Mag-log inحتى رضاعة الحليب كانت وردية اللون، والأوعية الصغيرة المخصصة للطعام زُينت باثني عشر أرنبًا صغيرًا.عشقت رهف الأرانب منذ نعومة أظفارها، لكن والدتها لطالما انتقدت ذوقها، ورأته مبهرجًا أكثر من اللازم وقبيحًا جدًا.لم تشترِ سريرًا للطفل.فقد كانت قد عقدت العزم على أن ينام طفلها في حضنها، إلى أن يشتد عوده ويزول خوفه من العتمة ويبلغ سن الدراسة، وحينها فقط سينام في سرير منفصل.لم ترغب في أن يعيش طفلها ما عاشته هي في طفولتها حين أُجبرت على النوم وحيدةً منذ أن وعت على الدنيا.في أيام طفولتها، كان منزلهم قديمًا وخانقًا، وخُصص لها سرير صغير في غرفة التخزين الكئيبة بلا نوافذ تتكدس فيها الخردة. وفي ليالي الشتاء، كانت الفئران تسرح وتمرح في أرجاء الغرفة المعتمة، فكانت رهف تختبئ تحت لحافها تنتحب بصمتٍ وترتعد فرائصها من الرعب. وحين ينهش الخوف قلبها الصغير، كانت تحمل لحافها وتتسلل إلى غرفة والديها باكية.لكن والداها اعتادا توبيخها بفظاظة قائلين إنها عديمة الفائدة والفئران لن تأكلها.كما كانا يصرخان في وجهها لأنها تزعج وقت راحتهما، متذمرين من أن عليهما الاستيقاظ باكرًا للعمل، وأنهما إن لم يعملا فستتضور هي
قال سهيل بصوتٍ يقطر حنانًا: "ما زال العمر أمامنا طويلًا، وستكون لدينا فرص كثيرة في المستقبل."وما إن طرقت هذه الكلمات مسامعها، حتى شحب وجهها المفتقر للدماء أصلًا، ليصبح بلون الرماد. طبقت أسنانها على شفتها السفلى بقوةٍ وحشية تكاد تدميها، في محاولةٍ يائسة لكتم صرخةٍ مزقت صدرها. تجمعت الدموع الحارة في مقلتيها، وأدارت رأسها ببطءٍ نحو الجانب الآخر، هاربةً من نظرات سهيل.أغمضت عينيها، وانهمرت الدموع لتغرق وسادتها، بينما راحت أصابعها المرتجفة تحت الغطاء تعتصر قماش رداء المشفى بعنف.شعرت وكأن فأسًا شطر قلبها نصفين، ثم نُثر الملح فوق جرحها النازف، حتى غدا كل نفس تستنشقه كابتلاع شفرة حادة، فيما يعتصرها ألم خانق يكاد يسلبها أنفاسها.طفا ذلك الحلم الطويل على سطح ذاكرتها مجددًا.طفلها يزحف نحوها بكل ما أوتي من قوة، لكنها عاجزة وعديمة الحيلة؛ تقف لتراقب طفلها يجهش بالبكاء، يستجديها بيأس:"ماما... أنقذيني..."لا بد أن طفلها شعر برعبٍ شديد، وبحزنٍ عميق...أمام أمٍ بهذا الضعف والعجز، لا بد أنه شعر بخيبة أملٍ قاهرة...ولهذا تخلى عنها....لقد تركها ورحل!"رهف..."استند سهيل إلى حافة السرير، ومال بجذعه ليت
في الحلم، رأت طفلها.ثمرة حبها هي وسهيل، وكان آيةً في الجمال، بشعرٍ قصيرٍ كثيف، وعينين واسعتين تشعان صفاءً تحت أهدابٍ طويلة، ووجه ممتلئ مستدير تعلوه ابتسامة عريضة مشرقة تكشف عن لثةٍ ناعمة خالية من الأسنان، فبدا في غاية البراءة والجمال.زحف الطفل نحوها بعينين يملؤهما الحماس، ففتحت رهف ذراعيها على مصراعيهما لتستقبله، لكنه استمر في الزحف بلا نهاية، حتى بدا عليه التعب وأثقل الإعياء حركته. فمهما حاول، عجز عن الوصول إلى أحضانها، حتى انتهى به المطاف جالسًا في مكانه، منهكًا محبطًا، ورمقها بنظرةٍ مكسورة قبل أن يجهش بالبكاء.بدا وكأنه يعاتبها بنشيجه ويقول: أمي... لماذا لا تأتين لاحتضاني؟أرادت أن تنهض، وأن تركض نحوه لتضمه إلى صدرها بكل ما أوتيت من قوة.لكن جسدها كان مُسمرًا في مكانه، وكأن قوةً خفية قد قيدتها خلف حاجز زجاجي في بُعدٍ آخر؛ ترى كل ما يجري في الخارج لكنها عاجزة عن اختراق ذلك الحاجز والوصول إليه، فلم تملك سوى أن تقف مكتوفة الأيدي وتراقب طفلها يصرخ بقلبٍ منفطر، بينما يعتصر قلبها ألمٌ مميت ولا حيلة لها لإنقاذه.بكى الطفل بحرقة، فبكت لبكائه.كان المشهد يفيض بالعجز واليأس.نظر إليها الطفل
في جزء من الثانية، أدارت سمر عجلة القيادة بسرعة."بووووم..."دوى صوت اصطدامٍ يصم الآذان، وارتطمت الشاحنة مباشرةً بمقعد الراكب الأمامي فالتفت السيارة مرتين، قبل أن تستقر مقلوبةً على سقفها على حافة الطريق.في اللحظة التي وقع فيها الحادث، كانت رهف وأحلام تجلسان في المقصورة الخلفية، غارقتين في تطلعاتٍ وأحاديث سعيدة عما إذا كان الطفل القادم صبيًا أم فتاة وعن الاسم الأنسب له.كانت سمر تقود بهدوء ورزانة كعادتها، وضغطت على المكابح في الوقت المناسب، فلم تتحطم السيارة إلى قطع صغيرة إثر الاصطدام.أما سائق الشاحنة الذي تعمد السير في الاتجاه المعاكس، فقد هرب من مكان الحادث على الفور.بدأ الدخان يتصاعد من السيارة بكثافة، واندلعت النيران في مقدمتها، فيما غابت سمر عن الوعي، مضرجة بالدماء وعالقة في مقعد السائق.وضعت رهف يدها على أسفل بطنها، وقد اجتاحتها موجات متلاحقة من الألم، ثم خرجت من المقصورة المقلوبة دون أن يتسع لها الوقت للتفكير في جنينها.دارت نحو الجانب الآخر من السيارة، وبذلت كل ما تملكه من طاقة لفتح باب السيارة المحطم وجذب حماتها العالقة في الداخل، لكن أحلام كانت قد فقدت وعيها تمامًا وظلت بلا
بدا الأمر كمتابعة الممثلين في الأعمال الدرامية، حيث تتسرب سعادتهما عبر الشاشة لتلامس قلب المشاهد فيفرح لفرحهم.كما أن سمر تترقب بشغف ذلك اليوم الذي تضع فيه رهف طفلها سليمًا معافى، لتكتمل لوحة هذه العائلة السعيدة.وبصفتها مراقبةً تعيش معهم تحت سقفٍ واحد، لم يسعها سوى أن تشعر بالغيرة تجاه رهف؛ ففي كل مساء، وما إن يطأ سهيل عتبة المنزل عائدًا من عمله، حتى يكون أول ما يفعله هو ضم رهف لتجلس في أحضانه، يسألها بلهفةٍ عن حالتها الجسدية ويتفقد صفاء مزاجها، ويستمع باهتمام بالغ إلى تفاصيل يومها، وما فعلته وما أكلته.رأت كيف يتحلى سهيل بصبرٍ استثنائي ويخصص جل وقته لمؤانسة رهف.جاء هذا الرجل على النقيض تمامًا من الصورة النمطية التي رسمتها في ذهنها عن الرجال.أما الأجواء العائلية في بيت سهيل فكانت استثنائية بكل المقاييس؛ بعد الانتهاء من تناول الطعام يلتف الجميع في غرفة المعيشة لتبادل أطراف الحديث بشغف، ويتنقلون من موضوعٍ لآخر وتتعالى ضحكاتهم في أحاديث لا تنضب، لا يُهمل فيها صوت أي فردٍ منهم.برز والدا سهيل كشخصيتين رائعتين، إذ أشرفا على كل شاردةٍ وواردة بأنفسهما بدءًا من انتقاء المكونات الطازجة من ال
أشرقت شمس الصباح، وتسللت خيوط ضوئها الدافئ إلى الغرفة الفسيحة، فأضاءت أرجاءها.استيقظت رهف من نومها، ومدت يدها لتتلمس السرير الفسيح المجاور لها وقد كان فارغًا؛ فقد نهض سهيل مبكرًا وتوجه إلى عمله.التقطت هاتفها لتتفقد الوقت، وكانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة ظهرًا.منذ بداية حملها تحسن نومها بشكلٍ ملحوظ، فقد خلدت إلى الفراش في وقتٍ مبكر من الليلة الماضية، واستيقظت متأخرة اليوم، لتنعم بما يزيد عن عشر ساعاتٍ من النوم.كان مزاجها جيدًا، فنهضت لتغسل وجهها وأسنانها، ثم رتبت السرير على مهل، وغادرت الغرفة قاصدةً المطبخ لتعد وجبةً خفيفة تسد بها جوعها كغداءٍ سريع.لكن وما إن وطأت قدماها غرفة المعيشة، حتى تسمرت في مكانها وقد أخذتها الدهشة."استيقظت يا رهف؟ لم يبقَ على الغداء إلا القليل ليكون جاهزًا." قالت أحلام وهي تخرج مرتديةً مئزر الطبخ، وتحمل أطباق الطعام وتضعها على المائدة بابتسامةٍ تفيض إشراقًا، وأردفت: "بقي صنف واحد من الخضار، لذا انتظري قليلًا."وعلى الجانب الآخر، كان فهد منشغلًا بترتيب الأطباق والملاعق، وتلاشت عن وجهه تلك الملامح الصارمة المعتادة لتحل محلها هالةٌ من الود واللطف، وقال بنب
تحت أنظار الجميع، مدّ سهيل يده إلى كأسه، ورفعه ثم شربه دفعةً واحدة حتى آخر قطرة.اختار أن يعاقب نفسه بشرب الخمر بدل أن يقبّل أيًّا من الحاضرات.ضحك الآخرون.رمت ميسم المنديل بضيق وقالت غاضبة: "سهيل، أنت حقًّا ممل... ممَّ تخجل؟"أطلق سهيل زفرة ثقيلة وكأنّه يهدّئ أثر الشراب.استمرت اللعبة، وبعد عدة جو
كانت السنوات الأربع التي قضتها رهف الحسيني إلى جانب سهيل الصالح أسعد وأجمل الأوقاتِ في حياتها. وبعد الانفصال...بكت خمس سنوات.لم تكن تبكي كل يوم، لكن ما إن يخطر سهيل ببالها حتى تشعر كأن مطرًا كئيبًا يهطل في قلبها، رطوبة خانقة، وضيق يلفّ صدرها، فتبتلّ عيناها بالدموع.لم يخطر لها يومًا أنها ستلتقيه م
في اليوم التالي.بعد أن أنهت رهف عملها، أمسكت هاتفها وأرسلت رسالة إلى غيداء: "غيداء، هل استيقظتِ؟""استيقظت.""كيف حالكِ مع جواد؟""تحدثنا، وقد تنازل، وسيُقام الزفاف في موعده.""آسفة يا غيداء، لديّ قضية مهمة جدًا، وربما أسافر الشهر القادم، لن أتمكن من أن أكون وصيفتك... هل يمكنكِ أن تسامحيني؟""أجمل
شعرت رهف بالخوف حقًا.في المرة الماضية، وفي فندق يعجّ بالناس، استطاع أن يتصرف معها بقسوة.والآن... في الساعة الثانية فجرًا، في ممرّ شقة هادئ خالٍ، لم تكن تعلم كيف سيتصرف معها.قالت بصوت مرتجف، وهي تلتصق بالباب كأنها مستعدة لطلب النجدة في أي لحظة: "أنا... لم أكن أعلم أنك ستأتي أيضًا... لم أقصد الظهور






