LOGINأطبق صمت رهيب على الغرفة، ولم يكن يُسمع فيها سوى أزيز المصباح الزيتي الخافت. نظرتُ إلى الورقة التي تحمل اسم المحقق شارلوك، الرجل الذي يثق به نصف سكان لندن، والمسؤول الأول عن كشف الجريمة التي وقعت بالأمس. هل يُعقل أن يكون حامي القانون هو نفسه الشريك في تهريب السموم؟ أم أن اللورد آرتثر برادفورد نسج خيوطه بذكاء ليجعل المحقق دمية في يده أو كبش فداء؟
التفتُّ إلى مارك وقلتُ له بصوت منخفض وحازم:
— "مارك، لا يمكننا الذهاب إلى الميناء دون أن نفهم مَن هو عدونا الحقيقي. إذا كان شارلوك متورطاً، فإن كل خطوة نخطوها مراقبة. يجب أن أواجهه بطريقة غير مباشرة.. سأستغل صفتي كصحفي يبحث عن تحديثات للقضية، وأقيس ردود أفعاله."
في المساء، توجهتُ بمفردي إلى مقر شرطة "سكوتلاند يارد". كان المقر يعج بالحركة، ورائحة الأوراق المكدسة تعبق الأجواء. طلبتُ مقابلة المحقق شارلوك بحجة كتابة تقرير لصحيفة المدينة حول تقدم سير التحقيق في جريمة قتل الفتاة إليزابيث.
سمح لي بالدخول، فوجدته يجلس خلف مكتبه الخشبي الضخم، يطالع بعض التقارير والتبغ يتصاعد من غليونه ليصنع غيمة رمادية حول رأسه. نظر إليّ بعينيه الصقريتين، ولم تظهر على وجهه أي تعابير، ثم قال بنبرة هادئة:
— "أهلاً بك مجدداً يا سيد ماجواير.. أرى أن شغف الصحافة يمنعك من النوم. ما الذي تريده في هذه الساعة المتأخرة؟"
جلستُ على المقر المقابل له، وحرصتُ على أن تكون نبرة صوتي طبيعية للغاية، وقلت:
— "مرحباً سيادة المحقق. جئتُ لأعرف إن كانت الشرطة قد توصلت لهوية الفتاة مجهولة الهوية، وهل هناك أي خيوط تقود للقبض على الرجلين؟ القراء في لندن متعطشون للعدالة."
أخذ شارلوك نفساً عميقاً من غليونه، ونفث الدخان ببطء، ثم اتكأ إلى الخلف وقال وعيناه تضيقان بذكاء:
— "لقد عرفنا هويتها بالفعل قبل ساعتين.. تُدعى إليزابيث، وكانت تعمل في قصر اللورد برادفورد. لكن الغريب يا سيد ماجواير، أننا عندما فتشنا غرفتها، وجدنا أن أحدهم قد سبقنا إليها ودخلها بطريقة غير شرعية قبل دقائق من وصول رجالنا، ولم نجد هناك أي أوراق أو مذكرات تخصها."
ثبّت شارلوك نظراته الحادة عليّ، وتابع بصوت خفيض حمل نبرة تهديد مبطنة:
— "السارق كان محترفاً.. أو ربما كان شخصاً يعرف الكثير. ما رأيك أنت كصحفي جنائي.. مَن قد يملك مصلحة في سرقة أوراق خادمة ميتة؟"
شعرتُ ببرودة تسري في جسدي؛ لقد كانت المواجهة صامتة، لكنها مليئة بالرسائل المبطنة بيننا.د ،حافظتُ على برود أعصابي، ولم تسمح ملامح وجهي بأي تراجع، بل رسمتُ علامات الدهشة والاهتمام على وجهي، واتكأتُ قليلاً نحو مكتبه وقلتُ بنبرة تملأها الفضول الصحفي:
— "هذا أمرٌ مثيرٌ حقاً يا سيادة المحقق! شخصٌ يسبق الشرطة إلى غرفتها؟ هذا يعني أن الأمر يتجاوز مجرد جريمة قتل عادية في زقاق معتم. ولكن، بما أنها كانت تعمل في قصر اللورد برادفورد... ألا يضع هذا اللورد نفسه أو أحداً من معارفه في دائرة الشبهة الأولى؟ مَن يملك النفوذ والسرعة لقلب الأمور هكذا سوى شخص يخشى ما قد تكشفه تلك الفتاة؟"
كنتُ أراقب كل حركات وجهه وتفاصيل تعابيره وأنا أنطق باسم "اللورد برادفورد". أردتُ أن أرى إن كان شارلوك سيتحرك دافعاً التهمة عن اللورد بحكم الشراكة المزعومة في الأوراق، أم أنه سيتصرف كمحقق يسعى خلف الحقيقة.
أخذ شارلوك نفساً طويلاً من غليونه، وظل صامتاً لثوانٍ يراقبني عبر غيمة الدخان الرمادية. ثم وضع غليونه جانباً، وتشابكت أصابع يديه فوق مكتبه، وقال بنبرة هادئة وباردة للغاية:
— "اللورد برادفورد قامة كبرى في لندن يا سيد ماجواير، والاتهامات دون أدلة قاطعة قد تكلف صاحبها الكثير... ومستقبله الصحفي قد يضيع في لحظة. القانون لا يتحرك بالظنون، بل بالأدلة الملموسة. ولكنني سأخبرك بشيء... نحن نستدعي اللورد غداً صباحاً للاستجواب الرسمي هنا في سكوتلاند يارد."
ثم انحنى شارلوك قليلاً نحو الأمام، ولمعت عيناه ببريق غامض وأضاف بصوت شبه هامس:
— "إذا كان هناك من يملك دليلاً حقيقياً يحكم به الخناق حول عنق الجاني، فعليه أن يظهره للعلن قبل أن يختفي هذا الدليل... أو يختفي صاحبه."
خرجتُ من مكتبه والأسئلة تعصف برأسي. هل كان تحذير شارلوك لي نصيحة غير مباشرة لتقديم ما أملك؟ أم أنه كان يهددني لأنه يعلم أنني أملك الدفتر؟ ،أومأتُ لمارك وعيناي لا تفارقان المحقق شارلوك الذي كان لا يزال واقفاً على عتبة المقر يرمقنا بنظراته الثاقبة بعد رحيل عربة اللورد. قلتُ لمارك بصوت منخفض وثابت:
— "مارك، انسَ أمر الميناء تماماً. القضية ليست تهريب شحنة في الظلام، القضية هنا.. في قلب لندن. الأمر يتعلق بفضح زيف ونفوذ هذا اللورد الأرستقراطي الذي ظن أن دماء الفتيات رخيصة، وإثبات إن كان هذا المحقق العظيم شريكاً في الفساد أم رجلاً شريفاً يرتدي قناع المداهنة لينقض على فريسته."
أخذتُ نفساً عميقاً، وعدّلتُ ياقة معطفي، ثم تحركتُ بخطوات واثقة عابراً الشارع نحو بوابة "سكوتلاند يارد"، وتبعني مارك وعلامات التوجس تبدو عليه. دخلنا إلى مكتب المحقق شارلوك دون أن يمنعنا الحراس، وكأن الأوامر كانت قد صُدرت بدخولنا.
كان شارلوك واقفاً خلف مكتبه، يملأ غليونه بالتبغ وعيناه تحملان هدوءاً غريباً. التفت إلينا وأغلق الباب خلفنا بيده، ثم التفت ونظر إليّ قائلاً بنبرة حملت الكثير من الجدية:
— "أهلاً بك يا سيد ماجواير.. أرى أنك لقطت الإشارة. لقد رأيت اللورد برادفورد وهو يخرج مبتسماً، وأظن أن ظنونك الصحفية قادتك إلى أنني بعتُ ضميري لحماية نفوذه، أليس كذلك؟"
تقدمتُ خطوة نحو المكتب، وأخرجتُ المنديل القماشي وبسطته أمامه، ليتلألأ الزر الذهبي ذو الشعار الملكي لعائلة برادفورد تحت ضوء المكتب. قلتُ بحزم:
— "اللورد برادفورد كان يرتدي معطفاً بأزرار ناقصة ومعدلة يا سيادة المحقق. وهذا الزر سقط من يد إليزابيث الميتة في الزقاق. المذكرات التي تبحث عنها شرطتك تثبت أن اللورد قتلها بدم بارد ليخفي أسراراً تهز العرش.. والسؤال الآن ليس عن جرم اللورد، بل عن نبالتك أنت.. هل تودع قاتلاً في السجن، أم تحمي لورداً فاسداً؟"
ساد صمت ثقيل في الغرفة، ونظر شارلوك إلى الزر الذهبي، ثم ببطء شديد، مرتسمة على شفتيه ابتسامة غامضة، وفتح درج مكتبه العلوي وأخرج منه شيئاً صدمنا تماماً...
أخرج شارلوك أمر قبض رسمي ومختوم باللون الأحمر يحمل اسم "اللورد آرتثر برادفورد"، والتفت إليّ قائلاً بصوت هز أرجاء الغرفة:
— "كنتُ أحتاج إلى هذا الدليل المادي المفتاح يا سيد ماجواير لتكتمل القضية! النبلاء في لندن لا يسقطون بالشكوك، بل بالأدلة الدامغة التي تجعل القانون فوق نفوذهم. الوداع الحار بالخارج كان مجرد تمثيلية لكي لا يهرب قبل أن أجمع الخيط الأخير... والذي كنت أعلم أنك تحتفظ به في جيبك."
انفرجت أسارير مارك، وشعرتُ بفخر عارم؛ فالعدالة والنبالة لم تمت في لندن بعد، والمحقق شارلوك كان يدافع عن الحق بطريقته الخاصة ،
نظر المحقق شارلوك إلى الزر الذهبي ثم إلى أمر القبض المختوم، والتمعت عيناه ببريق العزم. التفت إليّ وإلى مارك وقال بصوت منخفض وحازم:
— "اللورد برادفورد يظن أنه أذكى من القانون، وأنه بزيارته لي قد أبعد الشبهات عن نفسه. لكنه لا يعلم أن حبال المشنقة بدأت تلتف حول عنقه. سيد ماجواير.. لن نذهب إلى قصره الآن؛ فاللورد رتب لقاءً سرياً أثيراً الليلة لإغلاق هذا الملف نهائياً."
توجستُ من كلماته وسألتُه مستغرباً:
— "أين سيلتقي برجاله إذاً؟"
ابتسم شارلوك ابتسامة باردة وأجاب وهو يرتدي معطفه الأسود الطويل:
— "في المكان الذي بدأت فيه الجريمة.. في حانة توماس السكير. اللورد يعتقد أن توماس خائف ولن يتحدث، وهو ذاهب إلى هناك الليلة ليتأكد من صمته الأبدي، وليبحث عن أي أثر للمذكرات التي يعتقد أن الفتاة ربما خبأتها في الحانة قبل مقتلها. سنتوجه إلى هناك فوراً."
شحذتُ همتي وشعرتُ بالإثارة تسري في عروقي. تحركنا نحن الثلاثة: المحقق شارلوك بقامته المهيبة ونبالته الصارمة، وأنا جوني ماجواير الصحفي الشاب الذي يملك الدليل، ومارك الذي يراقب الأجواء بتوجس. انطلقنا عبر أزقة لندن التي بدأ الضباب يلفها من جديد مع اقتراب المساء، متوجهين صوب الشارع الذي أقطن فيه، صوب حانة "توماس السكير" ،
أطبق ليل لندن بضبابه الكثيف، وحملتنا خطواتنا المجهدة أنا ومارك نحو الحانة مجدداً. اخترقنا الباب الخشبي الثقيل، لتستقبلنا أجواء مغايرة تماماً عن صخب البارحة؛ كانت الموسيقى الليلية الناعسة تنساب في الأرجاء كهمس هادئ، ممتزجة برائحة الدخان المكسيكي الفاخر المتصاعد في سحب رمادية متلاحقة، وعبق النبيذ الأحمر الإيطالي المعتق الذي يملأ الكؤوس.
جلسنا في زاوية معتمة نترقب، وفجأة، انفتح الباب ببطء ووقار شديد.
دخل اللورد آرتثر برادفورد. كان يفيض بغرور أرستقراطي لا تخطئه عين، مرتدياً ملابس أنيقة للغاية، حيكت بعناية من أفضل نسوج القطن المصري الفاخر التي تلمع تحت الضوء الخافت. لم تبدُ عليه علامات القلق أو الريبة، بل خطا نحو طاولة قريبة منا، والتفت إلينا مبتسماً ابتسامة بلهاء وباردة، وهز رأسه مرحباً بنا وكأنه زبون دائم يحيي رواد المكان.
تلاقت أعيننا، وكان اللقاء بيننا صامتاً في بدايته، تعلوه أجواء التحدي والذكاء، ويمتزج فيه الحذر الشديد بخطورة الأسرار التي نخبئها في معاطفنا ،عدّلتُ من جلستي ببطء، وحافظتُ على هدوء ملامحي تماماً بينما كان مارك بجانبي يتنفس بحذر. رفعتُ كأسي قليلاً نحو اللورد، ورسمتُ على وجهي ابتسامة هادئة تليق بصحفي متمرس يعرف كيف يدير اللعبة، ثم افتتحتُ الحديث بنبرة واثقة وذكية انسابت مع الموسيقى الناعسة:
— "مرحباً بالسيد المحترم.. اللورد آرتثر برادفورد بذاته في أزقتنا المتواضعة. شرفٌ كبير لحانة شعبية أن تحظى بزيارة من سليل عائلة عريقة، يفوح منها عطر التبغ المكسيكي وتتألق بأناقة القطن المصري الفاخر في ليلة لندنية باردة كهذه."
أخذتُ رشفة صغيرة، وثبّتُّ نظراتي الحادة في عينيه وتابعت بذكاء يحمل تلميحاً مبطناً:
— "لكنني أتساءل يا سيدي.. ما الذي يأتي برجل ذو نفوذ ومكانة مثلك إلى هذا الزقاق المنسي مرتين متتاليتين؟ بالأمس في عتمة المطر، واليوم وسط كؤوس النبيذ الإيطالي؟ يبدو أن في هذه الحانة سحراً خاصاً يجذب النبلاء.. أو ربما أسراراً ضائعة لم تُكتشف بعد."
ضاق بريق عيني اللورد برادفورد قليلاً، وتلاشت ابتسامته البلهاء ليتخذ وجهه ملامح أكثر حذراً وتركيزاً، مدركاً أن الجالس أمامه ليس مجرد زبون عابر، بل خصم يزن كلماته بميزان من ذهب ،نظر اللورد برادفورد إليّ بتمعن، وهز كأسه ببطء حتى تماوج النبيذ الأحمر الإيطالي على جدران الزجاج، ثم نفث سحابة كثيفة من الدخان المكسيكي الفاخر. اعتلت وجهه ملامح الحزن المصطنع، وتحدث بنبرة هادئة ورصينة تمتلئ بالمكر والتمثيل:
— "سيدي الصحفي المحترم.. من دواعي سروري أن ألتقي بشاب يملك مثل هذه الملاحظة الحادة. لكن لا تذهب بظنونك بعيداً؛ فأنا كعادتي رجل يفعل الخير، وأحب دائماً أن أجلس مع المساكين وأتفقد أحوالهم. وفي حقيقة الأمر، ولامانة الحديث، كنت الليلة الماضية أتفقد يتيمين في هذه المنطقة من المدينة، وتزامني في المكان مع وقوع الحادثة البشعة حصل بمحض الصدفة البحتة."
اتكأ اللورد إلى الخلف، ووضع كأسه ببطء على الطاولة، وتابع حديثه بنبرة تمثيلية ماكرة وهو يوجه نظراته نحوي ونحو مارك، محاولاً جس نبضنا:
— "أنت تعرف بالطبع.. ما إن رأيت الفتاة تسقط حتى ذهبت مسرعاً بكل ما أوتيت من عزم لطلب الإسعاف وإنقاذها، لكن للأسف الشديد.. قد فات الأوان قبل أن نتمكن من فعل أي شيء."
ثم تنهد بأسى مصطنع، وقال ملتفتاً برأسه قليلاً نحو عتمة الحانة كأنه يخاطب شخصاً آخر:
— "أنا حزين حقاً يا سيد شارلوك على هذا المصير المؤلم الذي آلت إليه الفتاة.. إنه لأمر يفطر القلوب."
دارت مطابع "الجارديان" في تلك الليلة بقوة لم تشهدها لندن من قبل، وخرجت الصحف في الصباح تحمي العناوين الكبرى للبلاد لكنها تقص أجنحة الفساد بذكاء حاد. نُشرت القضية كضربة دولية ضد "شبكة تهريب المرفأ"، وجُرد اللورد برادفورد من نفوذه السياسي والتجاري بالكامل ووضع تحت الإقامة الجبرية بعيداً عن حبل المشنقة، ما أرضى باريس ولندن، وجعله جسداً بلا روح، مقصوص الجناحين، وعاجزاً عن الحركة للابد.بهذه التسوية الذكية التي قادها شارلوك من خلف الستار، ونفذتها أنا بحبر مطبعتي، أُغلقت قضية إليزابيث والمذكرات الجلدية إلى الأبد، وطُويت صفحة من أخطر صفحات الضباب اللندني ،وقفنا أنا وكيت ميدلتون أمام النافذة الكبيرة الممتدة من الأرض إلى السقف في مكتبي الجديد بصحيفة "الجارديان". كانت لندن بالأسفل تبدو وكأنها لعبة شطرنج عملاقة تحركها أصابعنا خلف الزجاج؛ فالمدينة التي كانت بالأمس تطاردني بأزقتها المعتمة وضبابها الخانق، باتت اليوم تنصت بوجل إلى صرير قلمي الأحمر قبل أن تطبع الصحف الوجبة السياسية اليومية للشعب البريطاني.لقد أثبتت الأيام أن النبالة لا تعني الانتحار في سبيل مبادئ مثالية لا تحمي أصحابها، بل تعني امت
ساد صمتٌ مفاجئ وثقيل في المكتب الفخم، وبدا وكأن الهواء قد تجمد بين جدرانه المحاطة بالكتب والصور الجنائية. تلاشت النبرة الاستعلائية من وجه رئيس القسم، السيد "فريدريك"، وضاقت عيناه خلف نظارته الطبية وهو ينظر إلى كيت ميدلتون التي كانت تقف بكامل نبالتها وسحرها الفرنسي البارد.ابتسمت كيت ابتسامة ساحرة، لكنها تحمل في طياتها دهاءً سياسياً يقطع كالسكين. خطت خطوة واثقة نحو مكتبه، وقالت بنبرة هادئة ورخيمة هزت أركان الغرفة:— "سيدي فريدريك.. نشكرك على هذا الترحيب الحار، ونشكرك أيضاً على السنوات الطويلة التي قضيتها في خدمة هذه الصحيفة وإدارتك لهذا القسم."قبل أن يستوعب فريدريك مغزى كلماتها، فتحت حقيبتها الجلدية الصغيرة واستلت منها ظرفاً رسمياً أنيقاً يحمل الأختام الخاصة بالإدارة العليا للجريدة، ووضعته بنعومة فوق مكتبه الخشبي وتابعت بقوة:— "ولكن.. التوازنات تتغير، والخطوط العريضة الجديدة تقتضي دماءً جديدة. هذا جواب مختوم وموقع من رئيس مجلس إدارة صحيفة الجارديان بنفسه، السيد فرانك ريبيري، يفيد بإعفائك من مهامك، وتعيين السيد جوني ماجواير رئيساً لقسم الجرائم والنشر بدلاً منك.. فوراً."شحب وجه فريدري
فوجدت في عينيها بريقاً يعرف جيداً كيف يخاطب الطموح الصحفي.العرض الذي همست به في أذني من صحيفة "الجارديان" لم يكن مجرد فخ، بل كان فرصة ذهبية ومغرية للغاية لصحفي جنائي مثلي يريد حفر اسمه بحروف من ذهب في تاريخ الصحافة البريطانية والعالمية. اقتربتْ مني مجدداً قبل أن تحتدم الأمور، ودعتني بنبرة خافتة وساحرة لعشاء عمل خاص في فندق فاخر يقع في شمال لندن، حيث الهدوء بعيداً عن صخب المباحث، وحيث تُطبخ الصفقات الكبرى خلف الأبواب المغلقة.أمام هذا التشابك الدبلوماسي والصحفي المعقد، وأمام غموض الظرف الملكي وتراجع توماس السكير عن شهادته، وجد وكيل النيابة نفسه في موقف لا يحسد عليه. ضرب بمطرقته الخشبية على الطاولة ليعلن قراره الحاسم:— "نظراً للتداخلات الجديدة في القضية، وحفاظاً على مسار التحقيق والأمن العام.. يُغلق المحضر الحالي، وتُؤجل القضية إلى جلسة أخرى لحين فحص المستندات والتحقق من الصفات الرسمية."تنفس اللورد برادفورد ومحاميه وايز مان الصعداء، وغادرا القاعة بوقار النبلاء المنتصرين مؤقتاً، بينما التفت إليّ المحقق شارلوك بنظرة صامتة، حادة ومحملة بالتحذير، وكأنه يقرأ ما يدور في عقلي.خرجتُ من قاعة
ساد صمتٌ قاتل في الغرفة، وبدا وكأن الورقة الرسمية المختومة بأختام إيطالية قد هبطت كالمقصلة على عنق القضية. كانت ابتسامة اللورد برادفورد البلهاء قد اتسعت، وعيناه تلمعان بانتصار أرستقراطي بارد، بينما كان المحامي وايز مان يعتدل في وقفته بنبالة وثقة كمن يضع اللمسات الأخيرة على رقعة الشطرنج.نظرتُ إلى الورقة، ثم إلى شارلوك. كان المحقق العظيم يقف هادئاً، يداعب غليونه غير المشتعل بأصابعه الطويلة، وعيناه الصقريتان تدرسان الورقة الطبية المزعومة عن بُعد.التفتُّ أنا (جوني) نحو وكيل النيابة، وكسرتُ الصمت بنبرة هادئة، ذكية، وساخرة بعض الشيء، متماشياً مع دهاء الخصم:— "رحلة استشفاء في إيطاليا؟ يا لها من مصادفة جغرافية مذهلة يا سيدي اللورد! بالأمس فقط، في حانة توماس، كنت تتذوق النبيذ الإيطالي المعتق بمتعة لا تليق برجلٍ كان يصارع المرض قبل أسابيع. ولكن.. دعنا نتحدث بلغة القانون والأدلة المادية التي لا تكذب."خطوتُ خطوة نحو طاولة الأدلة، والتفتُّ إلى وكيل النيابة وتابعت بذكاء حاد:— "المحامي المحترم يطالب بخبير خطوط لتعطيل التحقيق، ويقدم ورقة تُثبت غياب جسد اللورد في إيطاليا. لكنه نسي أو تناسى أن الج
جلس وكيل النيابة خلف مكتبه الضخم المزين بالشعار الملكي، وتوزعت المقاعد في غرفة التحقيق الرسمية لتوثق مواجهة قانونية للتاريخ. أخذ النيابة نفساً عميقاً، ونظر بجدية صارمة إلى الحضور بعد أن أثبت صفاتهم وأشخاصهم في محضر الجلسة الرسمي:السيد رئيس المباحث: بصفته وشخصه، المحقق شارلوك.المتهم: السيد اللورد آرتثر برادفورد، بصفته وشخصه، وبجانبه محاميه السيد وايز مان.المبلغ والشاهد الأول: السيد ماجواير، بصفته وشخصه (الصحفي الجنائي).الشاهد الثاني: السيد توماس، بصفته وشخصه (صاحب الحانة))، عدّل وكيل النيابة نظارته الطبية، وفتح ملف القضية ببطء، ثم طرق بمطرقته الخشبية طرقة خفيفة أعلنت بدء سماع القضية، ووجه نظراته الحادة نحو الحضور قائلاً بصوت رخيم ملأ أركان الغرفة:— "بناءً على المحاضر الرسمية المرفوعة إلينا، والأدلة المرفقة من زر ذهبي يحمل شعار عائلة برادفورد، ومذكرات المجني عليها 'إليزابيث'. نفتتح هذه الجلسة لسماع الأطراف حول مقتل الفتاة وشبهة الفساد والتهريب. نبدأ أولاً بسماع رواية الشاهد توماس.. سيد توماس، تقدم وأفرغ ما في جعبتك للامانة والقانون."ارتعدت فرائص توماس، ونظر إلى المحقق شارلوك ال
انعكست أنوار الفانوس الزيتي على زجاج كأس اللورد، وبدا وكأن الاسم الذي ألقاه في الهواء—"سيد شارلوك"—قد جمد الدخان المكسيكي في فضاء الحانة. كان التحدي بيننا قد وصل إلى ذروته؛ اللورد يحتمي خلف قناع الإحسان الكاذب والصدفة المفتعلة، ونحن نحتمي بالصمت والأدلة المخفية في جيوبنا.التفتُّ ببطء نحو الباب الذي دخل منه اللورد، ثم عدت بنظري إليه، وابتسمت ابتسامة هادئة حملت الكثير من الدهاء، وقلت بصوت خفيض انساب بنعومة مع الموسيقى الليلية:— "رواية مؤثرة جداً يا لورد آرتثر.. تليق بنبل عائلتكم. تفقد اليتامى وإغاثة الملهوف صفات تُرفع لها القبعات. ولكن.. أليس من الغريب أن يتزامن فعل الخير هذا مع سقوط زر ذهبي نادر يحمل شعار عائلتكم الملكي من معطفكم الفاخر، ليستقر في يد الضحية المتشنجة وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة؟"ساد صمت مفاجئ قطع رتابة الموسيقى. تجمدت نظرات اللورد، وتلاشت النبرة التمثيلية من عينيه ليحل محلها حذر صارم.تابعتُ هامساً، وأنا أستند بمرفقيّ على الطاولة، وأقترب من وجهه وسط الضباب الكثيف للدخان:— "ولامانة الحديث أيضاً يا سيدي.. اليتيمين الذين تحدثت عنهما، يبدو أن أحدهما كان يُدعى 'إليزابيث'. و