Masukحين فتحت عينيها…كانت تقف أمام منزلها، تجمدت للحظة، تنظر إلى الباب وكأنها غير مصدّقة أنها عادت أخيرًا، وحين مدّت يدها لتطرقه
"هل اشتقتِ إليّ؟" تجمّدت، هذا الصوت. هبط قلبها من صدرها، والتفتت ببطء، لتجده يقف هناك… كما لو أنه لم يغادرها قط، نفس الشاب، نفس الابتسامة المستفزة، نفس النظرة… التي تخترقها، وكأنه يرى ما بداخلها. تراجعت خطوة، وقالت بحدة:"أنت!" اشتعل الغضب داخلها رغم خوفها، وضغطت على أسنانها وهي تقول: "ماذا فعلت بي؟! ما هذه القلادة؟! ولماذا... " قاطعها ضاحكًا بخفوت، ضحكة مستهترة أشعلت غضبها أكثر: "اهدئي… تبدين مضحكة وأنتِ غاضبة هكذا." اتسعت عيناها بصدمة: "مضحكة؟!" اقترب منها خطوة، ثم مال قليلًا، وعيناه تلمعان بشيءٍ غريب: "صغيرة… وضعيفة… وتظنين أنكِ قادرة على مواكبة ما يحدث؟" اشتعلت عيناها غضبًا، ورغم الخوف، رفعت رأسها بعناد: "وأنت من تظن نفسك؟! مجرد مغفّل… وأحمق يلقي أشياءه على الناس في السوق!" ضحك مجددًا، لكن هذه المرة كانت ضحكته أعمق، تحمل سخرية خفية:"أحمق؟ هذا وصف جديد." عقدت حاجبيها وقالت باندفاع: "غريب… أزعجتك كلمة أحمق ولم تزعجك مغفّل؟" توقّف للحظة، ثم نظر إليها نظرة مختلفة… أهدأ، أعمق، وكأن شيئًا ما تغيّر، لكنه أخفاه سريعًا خلف لا مبالاته المعتادة. اعتدل في وقفته، وقال بنبرة هادئة: "بما أنكِ مصرة على طرح الأسئلة… سأمنحكِ إجابة واحدة." ترددت للحظة… لكنها لم تتحرك. "أنا… لستُ إنسانًا." عقدت حاجبيها: "ماذا؟" ابتسم، وكأن رد فعلها متوقع تمامًا: "أنا مصاص دماء." ساد الصمت، مرت ثوانٍ…قبل أن تقول ببرودٍ واضح: "أنت مجنون." سكنت ملامحه فجأة، اختفت الابتسامة. وصمت، ثانية…ثانيتان…ثم، اقترب منها ببطء، حتى شعرت بأنفاسه قريبة، وقال بصوتٍ منخفض، خالٍ من المزاح هذه المرة: "لو كنتُ مجنونًا… لما كنتِ الوحيدة التي تراني." قبل أن تستوعب أمسك بيدها فجأة، صرخت محاولة سحبها، لكن قبضته كانت ثابتة. "انظري حولكِ." قال بهدوء. نظرت بتوتر، الناس تمرّ بجانبهم… بشكل طبيعي، ولكن اتسعت عيناها فجأة، حين التقطت بطرف بصرها نظرات أحد جيرانها المسلّطة عليها، يرمقها باستغرابٍ واضح، وكأنها فقدت صوابها، يتأملها وهي تتحدث… وحدها، بلا مخاطب، وكأن…لا أحد يراه. "هل ترين؟" همس بالقرب منها، "أنا المجنون الوحيد… الذي لا يراه أحد." ارتجف جسدها، وقبل أن تتكلم، اقترب أكثر، وعيناه تلمعان بظلامٍ غريب:"إلا أنتِ." توقّف الزمن للحظة، ثم، ابتسم مجددًا. وعادت تلك اللامبالاة إلى ملامحه، وكأن شيئًا لم يحدث. "والآن…" قال بخفة، "هل ما زلتِ تظنينني مجنونًا؟" تعلمين ماذا يعني ذلك؟" قالها وهو يميل برأسه قليلًا، يراقب كل تفصيلة في وجهها. هزّت رأسها ببطء: "لا…" ابتسم… لكن ابتسامته هذه المرة لم تحمل أي أثرٍ للاستهتار، بل كانت باردة… مخيفة، كابتسامة مفترسٍ لمح فريسةً نادرة. انعكست في عينيه نظرة جائعة، داكنة، وكأنه يستنشق وجودها قبل أن يقترب… كأن لدمها رائحةً عتيقة، آسرة… ومنعشة على نحوٍ مقلق. ثم قال بصوتٍ عميقٍ مبحوح، يكاد يلامس سمعها: "هذا يعني أنكِ…" توقف لثانية، وعيناه لم تغادراها، قبل أن يُكمل بخفوتٍ يحمل يقينًا مرعبًا: "عروس الشيطان… المنتظرة." نظرة له بجمود،فقدت النطق ، وكأن كلماته صفعتها. "عروس من، يا عزيزي؟" قالتها بسخريةٍ لاذعة، وقد انطلقت ضحكة عالية من بين شفتيها، بينما كانت ملامح الخوف التي احتلّت وجهها منذ لحظات تتلاشى تدريجيًا، لتحلّ محلّها نظرة ساخرة متحدّية. توقّف عن الحركة، ونظر إليها باستغرابٍ واضح، وكأن ما يراه أمامه لا يتوافق مع ما كان يتوقعه. لوهلة… كاد يصدق، كاد يظن أن هذه الجرأة حقيقية. لكن، ما إن التقط همسات أفكارها، حتى تغيّر كل شيء. "يا ويلي… يبدو أن الأمر حقيقي… ماذا أفعل الآن؟ ماذا أفعل؟ ذلك الأحمق يبدو جادًا فعلًا!" وفي لحظة، انفجر ضاحكًا. ضحكة عميقة، صاخبة، أربكتها تمامًا، وجعلتها تحدّق به بعدم فهم، بينما ارتسمت على وجهها ملامح الحيرة والدهشة، "للحظةٍ واحدة…" قال بين ضحكاته، "كدتُ أصدقكِ حقًا… يا إلهي، أنتِ ممتعة و حادّة اللسان." ازدادت حيرتها، ولم تعد تفهم ما الذي يحدث، ولا كيف انقلب الموقف بهذه السرعة، لكنّه لم يمنحها وقتًا للتفكير، بل مال قليلًا، وعيناه تلمعان بتعالٍ واضح، وقال بنبرةٍ يغلفها الغرور: "ألم يخبركِ أحد… أن مصاصي الدماء يستطيعون الاستماع إلى الأفكار؟" رغم شعورها بالخجل اشتعلت عيناها غضبًا فجأة، وقالت بحدّة: "بل سمعتُ شيئًا آخر…" توقّف، رافعًا حاجبه باهتمام. فأردفت باندفاع:"أنكم تُقتلون بالثوم." ساد صمتٌ لثانية… تجمّدت ملامحه، وعيناه ثبتتا عليها بنظرةٍ لا تُقرأ. حتى خُيّل إليها… أنها ربما تجاوزت الحد. "الثوم؟" أعاد الكلمة ببطء، وكأنه يتذوقها، ثم مال برأسه قليلًا، "حقًا؟" وقبل أن تستوعب رد فعله، انفجر ضاحكًا. ضحكة طويلة، عميقة، خالية من أي أثرٍ للغضب، بل… أقرب إلى التسلية الخالصة. ازداد ارتباكها، وقالت بحدة تخفي توترها:"ما المضحك؟!" مسح بطرف إصبعه أثر دمعةٍ وهمية من زاوية عينه، ثم نظر إليها مجددًا، ولا تزال ابتسامته الواسعة على شفتيه، وكأنه وجد أخيرًا ما يسلّيه… "يا إلهي… من أين تأتون بهذه الخرافات؟" ضيّقت عينيها، ولم يعجبها أسلوبه إطلاقًا: "إذًا هذا غير صحيح؟" اقترب خطوة بطيئة، ثم أخرى، حتى شعرت بأن المسافة بينهما تتقلص بشكلٍ مقلق، وقال بصوتٍ منخفض: "لنقل… إننا لا نُهزم بهذه السهولة." ابتلعت ريقها، لكنها لم تتراجع هذه المرة، بل رفعت ذقنها بعناد:"وأنا لست خائفة منك." رمقها بنظرةٍ ضيّقة، وقد أدرك أنها ليست ضعيفة كما تبدو… بل حادّة اللسان إلى حدٍ قد يوقعها في الهلاك، رمقها وكأنّه يحاول قراءة ما وراء كلماتها، ثم ابتسم… ابتسامة أهدأ، ثم قال: "أعرف." رمشت بارتباك:"تعرف ماذا؟" "أعرف أنكِ خائفة." قالها ببساطة، وهو يشير إلى صدرها، "قلبكِ يفضحكِ." وشعرت وكأن الأرض سُحبت من تحتها. "لكن…" تابع وهو يميل قليلًا نحوها، "أعجبني أنكِ تحاولين إخفاء ذلك." اشتعل وجهها غضبًا، وقالت بسرعة: "أنا لا أحاول إخفاء شيء!" رفع حاجبه، ولم يبدُ مقتنعًا: "حقًا؟ إذًا توقفي عن التفكير في الهروب كل ثلاث ثوانٍ." اتسعت عيناها، وابتلعت الكلمات في حلقها، ثم صاحت بغيظ:"توقف عن قراءة أفكاري!" ابتسم بخبث:"اجعليها أقل صخبًا، وسأتوقف." شدّت على قبضتها، وبدت وكأنها على وشك أن تضربه، لكنها توقفت، ليس خوفًا…بل لأنها أدركت فجأة أنها لا تفهم هذا العالم، ولا تفهمه هو. تنفست بعمق، ثم قالت بنبرة أقل حدّة، لكنها لا تزال متحفزة:"لماذا أنا؟" اختفت ابتسامته تدريجيًا، وساد صمت قصير. ثم إشار بهدوء مختلف تمامًا إلى القلادة حول عنقها "بسبب هذه؟" هزّ رأسه ببطء:"ليس فقط بسببها… بل لأنكِ أنتِ." عقدت حاجبيها:"ماذا يعني هذا؟" تنهّد بخفوت، وكأنه يفكر إن كان سيجيب أم لا، ثم قال: "هذه القلادة موجودة منذ قرون… في نفس المكان… يمرّ بها الجميع… لكن لا أحد يراها، ثم أضاف وهو ينظر مباشرة إلى عينيها: "ولا أحد يستطيع لمسها… أو الشعور بها." شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. "إلا عروس الشيطان." انقبض قلبها. "وأنتِ…" قالها ببطء، "رأيتي… لمستي… وارتديتي." تراجعت خطوة، وهمست:"هذا لا يعني شي " "بل يعني كل شيء." قاطعها بهدوء. ساد الصمت بينهما ثقيل… خانق، وكأنه يدعها تفكر، ثم قال فجأة، وكأن الأمر لا يعنيه: "وهذا يجعل منكِ هدفًا." رفعت رأسها بسرعة:"هدفًا؟!" "لكثيرين." أجاب ببساطة، "وأولهم… أنا." تجمّدت، "ماذا؟" ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن مطمئنة: "لا تقلقي… لو أردت قتلكِ، لفعلت منذ اللحظة الأولى." ارتجف قلبها رغمًا عنها، ثم قال بنبرةٍ أخف، وكأنه عاد إلى أسلوبه المستهتر:"لكنني فضولي… وأنتِ مثيرة للاهتمام." اشتعل وجهها غضبًا:"أنا لست تجربة!" اقترب خطوة، ثم همس بالقرب منها: "ربما… لكنكِ بداية لعبةٍ لم تبدأ بعد.""هل تظنين... أن العودة ما زالت ممكنة؟""ماذا تعنين؟""حتى لو تخليتِ عن القوة، وحتى لو اختفت الوشوم، وحتى لو انكسرت الرابطة... فلن يعود الزمن إلى الوراء.""هناك من يبحث عنكِ من أجل قتلك، وهناك من لن يتوقف حتى يعثر عليكِ... لأنه يريد استغلال ما تحملينه."سألت بصوتٍ بالكاد خرج من بين شفتيها:"إذن... لا يوجد طريقٌ للعودة؟"ظلت الساحرة تحدق فيها طويلًا، ثم قالت بهدوءٍ حمل قسوة الحقيقة كلها:"العودة إلى الماضي ؟ ""نعم ""لا."ساد صمت الحقيقة حين تهبط على القلب دفعةً واحدة. لم تكن تتمسك إلا بأملٍ واحد، كانت تؤمن أن الساحرة الأم ستجد حلًا، وأن كل ما مرت به سينتهي بمجرد وصولها إلى هنا.لكنها أدركت الآن لقد فقدت حياتها القديمة بالفعل.ليس اليوم...بل منذ الليلة التي عبرت فيها بوابة ذلك القصر.وفي اللحظة التي خيّم فيها الصمت على الكوخ...مزّق انفجارٌ هائل سكون الغابة.اهتزت الجدران بعنف، وارتجفت الأرض تحت أقدامهم، قبل أن يتناثر زجاج النوافذ على الأرض في صوتٍ حاد.ولم تمضِ سوى لحظات حتى دوّى انفجارٌ ثانٍ، كان أعنف من الأول، حتى خُيّل إليهم أن الكوخ بأكمله سيتهاوى فوق رؤوسهم.تساقطت الأواني الفخار
ابتسمت الساحرة ابتسامةً خالية من أي دفء، ثم قالت:"جميعهن... يتيمات."اتسعت عينا إيزل، بينما واصلت العجوز حديثها بهدوء:"كل واحدةٍ منهن فقدت عائلتها، وكل واحدةٍ عاشت وحيدة، ولم يكن هناك من يبحث عنها إذا اختفت."تسللت الكلمات إلى قلب إيزل ببطء، لكنها أصابته في أكثر مواضعه هشاشة، شعرت بوخزةٍ مؤلمة في صدرها، ولم تجد ما تقوله. شعرت أن أحدًا وضع إصبعه على الجرح الذي ظلت تقنع نفسها بأنه التأم منذ زمن، لطالما أخبرت نفسها أنها اعتادت الوحدة، وأن غياب عائلتها لم يعد يؤلمها، وأنها تعلمت كيف تعيش وحدها...لكن سماع الحقيقة على لسان شخصٍ آخر...كان أشد قسوةً مما توقعت.خفضت بصرها إلى الأرض، بينما ظلت الساحرة الأم تراقبها بصمت، ثم سألتها بصوتٍ هادئ:"هل تعلمين لماذا؟"لم تجب، لم تكن تملك جوابًا. فأكملت العجوز:"لأن أكثر من يحبنا في هذه الحياة... هم عائلاتنا."وتابعت، وكأنها تستحضر أسماءً مقدسة:"الأب... والأم... والأخ... والأخت.""هم أول من يقف في وجه العالم من أجلنا، وأول من يضع نفسه بيننا وبين الأذى."ثم خفضت صوتها، وقالت:"ولو كانت لإحداهن عائلةٌ حقيقية... لما أصبحت عروسًا من الأساس."تسارعت أن
راقبتها الساحرة الأم طويلًا، ثم قالت بصوتٍ هادئ:"رابطة المترين لا تقوم على الدم، ولا على السحر، بل على الإرادة. وإن أردتِ التخلص منها، فما عليكِ إلا أن تختاري."رمشت إيزل في حيرة وقالت:"أختار ماذا؟"أجابت العجوز بهدوء:"السحر لا يُكره أحدًا على حمل السيادة. إن رفضتِها بإرادتكِ، انكسرت الرابطة، وزال عنكِ كل ما منحه لكِ الطقس."ترددت إيزل قبل أن تسأل:"وماذا سيحدث لي حينها؟"تنهدت الساحرة الأم ببطء، وكأنها لا ترغب في نطق الإجابة."ستعودين بشريةً كما كنتِ تمامًا... قبل أن تلتقي بلوسيان."ولم تكن قد انتهت من جملتها حتى أشرقت ملامح إيزل، واتسعت ابتسامتها بصدق."حقًا؟! هذا... هذا رائع! إنه بالضبط ما كنت أريده."تبادلت الساحرتان نظرةً سريعة، قبل أن تتابع العجوز حديثها بنبرة أكثر جدية:"سيختفي وشم السيادة من معصمك، وستزول الوشوم التي تغطي ظهرك، وستفقدين كل قوةٍ أو موهبةٍ اكتسبتها منذ تلك الليلة. سيختفي كل أثرٍ لذلك الطقس، وكأنه لم يحدث قط."لكن ابتسامة إيزل لم تتغير، بل زادت اتساعًا، وقالت ببساطة:"وهذا أفضل."انعقد حاجبا الساحرة الأم.أما إيزل، فأردفت وهي تضحك بخفة:"ما بكِ أيتها الساحرة الأ
رمشت إيزل عدة مرات، ثم تقدمت خطوة دون وعي وقالت باستغراب:"عذرًا... ماذا؟! لكننا قطعنا كل هذه المسافة من أجل...""اخرجا."قاطعتها الساحرة الأم للمرة الثانية، بنبرةٍ حاسمة لم تترك مجالًا للنقاش.ساد صمتٌ ثقيل داخل الكوخ، حتى بدا وكأن ألسنة اللهب في الموقد قد خفت بريقها. عضّت إيزل شفتيها محاولةً السيطرة على انفعالها، لكنها لم تستطع، فتقدمت خطوة أخرى وقالت بصوتٍ امتزج فيه الرجاء بالإصرار:"لقد أرسلتنا ميراثا إليكِ بنفسها، وقالت إنك الوحيدة القادرة على مساعدتنا."لكن العجوز لم تلتفت إليها، وظلت تحدق في النار المشتعلة أمامها، وكأن وجودهما داخل الكوخ لا يعنيها في شيء.انعقد حاجبا إيزل في حيرة. لم تستطع فهم تلك المرأة؛ فمنذ أن دخلت هذا المكان، لم تنظر إليهما إلا مراتٍ معدودة، ولم تُبدِ أي اهتمام بسبب مجيئهما.أما لوسيان، فلم ينطق بكلمة واحدة. كان يقف في مكانه وعيناه معلقتان بالكتاب القديم الذي كانت النار تلتهم صفحاته ببطء، وكأن احتراقه الصفحة يعني له أكثر مما يدور حوله.نهضت الساحرة الأم أخيرًا. لم يكن في حركتها استعجال، ولا بدا عليها ضعف الشيخوخة، بل كان يحيط بها وقارٌ ثقيل جعل الهواء نفسه
"كم أكره أن تكون توقعاتي صحيحة..."همست لنفسها، بصوت خافت لم يسمعه أحد.بقيت إيزل تحدق بها، غير قادرة على استيعاب ما تراه، ثم أشارت إليها بإصبع مرتجف."أ... أنتِ العجوز؟!"رفعت الفتاة حاجبًا باستنكار مصطنع، وقالت: "العجوز؟"ثم وضعت يدها فوق صدرها، وقالت بنبرة درامية:" هذه الكلمة تؤذي مشاعري."ضحكت بخفة، قبل أن تتابع:"لكنني سأتظاهر بأنني لم أسمعها."قطبت إيزل حاجبيها."لكن... لماذا تتنكرين بتلك الهيئة ؟"تنهدت الفتاة، ثم أشارت إلى وجهها الجميل وكأن الإجابة واضحة."لهذا السبب."ازدادت حيرة إيزل، أما لوسيان فسأل ببرود:"أي سبب؟"استدارت إليه فورًا، ثم عقدت ذراعيها ونظرت إليه وكأنه لا يفهم أبسط الأمور."الرجال."ثم تابعت وهي تزفر بضيق:"كلما خرجت بهيئتي الحقيقية، يبدأ الحمقى بملاحقتي، أو مغازلتي، أو التباهي أمامي ظنًا منهم أنهم سيبهرونني."هزت رأسها باستياء: "إنه أمر مرهق للغاية."ثم ابتسمت ابتسامة منتصرة."أما حين أتحول إلى عجوز متسولة..."رفعت كتفيها بلا مبالاة."فلا يلتفت إليّ أحد."أومأت إيزل بإعجاب وقالت: "في الحقيقة... إنها فكرة ذكية."ابتسمت الساحرة بفخر: "أعرف."ثم التفتت فجأة إلى
"زوجتي مرهقة منذ الصباح."رفعت إيزل رأسها فجأة، وعيناها تلمعان بدموع مزيفة."مرهقة؟"ازدادت شهقات إيزل فورًا، وكأنها تؤكد كلامه"أنا أحمل طفلك وأنت تسمي هذا إرهاقًا فقط؟!"ساد صمت طويل جدًا، حتى المطهر الذي كان يستجوبهما بدا وكأنه نسي السؤال الذي كان سيسأله.أما لوسيان...فأغلق عينيه لثانية كاملة.ثانية واحدة فقط يحاول فيها السيطرة على رغبته في خنقها، ثم فتحهما مجددًا، وابتسم، ابتسامة مرعبة."كما ترون..."قالها وهو يشد على خصرها أكثر: "مزاجها متقلب قليلًا."شهقت إيزل بصدمة مصطنعة: "قليلًا؟!"ثم ضربت صدره بكفها."بعد كل ما فعلته من أجلك؟!"بدأ أحد المطهرين يفرك صدغيه بإرهاق وعينيه بضيق، بينما أشاح الآخر وجهه بحرج.أما الثالث فقال بسرعة:"حسنًا... حسنًا."ولوح بيده: "انصرفا."لم ينتظر لوسيان إعادة الأمر مرتين، أمسك معصم إيزل واستدار فورًا، وسحبها مبتعدًا بين الحشود.لم يتوقف إلا بعد أن ابتعدا عدة شوارع عن السوق، وحين تأكد من اختفاء المطهرين تمامًا... أفلت لوسيان أنفاسه أخيرًا، لكنه لم يرفع ذراعه عن خصرها، التفتت إليه إيزل فورًا.نظر إليها ثم قال:" طفلك؟ "" كنت أحاول إنقاذ حياتنا و هذا أو
سقطت إيزل على ركبتيها، ليس بسبب الارتطام، بل لأن الانتقال هذه المرة سحب كل طاقتها، كانت لا تزال تشعر بوخز الألم في كفها جراء دفعة زوجة عمها،ظهرت إيزل فجأة داخل غرفةٍ مختلفة، واسعة… لكنها أكثر هدوءًا، جدرانها مغطاة برفوفٍ طويلة من الكتب القديمة، تمتد حتى السقف، وأوراق مبعثرة فوق مكتبٍ ض
رمت جسدها المتعب على سريرها الخشبي المتهالك، وسرعان ما غطت في نوم عميق من أثر الإرهاق... لكنه لم يكن نوماً هادئاً، بل كان هبوطاً في هاوية الكوابيس. في حلمها، ظهر رجل يرتدي عباءة سوداء طويلة، يختبئ وجهه خلف قناع حديدي بارد، يحمل خنجراً يقطر دماً أسود، ويمشي نحوها ببطء شديد، وكل خطوة يخطوها كان ال
كانت إيزل على وشك الكلام، لكن صوتاً حاداً كسر الصمت و اخترق الهواء صوتٌ حاد كسكين صدئة، ينادي اسمها ويجعل قلبها يقفز من الرعب. "إيزل! أيتها المسخ ، مع من تثرثرين في هذا الفراغ؟" تصلبت إيزل في مكانها، وقد سرى في أوصالها قشعريرة الموت؛ إنه الصوت الذي يتردد في كوابيسها، صوت زوجة عمها الذي يقطر حقدا
أرتفعت يدها إلى عنقها، تحاول نزع السلسلة مرةً أخرى، لكن دون جدوى، وكأنها لم تعد مجرد قطعةٍ من معدن… بل جزءًا منها. وفجأة، فُتح باب القصر، كما في المرة السابقة. لكن هذه المرة… لم ترَ ذلك الظلّ الصامت الذي ظنّته وحشًا. بل سمعت صوتًا، صوتٌ غليظ، عميق، قوي… قريبٌ حدّ أنها شعرت وكأنه يهمس داخل أذن







