مزيجًا مرعبًا بين أناقة النبلاء وخطر المفترسين… حضورًا يربك العقل: أتهرب منه… أم تنحني له؟ "م… من أنت؟" خرج صوتها ضعيفًا، بالكاد يُسمع. ابتسم، ابتسامة باردة… خالية من الطمأنينة. "يبدو أن زوجتي… لا تعرفني." شهقت، وهزّت رأسها بسرعة: "أنا لست زوجة أحد! هل أنت مجنون؟! دعني أغادر!" اقترب خطوة، فاختنق الهواء من حولها. "لقد تمّ العقد…" قالها بهدوء، لكن صوته كان أشد رعبًا من أي صراخ، "بمجرد أن ارتديتِ القلادة." وضعت يدها على عنقها، وامتلأت عيناها بالدموع: "لم يكن بإرادتي! أنا لا أعلم شيئًا!" رفع يده ببطء…ولامست أصابعه القلادة، وفي لحظة توهّجت. صرخت ليان، وشعرت بحرارةٍ تخترق جسدها، كأن شيئًا يُغرس في روحها… يُختم داخلها. "كفى!" بكت وهي تحاول الابتعاد، لكن جسدها خانها، ولم يستجب. انحنى قليلًا نحوها، وعيناه تلمعان بذلك الغموض المرعب. "اسمك." رمشت بارتباك: "ماذا؟" "ما هو اسمك." كررها بنبرةٍ آمرة. " إ.... إيزل... " ساد صمتٌ قصير، وكأنه يتذوّق الاسم، يختبره… قبل أن يهمس به ببطء: "إيزل…" ارتجف قلبها دون أن تفهم السبب. "من الآن فصاعدًا…" تابع بصوتٍ منخفض، عميق، "أنتِ ملكي." اتسعت عيناها بذعر:"لا! أنا لا" لكن، اهتز القصر بعنف. تعلّقت عيناه بالباب فورًا، وتبدّلت ملامحه، ولأول مرة… تسلّل إليه شيءٌ غير مألوف، قلق ربما! "يبدو أنهم وجدوا طريقك أسرع مما توقعت…" تمتم بصوتٍ خافت. "من؟" سألت بخوف. لكنه لم يجب. بل نظر إليها بحدة، ثم قال كلمة واحدة: "عودي." لم تفهم. لكنها لم تحصل على فرصة لتسأل. توهّجت القلادة فجأة. صرخت، وشعرت بنفس القوة التي تسحبها، العالم يتلاشى من حولها… يتكسر… يختفي."هل تظنين... أن العودة ما زالت ممكنة؟""ماذا تعنين؟""حتى لو تخليتِ عن القوة، وحتى لو اختفت الوشوم، وحتى لو انكسرت الرابطة... فلن يعود الزمن إلى الوراء.""هناك من يبحث عنكِ من أجل قتلك، وهناك من لن يتوقف حتى يعثر عليكِ... لأنه يريد استغلال ما تحملينه."سألت بصوتٍ بالكاد خرج من بين شفتيها:"إذن... لا يوجد طريقٌ للعودة؟"ظلت الساحرة تحدق فيها طويلًا، ثم قالت بهدوءٍ حمل قسوة الحقيقة كلها:"العودة إلى الماضي ؟ ""نعم ""لا."ساد صمت الحقيقة حين تهبط على القلب دفعةً واحدة. لم تكن تتمسك إلا بأملٍ واحد، كانت تؤمن أن الساحرة الأم ستجد حلًا، وأن كل ما مرت به سينتهي بمجرد وصولها إلى هنا.لكنها أدركت الآن لقد فقدت حياتها القديمة بالفعل.ليس اليوم...بل منذ الليلة التي عبرت فيها بوابة ذلك القصر.وفي اللحظة التي خيّم فيها الصمت على الكوخ...مزّق انفجارٌ هائل سكون الغابة.اهتزت الجدران بعنف، وارتجفت الأرض تحت أقدامهم، قبل أن يتناثر زجاج النوافذ على الأرض في صوتٍ حاد.ولم تمضِ سوى لحظات حتى دوّى انفجارٌ ثانٍ، كان أعنف من الأول، حتى خُيّل إليهم أن الكوخ بأكمله سيتهاوى فوق رؤوسهم.تساقطت الأواني الفخار
ابتسمت الساحرة ابتسامةً خالية من أي دفء، ثم قالت:"جميعهن... يتيمات."اتسعت عينا إيزل، بينما واصلت العجوز حديثها بهدوء:"كل واحدةٍ منهن فقدت عائلتها، وكل واحدةٍ عاشت وحيدة، ولم يكن هناك من يبحث عنها إذا اختفت."تسللت الكلمات إلى قلب إيزل ببطء، لكنها أصابته في أكثر مواضعه هشاشة، شعرت بوخزةٍ مؤلمة في صدرها، ولم تجد ما تقوله. شعرت أن أحدًا وضع إصبعه على الجرح الذي ظلت تقنع نفسها بأنه التأم منذ زمن، لطالما أخبرت نفسها أنها اعتادت الوحدة، وأن غياب عائلتها لم يعد يؤلمها، وأنها تعلمت كيف تعيش وحدها...لكن سماع الحقيقة على لسان شخصٍ آخر...كان أشد قسوةً مما توقعت.خفضت بصرها إلى الأرض، بينما ظلت الساحرة الأم تراقبها بصمت، ثم سألتها بصوتٍ هادئ:"هل تعلمين لماذا؟"لم تجب، لم تكن تملك جوابًا. فأكملت العجوز:"لأن أكثر من يحبنا في هذه الحياة... هم عائلاتنا."وتابعت، وكأنها تستحضر أسماءً مقدسة:"الأب... والأم... والأخ... والأخت.""هم أول من يقف في وجه العالم من أجلنا، وأول من يضع نفسه بيننا وبين الأذى."ثم خفضت صوتها، وقالت:"ولو كانت لإحداهن عائلةٌ حقيقية... لما أصبحت عروسًا من الأساس."تسارعت أن
راقبتها الساحرة الأم طويلًا، ثم قالت بصوتٍ هادئ:"رابطة المترين لا تقوم على الدم، ولا على السحر، بل على الإرادة. وإن أردتِ التخلص منها، فما عليكِ إلا أن تختاري."رمشت إيزل في حيرة وقالت:"أختار ماذا؟"أجابت العجوز بهدوء:"السحر لا يُكره أحدًا على حمل السيادة. إن رفضتِها بإرادتكِ، انكسرت الرابطة، وزال عنكِ كل ما منحه لكِ الطقس."ترددت إيزل قبل أن تسأل:"وماذا سيحدث لي حينها؟"تنهدت الساحرة الأم ببطء، وكأنها لا ترغب في نطق الإجابة."ستعودين بشريةً كما كنتِ تمامًا... قبل أن تلتقي بلوسيان."ولم تكن قد انتهت من جملتها حتى أشرقت ملامح إيزل، واتسعت ابتسامتها بصدق."حقًا؟! هذا... هذا رائع! إنه بالضبط ما كنت أريده."تبادلت الساحرتان نظرةً سريعة، قبل أن تتابع العجوز حديثها بنبرة أكثر جدية:"سيختفي وشم السيادة من معصمك، وستزول الوشوم التي تغطي ظهرك، وستفقدين كل قوةٍ أو موهبةٍ اكتسبتها منذ تلك الليلة. سيختفي كل أثرٍ لذلك الطقس، وكأنه لم يحدث قط."لكن ابتسامة إيزل لم تتغير، بل زادت اتساعًا، وقالت ببساطة:"وهذا أفضل."انعقد حاجبا الساحرة الأم.أما إيزل، فأردفت وهي تضحك بخفة:"ما بكِ أيتها الساحرة الأ
رمشت إيزل عدة مرات، ثم تقدمت خطوة دون وعي وقالت باستغراب:"عذرًا... ماذا؟! لكننا قطعنا كل هذه المسافة من أجل...""اخرجا."قاطعتها الساحرة الأم للمرة الثانية، بنبرةٍ حاسمة لم تترك مجالًا للنقاش.ساد صمتٌ ثقيل داخل الكوخ، حتى بدا وكأن ألسنة اللهب في الموقد قد خفت بريقها. عضّت إيزل شفتيها محاولةً السيطرة على انفعالها، لكنها لم تستطع، فتقدمت خطوة أخرى وقالت بصوتٍ امتزج فيه الرجاء بالإصرار:"لقد أرسلتنا ميراثا إليكِ بنفسها، وقالت إنك الوحيدة القادرة على مساعدتنا."لكن العجوز لم تلتفت إليها، وظلت تحدق في النار المشتعلة أمامها، وكأن وجودهما داخل الكوخ لا يعنيها في شيء.انعقد حاجبا إيزل في حيرة. لم تستطع فهم تلك المرأة؛ فمنذ أن دخلت هذا المكان، لم تنظر إليهما إلا مراتٍ معدودة، ولم تُبدِ أي اهتمام بسبب مجيئهما.أما لوسيان، فلم ينطق بكلمة واحدة. كان يقف في مكانه وعيناه معلقتان بالكتاب القديم الذي كانت النار تلتهم صفحاته ببطء، وكأن احتراقه الصفحة يعني له أكثر مما يدور حوله.نهضت الساحرة الأم أخيرًا. لم يكن في حركتها استعجال، ولا بدا عليها ضعف الشيخوخة، بل كان يحيط بها وقارٌ ثقيل جعل الهواء نفسه
"كم أكره أن تكون توقعاتي صحيحة..."همست لنفسها، بصوت خافت لم يسمعه أحد.بقيت إيزل تحدق بها، غير قادرة على استيعاب ما تراه، ثم أشارت إليها بإصبع مرتجف."أ... أنتِ العجوز؟!"رفعت الفتاة حاجبًا باستنكار مصطنع، وقالت: "العجوز؟"ثم وضعت يدها فوق صدرها، وقالت بنبرة درامية:" هذه الكلمة تؤذي مشاعري."ضحكت بخفة، قبل أن تتابع:"لكنني سأتظاهر بأنني لم أسمعها."قطبت إيزل حاجبيها."لكن... لماذا تتنكرين بتلك الهيئة ؟"تنهدت الفتاة، ثم أشارت إلى وجهها الجميل وكأن الإجابة واضحة."لهذا السبب."ازدادت حيرة إيزل، أما لوسيان فسأل ببرود:"أي سبب؟"استدارت إليه فورًا، ثم عقدت ذراعيها ونظرت إليه وكأنه لا يفهم أبسط الأمور."الرجال."ثم تابعت وهي تزفر بضيق:"كلما خرجت بهيئتي الحقيقية، يبدأ الحمقى بملاحقتي، أو مغازلتي، أو التباهي أمامي ظنًا منهم أنهم سيبهرونني."هزت رأسها باستياء: "إنه أمر مرهق للغاية."ثم ابتسمت ابتسامة منتصرة."أما حين أتحول إلى عجوز متسولة..."رفعت كتفيها بلا مبالاة."فلا يلتفت إليّ أحد."أومأت إيزل بإعجاب وقالت: "في الحقيقة... إنها فكرة ذكية."ابتسمت الساحرة بفخر: "أعرف."ثم التفتت فجأة إلى
"زوجتي مرهقة منذ الصباح."رفعت إيزل رأسها فجأة، وعيناها تلمعان بدموع مزيفة."مرهقة؟"ازدادت شهقات إيزل فورًا، وكأنها تؤكد كلامه"أنا أحمل طفلك وأنت تسمي هذا إرهاقًا فقط؟!"ساد صمت طويل جدًا، حتى المطهر الذي كان يستجوبهما بدا وكأنه نسي السؤال الذي كان سيسأله.أما لوسيان...فأغلق عينيه لثانية كاملة.ثانية واحدة فقط يحاول فيها السيطرة على رغبته في خنقها، ثم فتحهما مجددًا، وابتسم، ابتسامة مرعبة."كما ترون..."قالها وهو يشد على خصرها أكثر: "مزاجها متقلب قليلًا."شهقت إيزل بصدمة مصطنعة: "قليلًا؟!"ثم ضربت صدره بكفها."بعد كل ما فعلته من أجلك؟!"بدأ أحد المطهرين يفرك صدغيه بإرهاق وعينيه بضيق، بينما أشاح الآخر وجهه بحرج.أما الثالث فقال بسرعة:"حسنًا... حسنًا."ولوح بيده: "انصرفا."لم ينتظر لوسيان إعادة الأمر مرتين، أمسك معصم إيزل واستدار فورًا، وسحبها مبتعدًا بين الحشود.لم يتوقف إلا بعد أن ابتعدا عدة شوارع عن السوق، وحين تأكد من اختفاء المطهرين تمامًا... أفلت لوسيان أنفاسه أخيرًا، لكنه لم يرفع ذراعه عن خصرها، التفتت إليه إيزل فورًا.نظر إليها ثم قال:" طفلك؟ "" كنت أحاول إنقاذ حياتنا و هذا أو
سقطت إيزل على ركبتيها، ليس بسبب الارتطام، بل لأن الانتقال هذه المرة سحب كل طاقتها، كانت لا تزال تشعر بوخز الألم في كفها جراء دفعة زوجة عمها،ظهرت إيزل فجأة داخل غرفةٍ مختلفة، واسعة… لكنها أكثر هدوءًا، جدرانها مغطاة برفوفٍ طويلة من الكتب القديمة، تمتد حتى السقف، وأوراق مبعثرة فوق مكتبٍ ض
رمت جسدها المتعب على سريرها الخشبي المتهالك، وسرعان ما غطت في نوم عميق من أثر الإرهاق... لكنه لم يكن نوماً هادئاً، بل كان هبوطاً في هاوية الكوابيس. في حلمها، ظهر رجل يرتدي عباءة سوداء طويلة، يختبئ وجهه خلف قناع حديدي بارد، يحمل خنجراً يقطر دماً أسود، ويمشي نحوها ببطء شديد، وكل خطوة يخطوها كان ال
كانت إيزل على وشك الكلام، لكن صوتاً حاداً كسر الصمت و اخترق الهواء صوتٌ حاد كسكين صدئة، ينادي اسمها ويجعل قلبها يقفز من الرعب. "إيزل! أيتها المسخ ، مع من تثرثرين في هذا الفراغ؟" تصلبت إيزل في مكانها، وقد سرى في أوصالها قشعريرة الموت؛ إنه الصوت الذي يتردد في كوابيسها، صوت زوجة عمها الذي يقطر حقدا
حين فتحت عينيها…كانت تقف أمام منزلها، تجمدت للحظة، تنظر إلى الباب وكأنها غير مصدّقة أنها عادت أخيرًا، وحين مدّت يدها لتطرقه "هل اشتقتِ إليّ؟" تجمّدت، هذا الصوت. هبط قلبها من صدرها، والتفتت ببطء، لتجده يقف هناك… كما لو أنه لم يغادرها قط، نفس الشاب، نفس الابتسامة المستفزة، نفس النظرة… التي