تسجيل الدخولوقفنا تحت المطر المنهمر، وضخامة المشهد تزداد مع وميض مصابيح عربات الشرطة. تطلع المحقق شارلوك إليّ بنظراته الفاحصة، منتظراً أن أبدأ حديثي، بينما كان السيد ستيفن، طبيب الطب الشرعي، يتابع فحص الجثة بتمعن خلفه.
أخذتُ نفساً عميقاً، وبدأتُ بسرد شهادتي قائلاً:
— "سيادة المحقق، أنا وجاري مارك كنا نحتسي الشاي في منزلي الواقع في هذا الشارع ذاته، تحديداً في تمام الساعة الحادية عشرة مساءً. كان الجو ممطراً والهدوء يعم المكان، وفجأة، اخترق السكون صوت صرخة استغاثة مرعبة من الخارج.. صوت فتاة يمزق الصمت وهي تصرخ: 'أغيثوني!'."
صمتُّ للحظة لأسحب أنفاسي، ثم تابعت تحت نظرات شارلوك التي لم تحِد عن وجهي:
— "لكن الصرخة لم تكتمل يا سيدي؛ لقد قُطعت فجأة وبشكل مريب كأن أحداً كتم أنفاسها. لم نتردد لثانية واحدة، التقطتُ معطفي وهرعتُ صوب الشارع لأستطلع الأمر. وعندما وطأت أقدامنا الرصيف، لمحتُ رجلين يجريان بسرعة جنونية ليتواريا بجوار حانة 'توماس السكير'، وعندما ركضنا خلفهما صدمنا برؤية هذه الجثة الهامدة للفتاة الشابة ملقاة هنا أمام باب الحانة مباشرة، وأثر الضربة العنيفة واضح على رأسها."
أومأ المحقق شارلوك برأسه ببطء، ودون بضع كلمات في دفتره الصغير، ثم التفت نحو الطبيب الشرعي وسأله بنبرة جادة:
— "سيد ستيفن، ما تقييمك الأولي لسبب الوفاة وتوقيتها؟"
رفع السيد ستيفن رأسه، ومسح قطرات المطر عن نظارته الطبية، ثم قال بصوت هادئ ومحترف:
— "الوفاة نتجت عن كسر في الجمجمة بسبب ضربة غادرة ومباشرة بأداة معدنية حادة وثقيلة من الخلف. والنزيف الشديد يتدفق بغزارة، مما يعني أن الجريمة حدثت قبل دقائق معدودة من وصولكما.. كلام هذا الشاب دقيق جداً من الناحية الطبية الجنائية."
التفت المحقق شارلوك إليّ مجدداً، وعيناه تلمعان بذكاء حاد، واقترب خطوة قاصداً التدقيق في ملامحي، وسألني فجأة:
— "سيد ماجواير.. بصفتك صحفياً يمتلك حساً دقيقاً، ورأى الرجلين الهاربين؛ هل لاحظت أي تفصيلة أخرى؟ شكل ملابسهما، أو ربما شيء سقط منهما في مسرح الجريمة قبل وصولنا؟"
تلمستُ بيدي -دون أن يشعر- أطراف المنديل الذي يخبئ الزر الذهبي الأرستقراطي داخل جيب معطفي، وشعرت بعبء السر الذي أحمله،
بلعتُ ريقي وثبّتُّ نظراتي في عيني المحقق شارلوك متصنعاً الهدوء التام. رسمتُ على وجهي ملامح الأسى والارتباك الطبيعي لأي مواطن صالح صُدم بجريمة بشعة في حيه، وقلت بنبرة حازمة ومختصرة:
— "هذا كل ما قد رأيته سيدي.. الضباب كان كثيفاً والمطر غزيراً جداً، ولم ألمح سوى ظليّن يهربان في العتمة قبل أن يسقطا في غياهب زقاق حانة توماس. لم يسقط منهما شيء، ولم أتمكن من تمييز أي ملامح أو تفاصيل."
لم ينبش جيب معطفي سوى أصابعي التي كانت تضغط على الزر الذهبي الأرستقراطي، وكأنني أقسمتُ بداخلي أن تكون هذه القضية هي بوابتي الكبرى كصحفي شاب يخطو أولى خطواته في عالم الجريمة والتحقيق الجنائي؛ أريد فك هذا اللغز بنفسي وبقلمي قبل أن تسبقني يد العدالة الرسمية.
نظر إليّ المحقق شارلوك لثوانٍ بدت دهرًا، كانت عيناه كخنجرين يحاولان اختراق ستائر أسراري. ثم انحنى قليلاً، والتقط قبعة الفتاة الملقاة على الرصيف، وهز رأسه قائلاً:
— "حسناً يا سيد ماجواير، شهادتك وثقت توقيت الجريمة بدقة وهذا يفيدنا. يمكنك العودة أنت وصديقك إلى المنزل للاستدفاء، لكن لا تغادرا المدينة، فقد نحتاجكما لإعادة الاستجواب."
تنفستُ الصعداء، وأومأ مارك برأسه متراجعاً معي بضع خطوات. عدنا إلى شقتي والبرق يضيء سماء لندن، وما إن أغلقتُ الباب الخشبي خلفنا، حتى أخرجتُ المنديل القماشي من جيبي، وبسطته على الطاولة أمام مارك المذعور.
لمع الزر الذهبي ذو الشعار الملكي الأرستقراطي تحت ضوء المصباح الزيتي، ونظرتُ إلى مارك وقلت وعيناي تشتعلان حماساً:
— "مارك.. تبدأ رحلتنا من هنا. غداً صباحاً، سنزور المكتبة الوطنية لنبحث في سجلات العائلات النبيلة عن هذا الشعار. القاتل ليس مجرد متشرد من أزقة لندن، بل هو رجل ذو نفوذ!"
في صباح اليوم التالي، انقشع ضباب الليل الموحش وحلّ محله نهار لندني رمادي بارد. لم تغمض عيناي طوال الليل؛ كانت صورة الفتاة والزر الذهبي والشعار الملكي المحفور عليه تطارد مخيلتي.
ارتديت معطفي، واصطحبت مارك الذي كان لا يزال يبدو عليه القلق، وتوجهنا مباشرة إلى المكتبة الوطنية في لندن. كانت البناية التاريخية شاهقة، تفوح من أروقتها رائحة الورق القديم والحبر، وهي المكان المثالي لمن يبحث عن تاريخ الأنساب والعائلات الأرستقراطية التي تحكم ظلال المدينة.
توجهنا إلى قسم السجلات التاريخية والأنساب، وطلبتُ من أمين المكتبة المجلدات الضخمة الخاصة بـ "شعارات النبلاء والعائلات الإقطاعية في بريطانيا". جلسنا أنا ومارك على طاولة خشبية طويلة تحت ضوء نافذة زجاجية كبيرة، وأخرجتُ الزر الذهبي من منديلي بحذر، ووضعته بجانب المجلدات المقفلة.
فتحتُ المجلد الأول وبدأنا نقلب الصفحات الصفراء السميكة، نبحث بتمعن عن مواصفات الشعار: درع محاط بجناحي صقر يعلوه تاج ثلاثي الفصوص. مرت ساعة.. ثم ساعتان، ومارك يكاد يستسلم، حتى توقفت أصابعي فجأة عند الصفحة رقم 142.
اتسعت عيناي ونظرت إلى مارك هامساً بحماس:
— "مارك.. انظر هنا! إنه نفس الشعار تماماً."
كان الشعار يعود لعائلة "لورد برادفورد"، وهي واحدة من أغنى وأقوى العائلات الأرستقراطية في لندن، ولهم نفوذ واسع يمتد إلى داخل البرلمان والشرطة نفسها. وتحت الشعار كانت هناك ملحوظة مكتوبة بخط صغير: «الابن الأصغر، اللورد آرتثر برادفورد، يُعرف بشغفه بجمع التحف وارتداء المعاطف المخملية الفاخرة المصممة خصيصاً له في باريس».
تذكرتُ فوراً كلمات توماس السكير عن "الرجل ذو القبعة المخملية العالية الذي يمشي بجرأة كالنبلاء". كل الأدلة الآن باتت تشير إلى سليل هذه العائلة الثرية.
التفتُّ إلى مارك وقلت له بجدية:
— "الآن عرفنا هوية صاحب المعطف.. اللورد آرتثر برادفورد. لكن السؤال الأهم: ما الذي يربط لورداً أرستقراطياً بفتاة مسكينة أمام حانة شعبية في عتمة الليل؟"
أغلقتُ المجلد الضخم بقوة أحدثت صدى في أرجاء المكتبة الهادئة، ونظرت إلى مارك قائلًا وعيناي تلمعان بالتحدي:
— "مارك، الذهاب إلى قصر لورد من عائلة برادفورد الآن سيكون انتحاراً؛ نفوذه سيخنقنا قبل أن نصل إلى بوابته. يجب أن نعود إلى الحلقة الأضعف.. توماس السكير."
عدنا أدراجنا إلى الشارع ذاته، وكانت حانة توماس تبدو كئيبة ومهجورة تحت ضوء النهار الرمادي، فالشرطة كانت قد أنهت معاينتها ورفعت الجثة، ولم يتبقَّ سوى بقايا شريط أصفر يرفرف مع الهواء البارد. دفعنا الباب الخشبي الثقيل، فصدر منه صرير حاد، وكانت الحانة شبه خالية إلا من رائحة الخمر العفن والتبغ وصوت توماس وهو يمسح الطاولة بخرقة متسخة، والذعر لا يزال يرتسم على ملامح وجهه السمين.
ما إن رآني توماس حتى تجمّدت يده، وحاول التصنّع بالهدوء قائلًا بصوت مرتعش:
— "أهلاً.. أهلاً بالسيد جوني.. ألم تكتفِ الشرطة بأسئلتها البارحة؟"
مشيتُ بخطوات بطيئة وواثقة، وسحبتُ كرسيًا خشبيًا وجلستُ أمامه مباشرة، بينما وقف مارك يراقب الباب خلفي. وضعتُ يدي على الطاولة، وانحنيتُ نحوه قائلًا بنبرة منخفضة ولكنها حادة كالشفرة:
— "الشرطة تكتفي بما تراه يا توماس، أما أنا فلا. بالأمس أخبرتني أن الفتاة دخلت خلف الرجلين بدقائق.. والآن، أريد الحقيقة كاملة دون لف أو دوران: مَن هي تلك الفتاة؟ وما الذي سمعته يدور بينهم قبل أن تخرج وتلقى حتفها؟"
حاول توماس التهرب وتلعثم قائلًا:
— "أنا.. أنا لا أعرفها يا سيد جوني، أقسم لك، كانت مجرد زبونة..."
قاطعتُه بقوة وأنا أخرج المنديل القماشي من جيبي، وأبسطه أمام عينيه ببطء ليرى الزر الذهبي المشع بشعار عائلة برادفورد. اتسعت عيناه الشاحبتان وسقطت الخرقة من يده. تابعتُ هامسًا بنبرة تهديد:
— "هذا الزر يعود للورد آرتثر برادفورد. إذا اكتشفت الشرطة أو اللورد نفسه أنك تخفي شيئاً، فلن تنجو بحانتك ولا برأسك. تكلم يا توماس، قبل أن أتركك تواجه مصيرك وحيداً!"
انهارت مقاومة توماس تماماً، والتقط أنفاسه بصعوبة وهو يلتفت يميناً ويساراً برعب، ثم انحنى على الطاولة وقال بصوت يرتجف:
— "سأخبرك.. سأخبرك بكل شيء يا سيد جوني.. الفتاة تُدعى إليزابيث، وكانت تعمل خادمة في قصر برادفورد! ولم تأتِ إلى هنا للشرب، بل جاءت لتهدد اللورد بشيء كانت تحمله في حقيبتها.. سمعتها تقول له: 'إذا لم تدفع، سأنشر المذكرات في الصحف!'."
تكشّفت الآن خيوط المؤامرة! إليزابيث الخادمة كانت تبتز اللورد بمذكرات سرية ،أومأتُ لمارك بنظرة سريعة، ووقفتُ على الفور بينما كانت دقات قلبي تتسارع. لقد تحولت القضية من جريمة قتل عشوائية في زقاق مظلم إلى مؤامرة كبرى تتعلق بابتزاز وأسرار عائلة ملكية.
التفتُّ إلى توماس وقلت له بحزم:
— "أين كانت تسكن إليزابيث يا توماس؟ أين تقع غرفتها؟"
بلع توماس ريقه ومسح العرق عن جبينه الشاحب قائلاً بصوت خافت:
— "إنها تستأجر غرفة صغيرة في الدور العلوي من المبنى السكني القديم في نهاية شارع 'بايكر'.. رقم الغرفة 4ب. لكن أرجوك يا سيد جوني، لا تقحم اسمي في هذا!"
تركتُ توماس يرتعد خلف طاولة حانته، وانطلقتُ رفقة مارك مسرعين عبر أزقة لندن الرمادية. كان الوقت يداهمنا؛ فإذا كانت إليزابيث قد قُتلت لأنها تملك مذكرات تدين اللورد آرتثر برادفورد، فإن رجال اللورد -أو ربما المحقق شارلوك نفسه- في طريقهم الآن إلى غرفتها لقلبها رأساً على عقب والعثور على تلك الأوراق.
وصلنا إلى البناية العتيقة ذات الطوب الأحمر الداكن، وتسللنا عبر الدرج الخشبي الذي كان يصدر صريراً حاداً مع كل خطوة. وصلنا إلى الدور العلوي، وتوقفنا أمام الباب الذي يحمل لوحة نحاسية صغيرة مكتوباً عليها "4ب".
حاولتُ فتح الباب ببطء، لكنه كان مقفلاً بإحكام. التفتُّ إلى مارك وقلت له بصوت منخفض:
— "مارك، راقب السلالم جيداً.. سأقوم بكسر القفل."
أخرجتُ سكيناً صغيراً من جيبي وبدأتُ أتحسس به قفل الباب القديم مستغلاً مهارتي وملاحظاتي السابقة حول الجنايات، وبعد محاولات تطلبت دقة شديدة، سُمع صوت تكة خفيفة.. وانفتح الباب ببطء ليقودنا إلى داخل الغرفة المظلمة.
كانت الغرفة بسيطة ومتواضعة، تفوح منها رائحة اللافندر، وبدت بعض أشيائها مبعثرة، مما ينم عن عجلة إليزابيث قبل خروجها الأخير. بدأتُ على الفور بتفتيش الأدراج الخشبية والمكتب الصغير، بينما كان مارك يتفحص الفراش.
فجأة، وبينما كنتُ أتحسس لوحاً خشبياً يبدو فضفاضاً أسفل خزانة الملابس، عثرتُ على تجويف سري! مددتُ يدي لأخرج دفتر مذكرات جلدي صغير ذو قفل حديدي، وبجانبه صورة فوتوغرافية تجمع الفتاة الراحلة باللورد آرتثر في وضع يثير الكثير من الشبهات،توقفت أنفاسنا تماماً، وتصلب مارك في مكانه وعيناه متسعتان من الرعب بينما كان صوت صرير الدرج الخشبي يقترب ويزداد وضوحاً. طرقت الخطوات الثقيلة الممر بالخارج، وثوانٍ معدودة بدت كأعوام حبسنا فيها أنفاسنا، حتى سمعنا صوتاً حازماً يقول بالأسفل:
— "بلّغني الجيران أن شقتها في الطابق الثالث، تحركوا!"
تابع رجال الشرطة صعودهم، متخطين طابقنا بالخطأ ومتجهين نحو الأعلى بفضل اختلاط الأمر على الجيران. تنفستُ الصعداء بسرعة، ولم أضيع ثانية واحدة؛ سحبتُ مارك من يده، ودسستُ دفتر المذكرات الجلدي والصور الثمينة بأمان داخل الجيب الداخلي لمعطفي.
خرجنا من الشقة بحذر، وأغلقنا الباب الخشبي وراءنا بدقة ليعود القفل إلى مكانه وكأن أحداً لم يطأ المكان. تسللنا نزولاً عبر السلالم بخطوات قطة مستغلين الجلبة والضجيج الذي أحدثه رجال الشرطة في الطابق العلوي، وخلال لحظات، كنا قد خرجنا من البوابة الخلفية للبناية إلى زقاق جانبي ضيق وبعيد عن الأنظار.
لم نتوقف عن السير حتى عدنا إلى شقتي الآمنة. أغلقتُ الباب بالمزلاج، وأشعلتُ المصباح الزيتي، ثم جلستُ على الطاولة وأخرجتُ الدفتر الجلدي والصورة الفوتوغرافية. كانت الصورة واضحة، وتجمع اللورد آرتثر برادفورد بإليزابيث في حديقة خلفية سراُ، ويبدو عليها نفوذه وجبروته.
وضعتُ السكين الصغير بحذر بين ثنايا القفل الحديدي للمذكرات، وضغطتُ برفق حتى انكسر القفل بـ "تكة" خفيفة. فتحتُ الصفحة الأولى بخط يد إليزابيث الأنيق، لتسقط منها ورقة مطوية بعناية.
فتحتُ الورقة، لاتسع عيناي بذهول وأنا أقرأ الكلمات المكتوبة بالحبر الأسود. لم تكن المذكرات مجرد قصة حب سرية أو ابتزاز عاطفي، بل كانت تحتوي على مخطط تفصيلي لتهريب شحنات من الأسلحة والسموم عبر أرصفة ميناء لندن، وبأسماء شخصيات بارزة في المجتمع أحدهم... المحقق شارلوك نفسه! أو هكذا زُعم في الأوراق.
التفتُّ إلى مارك الذي كان يراقبني بذهول، وقلت له بصوت يرتعش من خطورة ما اكتشفناه:
— "مارك.. الجريمة لم تكن لإسكات خادمة تبتز لورداً فحسب. إليزابيث عثرت على سر قد يهز أركان لندن بأكملها.. ونحن الآن نملك الدليل الذي قد ينهي حياتنا إذا علم أحد بوجوده."
دارت مطابع "الجارديان" في تلك الليلة بقوة لم تشهدها لندن من قبل، وخرجت الصحف في الصباح تحمي العناوين الكبرى للبلاد لكنها تقص أجنحة الفساد بذكاء حاد. نُشرت القضية كضربة دولية ضد "شبكة تهريب المرفأ"، وجُرد اللورد برادفورد من نفوذه السياسي والتجاري بالكامل ووضع تحت الإقامة الجبرية بعيداً عن حبل المشنقة، ما أرضى باريس ولندن، وجعله جسداً بلا روح، مقصوص الجناحين، وعاجزاً عن الحركة للابد.بهذه التسوية الذكية التي قادها شارلوك من خلف الستار، ونفذتها أنا بحبر مطبعتي، أُغلقت قضية إليزابيث والمذكرات الجلدية إلى الأبد، وطُويت صفحة من أخطر صفحات الضباب اللندني ،وقفنا أنا وكيت ميدلتون أمام النافذة الكبيرة الممتدة من الأرض إلى السقف في مكتبي الجديد بصحيفة "الجارديان". كانت لندن بالأسفل تبدو وكأنها لعبة شطرنج عملاقة تحركها أصابعنا خلف الزجاج؛ فالمدينة التي كانت بالأمس تطاردني بأزقتها المعتمة وضبابها الخانق، باتت اليوم تنصت بوجل إلى صرير قلمي الأحمر قبل أن تطبع الصحف الوجبة السياسية اليومية للشعب البريطاني.لقد أثبتت الأيام أن النبالة لا تعني الانتحار في سبيل مبادئ مثالية لا تحمي أصحابها، بل تعني امت
ساد صمتٌ مفاجئ وثقيل في المكتب الفخم، وبدا وكأن الهواء قد تجمد بين جدرانه المحاطة بالكتب والصور الجنائية. تلاشت النبرة الاستعلائية من وجه رئيس القسم، السيد "فريدريك"، وضاقت عيناه خلف نظارته الطبية وهو ينظر إلى كيت ميدلتون التي كانت تقف بكامل نبالتها وسحرها الفرنسي البارد.ابتسمت كيت ابتسامة ساحرة، لكنها تحمل في طياتها دهاءً سياسياً يقطع كالسكين. خطت خطوة واثقة نحو مكتبه، وقالت بنبرة هادئة ورخيمة هزت أركان الغرفة:— "سيدي فريدريك.. نشكرك على هذا الترحيب الحار، ونشكرك أيضاً على السنوات الطويلة التي قضيتها في خدمة هذه الصحيفة وإدارتك لهذا القسم."قبل أن يستوعب فريدريك مغزى كلماتها، فتحت حقيبتها الجلدية الصغيرة واستلت منها ظرفاً رسمياً أنيقاً يحمل الأختام الخاصة بالإدارة العليا للجريدة، ووضعته بنعومة فوق مكتبه الخشبي وتابعت بقوة:— "ولكن.. التوازنات تتغير، والخطوط العريضة الجديدة تقتضي دماءً جديدة. هذا جواب مختوم وموقع من رئيس مجلس إدارة صحيفة الجارديان بنفسه، السيد فرانك ريبيري، يفيد بإعفائك من مهامك، وتعيين السيد جوني ماجواير رئيساً لقسم الجرائم والنشر بدلاً منك.. فوراً."شحب وجه فريدري
فوجدت في عينيها بريقاً يعرف جيداً كيف يخاطب الطموح الصحفي.العرض الذي همست به في أذني من صحيفة "الجارديان" لم يكن مجرد فخ، بل كان فرصة ذهبية ومغرية للغاية لصحفي جنائي مثلي يريد حفر اسمه بحروف من ذهب في تاريخ الصحافة البريطانية والعالمية. اقتربتْ مني مجدداً قبل أن تحتدم الأمور، ودعتني بنبرة خافتة وساحرة لعشاء عمل خاص في فندق فاخر يقع في شمال لندن، حيث الهدوء بعيداً عن صخب المباحث، وحيث تُطبخ الصفقات الكبرى خلف الأبواب المغلقة.أمام هذا التشابك الدبلوماسي والصحفي المعقد، وأمام غموض الظرف الملكي وتراجع توماس السكير عن شهادته، وجد وكيل النيابة نفسه في موقف لا يحسد عليه. ضرب بمطرقته الخشبية على الطاولة ليعلن قراره الحاسم:— "نظراً للتداخلات الجديدة في القضية، وحفاظاً على مسار التحقيق والأمن العام.. يُغلق المحضر الحالي، وتُؤجل القضية إلى جلسة أخرى لحين فحص المستندات والتحقق من الصفات الرسمية."تنفس اللورد برادفورد ومحاميه وايز مان الصعداء، وغادرا القاعة بوقار النبلاء المنتصرين مؤقتاً، بينما التفت إليّ المحقق شارلوك بنظرة صامتة، حادة ومحملة بالتحذير، وكأنه يقرأ ما يدور في عقلي.خرجتُ من قاعة
ساد صمتٌ قاتل في الغرفة، وبدا وكأن الورقة الرسمية المختومة بأختام إيطالية قد هبطت كالمقصلة على عنق القضية. كانت ابتسامة اللورد برادفورد البلهاء قد اتسعت، وعيناه تلمعان بانتصار أرستقراطي بارد، بينما كان المحامي وايز مان يعتدل في وقفته بنبالة وثقة كمن يضع اللمسات الأخيرة على رقعة الشطرنج.نظرتُ إلى الورقة، ثم إلى شارلوك. كان المحقق العظيم يقف هادئاً، يداعب غليونه غير المشتعل بأصابعه الطويلة، وعيناه الصقريتان تدرسان الورقة الطبية المزعومة عن بُعد.التفتُّ أنا (جوني) نحو وكيل النيابة، وكسرتُ الصمت بنبرة هادئة، ذكية، وساخرة بعض الشيء، متماشياً مع دهاء الخصم:— "رحلة استشفاء في إيطاليا؟ يا لها من مصادفة جغرافية مذهلة يا سيدي اللورد! بالأمس فقط، في حانة توماس، كنت تتذوق النبيذ الإيطالي المعتق بمتعة لا تليق برجلٍ كان يصارع المرض قبل أسابيع. ولكن.. دعنا نتحدث بلغة القانون والأدلة المادية التي لا تكذب."خطوتُ خطوة نحو طاولة الأدلة، والتفتُّ إلى وكيل النيابة وتابعت بذكاء حاد:— "المحامي المحترم يطالب بخبير خطوط لتعطيل التحقيق، ويقدم ورقة تُثبت غياب جسد اللورد في إيطاليا. لكنه نسي أو تناسى أن الج
جلس وكيل النيابة خلف مكتبه الضخم المزين بالشعار الملكي، وتوزعت المقاعد في غرفة التحقيق الرسمية لتوثق مواجهة قانونية للتاريخ. أخذ النيابة نفساً عميقاً، ونظر بجدية صارمة إلى الحضور بعد أن أثبت صفاتهم وأشخاصهم في محضر الجلسة الرسمي:السيد رئيس المباحث: بصفته وشخصه، المحقق شارلوك.المتهم: السيد اللورد آرتثر برادفورد، بصفته وشخصه، وبجانبه محاميه السيد وايز مان.المبلغ والشاهد الأول: السيد ماجواير، بصفته وشخصه (الصحفي الجنائي).الشاهد الثاني: السيد توماس، بصفته وشخصه (صاحب الحانة))، عدّل وكيل النيابة نظارته الطبية، وفتح ملف القضية ببطء، ثم طرق بمطرقته الخشبية طرقة خفيفة أعلنت بدء سماع القضية، ووجه نظراته الحادة نحو الحضور قائلاً بصوت رخيم ملأ أركان الغرفة:— "بناءً على المحاضر الرسمية المرفوعة إلينا، والأدلة المرفقة من زر ذهبي يحمل شعار عائلة برادفورد، ومذكرات المجني عليها 'إليزابيث'. نفتتح هذه الجلسة لسماع الأطراف حول مقتل الفتاة وشبهة الفساد والتهريب. نبدأ أولاً بسماع رواية الشاهد توماس.. سيد توماس، تقدم وأفرغ ما في جعبتك للامانة والقانون."ارتعدت فرائص توماس، ونظر إلى المحقق شارلوك ال
انعكست أنوار الفانوس الزيتي على زجاج كأس اللورد، وبدا وكأن الاسم الذي ألقاه في الهواء—"سيد شارلوك"—قد جمد الدخان المكسيكي في فضاء الحانة. كان التحدي بيننا قد وصل إلى ذروته؛ اللورد يحتمي خلف قناع الإحسان الكاذب والصدفة المفتعلة، ونحن نحتمي بالصمت والأدلة المخفية في جيوبنا.التفتُّ ببطء نحو الباب الذي دخل منه اللورد، ثم عدت بنظري إليه، وابتسمت ابتسامة هادئة حملت الكثير من الدهاء، وقلت بصوت خفيض انساب بنعومة مع الموسيقى الليلية:— "رواية مؤثرة جداً يا لورد آرتثر.. تليق بنبل عائلتكم. تفقد اليتامى وإغاثة الملهوف صفات تُرفع لها القبعات. ولكن.. أليس من الغريب أن يتزامن فعل الخير هذا مع سقوط زر ذهبي نادر يحمل شعار عائلتكم الملكي من معطفكم الفاخر، ليستقر في يد الضحية المتشنجة وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة؟"ساد صمت مفاجئ قطع رتابة الموسيقى. تجمدت نظرات اللورد، وتلاشت النبرة التمثيلية من عينيه ليحل محلها حذر صارم.تابعتُ هامساً، وأنا أستند بمرفقيّ على الطاولة، وأقترب من وجهه وسط الضباب الكثيف للدخان:— "ولامانة الحديث أيضاً يا سيدي.. اليتيمين الذين تحدثت عنهما، يبدو أن أحدهما كان يُدعى 'إليزابيث'. و