LOGINربما كانت رهف متعبة.فبعد أن استلقت بوقت قصير حتى غلبها النوم. أما كلمات سهيل، فلم تسمع منها في غفوتها إلا القليل، قبل أن تنساب إلى عالم الأحلام.وحين رأى سهيل ظهرها ساكنًا لا يتحرك، وأنفاسها منتظمة، مال نحوها، وأسند مرفقه إلى السرير، ثم مد رأسه حتى صار فوق وجنتها، يتفقد عينيها.كانت مغمضة العينين، وجسدها مسترخيًا، ولم يؤثر فيها اقترابه الشديد منها قيد أنملة.وبعد أن تأكد من أنها غرقت في النوم، لانت ملامح سهيل، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ارتياح. وأخيرًا سقط الحجر الثقيل الذي ظل جاثمًا فوق قلبه طويلًا، وتنفس الصعداء تمامًا.وكان سبب راحته تلك هو... صحة رهف.أن تتمكن من تناول طعامها جيدًا، وأن تغفو ما إن تستلقي، وأن تبتسم تحت أشعة الشمس، وأن تستمتع بنسيم الهواء العليل، وأن تجرؤ على الحب كما تجرؤ على الكراهية... أليس هذا بحد ذاته نوعًا من السعادة؟مرر أطراف أصابعه برفق بين خصلات شعرها المتناثرة على وجنتها، ثم دفعها خلف كتفها، كاشفًا عن وجهها الأبيض الجميل. تحركت تفاحة آدم في عنقه صعودًا وهبوطًا، وبدأت موجة من الحرارة تتجمع في صدره. كان جسده يتوق إلى الاقتراب منها، إلى تقبيلها، إلى لمسها.ل
وما إن التفتت، حتى رأت سهيل يضع وسادتها على السرير ويفرد لها غطاءها على النصف الآخر من السرير العريض.كانت درجة حرارة الغرفة مريحة، يغمرها ضوء أصفر خافت يبعث على الاسترخاء، بينما عبق الهواء بشذا اللافندر الخفيف.التقط سهيل الكتاب الذي كان قد جهزه مسبقًا على الخزانة الجانبية للسرير، وسألها: "هل ترغبين في القراءة أم النوم؟""سأقرأ لبعض الوقت." وقفت رهف متصلبة في مكانها، وعقلها صفحة بيضاء خاوية تماما من أي ذكرى تجمعهما معا.وبفقدانها لهذا الجزء من ذاكرتها، محيت حتى تجاربها الحميمية السابقة عن بكرة أبيها، فكيف لها إذن أن تتمدد باسترخاء وتشارك رجلًا الفراش ذاته؟رغم أن وسامة هذا الرجل تسلب اللب وتثير إعجابها بشدة، إلا أن التوتر كان يعتصرها.وضع سهيل الكتاب جانبًا ودار حول السرير ليتجه إلى النصف الآخر، ثم أزاح الغطاء وجلس مسندًا ظهره إلى اللوح الخشبي، قبل أن يخرج هاتفه وراح يتصفحه مطرقا برأسه قائلا: "اقرئي كتابك. لن أزعجك.""حسنًا." اقتربت رهف والتقطت الكتاب، وبجسد متخشب أزاحت الغطاء وجلست في السرير، مع حرصها على ترك مسافة فاصلة بينهما.فتحت الكتاب وحاولت الانغماس في سطوره، لكنها عجزت عن است
في وقت متأخر من تلك الليلة، استقبلت مريم رسالةً نصية من سهيل:"إن جاءت رهف لتنام في غرفتكِ، فابحثي عن أي عذر لرفض طلبها."حدقت مريم في شاشة هاتفها، وقد انعقدت حاجباها في حيرة من أمرها؛ لِمَ قد ترغب رهف في النوم في غرفتها فجأة؟وبينما كانت تهم بكتابة رد لتستفسر عن الأمر، طُرق الباب.وضعت مريم هاتفها جانبًا، وتوجهت لفتح الباب.وما إن فعلت، حتى وجدت رهف تقف أمامها بشعر منسدل مرتديةً منامة طويلة تناسب ليالي الخريف، وتحمل وسادةً وغطاءً خفيفًا، وعلى وجهها ابتسامة يكسوها الحرج.لم يسع مريم سوى أن تهتف في سرها بانبهار: أخي داهية! يقرأ الغيب!سألتها رهف وبدا الحرج عليها جليًا: "مريم... هل يمكنني أن أنام في غرفتك الليلة؟"دارت تروس ذهن مريم بسرعة، تبحث عن مخرج، لكنها لم تجد في لحظتها عذرًا مقنعًا، فسألت: "ما الخطب؟"أجابتها رهف بنبرة تفيض بالحنق: "شقيقك اصطحبني اليوم إلى السينما لكننا شاهدنا فيلم رعب هناك... وما زلت أعيش تحت تأثير صدمته حتى الآن."عضت مريم على شفتها لتكتم ضحكتها بصعوبة.لقد صدق من قال إن سهيل هو أكثر من يفهم رهف! يا له من داهية... ويا له من رجل خبيث!في الماضي، كانت مريم تتسابق
عند فقدان الطفل، كتب: "لست وحدك... فأنا معك، ولطالما كنتُ وسأبقى دائمًا بجانبك."وحين تعرضت للحادث ودخلت في الغيبوبة، كتب: "مهما طال سباتك سأنتظر استيقاظك، لكن ألا يمكنك أن تمنحيني موعدًا محددًا لعودتك؟"وفي رحلة تخييم على شاطئ البحر، كتب: "أتمنى لو نمضي حياتنا هكذا يدًا بيد، حتى نهاية العمر."وأثناء مشاهدتهما للألعاب النارية، كتب: "أنتِ أبهى من كل هذه الأضواء."وجدت رهف العشرات من المنشورات الأخرى توثق لحظات تناول الطعام معًا، ومشاهدة غروب الشمس ونزهات تتشابك فيها الأيدي وحتى صورًا لظليهما الممتدين على الأرض.كل حرف وكل صورة كانت تنضح بعشق جم، وتأرجحت حالته النفسية في تلك المنشورات بين الحزن والفرح، لكن الغالب عليها كان التطلع والأمل.كان حسابه أشبه بمذكرات يومية مفتوحة.أقدم منشور له كان مُرفقًا بصورة التُقطت في يوم إعصار مدمر، ومياه موحلة تغمر شوارع المجمع السكني وأشجار اقتُلعت من جذورها لتعم الفوضى والخراب.وقد أرفقها بعبارة قصيرة: "لم أنس، وما زلت أحبك بجنون."لم تتذكر رهف إطلاقًا ما الذي حدث بينهما خلال هذه الفترات الزمنية.لكن ما أثار استغرابها حقًا هو: كيف له أن يمتلك الجرأة لم
استمر عرض الفيلم لأكثر من تسعين دقيقة، قضت رهف جُلها متكورةً في أحضان سهيل.وكلما اقتربت لحظة مرعبة ما، كانت تتشبث بقميصه بقوة وتدفن وجهها في صدره. ولحسن حظه أنها لم تضع أيًا من مساحيق التجميل وإلا لتلطخ قميصه بالكامل.وحتى في المشاهد الهادئة لم تجرؤ على التزحزح عن حضنه، فقد أدركت جيدًا الحيل التي تعتمدها أفلام الرعب؛ حيث يباغتك المشهد بهدوء خادع قبل أن يقفز الرعب في وجهك على حين غرة.ورغم أن سهيل لم يكن محصنًا ضد رعب الفيلم، فإن الخوف تلاشى أمام متعة احتضان جسدها الرقيق واستنشاق عطرها الفواح.لقد راق له جدًا شعورها باحتياجها إليه.تعتمد أفلام الرعب عادةً على حبكة مليئة بالغموض، وهذا الغموض تحديدًا هو ما جعل رهف تندمج في الأحداث بكل تركيزها؛ فرغم أن الرعب كاد يوقف قلبها إلا أنها لم تستطع مقاومة انجذابها للقصة.لا يمكن إنكار نجاح الفيلم في حبكته، لكن جرعة الرعب كانت أثقل من أن تتحملها أعصابها وتستوعبها.حين غادرا قاعة السينما تظاهرت رهف بالتماسك، إلا أن قلبها ظل ينبض بريبة وخُيل إليها أن كل زاوية مظلمة حولها تخفي شيئًا مرعبًا يتربص بها.فرغم أنهما لم يمسكا بأيدي بعضهما، ظلت رهف ملتصقة ب
سألته رهف بفضول: "إلى أين سنذهب بعد أن ننهي طعامنا؟""ما رأيك أن نشاهد فيلمًا؟""فكرة رائعة! أي فيلم سنشاهد؟"قادها سهيل إلى داخل المقصورة الخاصة في المطعم، وابتسم بعذوبة قائلًا: "دعينا ننهي غداءنا أولًا، وسنقرر بعدها.""اتفقنا!"في تلك اللحظة، تسلل إليها شيء من الترقب لرؤية سهيل وهو يحاول التودد إليها من جديد.فهذا الرجل الوسيم والجذاب يقف أمامها كفارس أحلام حقيقي؛ حنون، متفهم، يتمتع بحضور آسر، وأناقة لا تُضاهى، وتهذيب يقطر رقيًا.لا بد أنه سيكون شديد الرومانسية، أليس كذلك؟مهلًا!رومانسية؟لكن بعد ساعتين فقط من غدائهما، تحطمت هذه الصورة المثالية، وانقشعت غشاوة الانبهار عن عينيها.هذا الرجل لا يمت للرومانسية بصلة.بل هو ماكرٌ وخبيث من الطراز الأول!لم تكتشف رهف الحيلة إلا بعد أن ولجا قاعة السينما، فالفيلم الذي اختاره لم يكن سوى فيلم رعب. أما المقاعد، فكانت مزدوجة مخصصة للعشاق، متصلة تمامًا ولا يفصل بينها مسند للذراعين.كما أنه لم يحضر معه مشروبات غازية أو فشارًا، بل اكتفى بزجاجة مياه معدنية واحدة.كانت إضاءة القاعة خافتة وكئيبة، والمكان شبه خالٍ؛ لا يجلس فيه سوى بضعة ثنائيات متناثرة ه
أمسك سهيل معصميها اللذين كانا يقاومان، وثبّتهما بقوة فوق رأسها على الحائط.راح يقبّلها بجنون، كوحشٍ فقد السيطرة.لم تعد رهف قادرة على التحمل، فانهمرت الدموع من عينيها المغمضتين تنساب ببطء.لم يكن ينوي التوقف إطلاقًا.لم تعد تتحمّل، فعضّت شفته بقوة."آه..." شعر بألم حاد، فابتعد عن شفتيها.سهيل الذي ك
كانت السنوات الأربع التي قضتها رهف الحسيني إلى جانب سهيل الصالح أسعد وأجمل الأوقاتِ في حياتها. وبعد الانفصال...بكت خمس سنوات.لم تكن تبكي كل يوم، لكن ما إن يخطر سهيل ببالها حتى تشعر كأن مطرًا كئيبًا يهطل في قلبها، رطوبة خانقة، وضيق يلفّ صدرها، فتبتلّ عيناها بالدموع.لم يخطر لها يومًا أنها ستلتقيه م
في اليوم التالي.بعد أن أنهت رهف عملها، أمسكت هاتفها وأرسلت رسالة إلى غيداء: "غيداء، هل استيقظتِ؟""استيقظت.""كيف حالكِ مع جواد؟""تحدثنا، وقد تنازل، وسيُقام الزفاف في موعده.""آسفة يا غيداء، لديّ قضية مهمة جدًا، وربما أسافر الشهر القادم، لن أتمكن من أن أكون وصيفتك... هل يمكنكِ أن تسامحيني؟""أجمل
تحت أنظار الجميع، مدّ سهيل يده إلى كأسه، ورفعه ثم شربه دفعةً واحدة حتى آخر قطرة.اختار أن يعاقب نفسه بشرب الخمر بدل أن يقبّل أيًّا من الحاضرات.ضحك الآخرون.رمت ميسم المنديل بضيق وقالت غاضبة: "سهيل، أنت حقًّا ممل... ممَّ تخجل؟"أطلق سهيل زفرة ثقيلة وكأنّه يهدّئ أثر الشراب.استمرت اللعبة، وبعد عدة جو







