Share

𖥸༄ الفصل الثاني ༄𖥸

last update publish date: 2026-03-17 18:06:00

كانت الحفلة مازالت مستمرة، بينما بداخل القصر كانت نهاد وتولين تكملان جمع الأغراض المتبقية وعلى وشك الانتهاء ودموع نهاد تنساب على وجنتيها لا تتوقف حزنًا على فراق أبنتها الوحيدة. قالت وهي تمسك يد تولين وتجلس معها على السرير تنظر إلى عينيها اللتان تترقبان حديث أمها:

أنتِ عشتِ سنوات طويلة في انتظاره. تراقبين في صمت وخفاء حبًا يبدو مستحيلًا. حبيبتي أنتِ تعيشين في منزل هادئ مع عائلة تحبك، وتدرسين في أفضل المدارس وقد منَّ الله عليكِ نتيجة اجتهادك طوال تلك السنوات بفرصة إكمال دراستك خارج البلاد. هناك ستكتسبين خبرات حياتية عظيمة وستتعرفين إلى أشخاص جدد وستدركين مع الوقت أن مشاعر المراهقة تلك كانت مجرد مرحلة عابرة.

نظرت تولين إلى الأرض وصوتها يحمل مزيجًا من التردد والحزن:

أعرف أمي كل هذا وأدرك أن السفر الآن قد يكون فرصة جيدة لي، وإن لم تتغير مشاعري؟

شعرت نهاد بالحزن على حالها وقررت أن تتحدث معها بحكمة وهدوء:

تولين أنتِ تحبين من طرف واحد، والطرف الآخر لا يهتم ولا يكترث إلى مشاعرك تلك.

بكت تولين فاحتضنتها نهاد بحنان دافئ تربت على ظهرها بحب محاولة أن تواسيها وتوقظها من وهمها:

حبيبتي لم أقصد أبدًا أن أؤلمك. أنتِ ابنتي الوحيدة والأغلى عندي من الجميع حديثي معِك محاولة لإيقاظك من وهم الحب الذي يستهلكك. أريدك أن تنتبهي إلى حياتك فهناك حياة أجمل في انتظارك. لا تخسري نفسك من أجل حب لا فائدة منه. أنا أريد لكِ الأفضل فلا تحاولي التمسك بالأوهام وركزي على ما يمكنك تحقيقه.

آثرت نهاد إنهاء الحديث معها بلطف:

والآن وقد انتهينا من ترتيب كل شيء لا تنسي وضع جواز سفرك في حقيبة يدك، وسأوقظك في الثامنة صباحًا. الآن سأتركك ترتاحي قليلًا وأذهب، حتى أنضم إلى زوجة عمك. بالمناسبة جاسر سأل عنكِ ويريد أن يطمئن عليكِ، ويسأل أن كان ينقصك أي شيء.

ابتسمت تولين بود وقالت:

لا أنا على ما يرام.

ردت نهاد بابتسامة دافئة:

حسنًا تصبحين على خير حبيبتي.

نهضت نهاد بهدوء وغادرت الغرفة، بينما استلقت تولين على سريرها تسند رأسها على وسادتها الناعمة. عيناها مثبتتان على نقطة وهمية في السقف، وأفكارها تتنقل بعيدًا فمازالت أصوات الموسيقى التي تأتي من الخارج تتسلل إلى مسامعها تزيد من شرودها وعمق تفكيرها.

                               ❈-❈-❈

كان جاسر يتحدث مع بعض المدعوين من رجال الأعمال

سيد مراد تفقدت صباحًا سوق الاستيراد في اليابان، وألمانيا والوضع بالفعل غير مبشر، وبالطبع ليس بالنسبة لنا فنحن مسيطرون على السوق بالكامل، أما بخصوص رجال الأعمال الآخرين فصفقات قطع غيار السيارات التي سوف يتم استيرادها من الخارج لديهم بها بعض المشاكل.

قاطعو مراد التهامي باهتمام:

بالفعل هناك أزمة يعاني منها أغلب وكلاء السيارات والمستوردين تتعلق بصمود مخزونهم من قطع الغيار في مواجهة طلبات الصيانات بعض القطع مثل تيل الفرامل، والزجاج قد سجلت تراجعًا في مخازن بعض الفروع المختلفة لديهم.

جاسر بانتباه وجدية:

أغلب التوكيلات العاملة في السوق تواجه أزمة مع نقص تواجد قطع غيار معينة وصعوبة الاستيراد وتتزايد تدريجيًا، حتى يتم البت والموافقة على الاعتمادات المستندية لدى البنوك في استيراد شحنات جديدة و......

قطع حديثهم سامح والد جاسر وعلى وجهه علامات الاستياء، والغضب مستأذنًا من المتواجدين في الحديث مع جاسر في أمر هام وذهب معه بعيدًا.

جاسر باشا إلى متى ستستمر بهذه التصرفات؟ فقد طفح الكيل من أفعالك مع الآخرين التي تجاوزت كل حدود المنطق! أخبرني السيد رجائي أنك قمت بفصل ابنته لاميس من العمل، وأصدرت أوامرك بمنعها من دخول الشركة نهائيًا. ما هو ُمبررك؟ وما الذي تحاول الوصول إليه بهذه الأساليب؟

حك جاسر جبهته بتوتر، وكأنه غارق في التفكير وتحدث بغضب مكتوم:

لأنها فتاة غبية وتعتقد أنها تستطيع إيقاعي والوصول إليّ بتصرفاتها الرخيصة، والوقحة.

ضغط سامح على ذراع جاسر بعنف قائلًا بغضب:

أنت لا تهتم من مردود أفعال تصرفاتك وقراراتك تلك. الفتاة والدها صديقي وبيننا أعمال مشتركة ولا أريد خسارته. لماذا لا تكون بمثل ذكاء شقيقك؟

تلون وجه جاسر باللون الأحمر مما كشف عن مدى غضبه الذي بلغ ذروته وقال وهو يحاول السيطرة على أعصابه. ونبرة صوته خرجت حادة وقوية:

بابا قولت لك من قبل لا تقارني بأحد فكل واحد منا له طريقته، وأسلوبه في إدارة حياته وعمله. الجميع على علم أني غير راضٍ نهائي عن تصرفات حمزة، حتى هو بذات نفسه.

حمزة يرى كل شيء مباح وأن الغاية تبرر الوسيلة، حتى لو كانت ضد المبادئ، والقيم التي تربينا عليها. شقيقي المبجل يستخدم النساء كوسيلة للوصول إلى أهدافه والطرق الملتوية سواء في العمل أو في حياته الشخصية المهم نفسه وما يريد فقط وهذا لا يتوافق معي ولا يناسبني ولن أغير من نفسي أو من مبادئي من أجل أحد.

وأضاف بنبرة جريحة وهو يبتلع غصة مريرة من ذكرى لا يريد تذكرها:

هل تريد أن أعيد الماضي مرة أخرى بكل ما مريت به ولم يتحمل تبعاته سواي؟ لا لن يحدث ذلك مجددًا، ولن أترك حياتي من جديد في يد اختياراتكم.

علا صوت سامح بغضب بشكل ملحوظ مما جذب انتباه بعض المدعوين:

هذا عمل أيها الأحمق. مصلحة عائلة كاملة ذات مكانة واسم في السوق، وكل ذلك يصب في صالحنا في النهاية هذا هو المهم. في سوق العمل لا يجب أن تجعل لك أعداء، حتى وإن كنت قادرًا على الوقوف أمامهم. أنت ابني البكر يا جاسر، وأنا خائف عليك كثيرًا.

تأفف جاسر محاولًا انهاء الحديث:

أسلوبكم هذا هو الذي سيجعل الأعداء يتربصون بنا. حسنًا أبي دعنا نتوقف عن هذا الحديث الذي لا طائل منه الآن. من الأفضل أن أذهب لرؤية ضيوفي.

ترك جاسر والده يضرب أخماسًا في أسداس يكتم غيظه منه برغم فخره الشديد به إلا إنه يخشى من تصرفاته الحادة مع الأخرين. قرر جاسر الذهاب إلى غرفة مكتبة، حتى يهدأ قليلًا ويحاول السيطرة على انفعالاته. كانت تولين تقف أمام نافذة غرفتها عندما اتخذت قرارها غير مبالية بالعواقب. فهي تؤمن بأن كل شيء في الحياة فرصة ويجب اغتنامها. قررت أن تكتب لحمزة خطابًا تشرح به مشاعرها وتضعه له في غرفته أو ترسل له رسالة على تطبيق الواتس اب، فتراجعت عن ذلك فقد وجدتها فكرة سيئة وستضعها في مشكلة كبيرة مع عمها، وجدها. وفي نفس الوقت لن تنتظر، حتى يقرأه وتعرف رد فعله فالأفضل هو المواجهة المباشرة وأن تستجمع شجاعتها وتذهب إليه وتعلن عن مكنونات قلبها الذي يصرخ بحبه. كان أكثر ما يؤلم قلبها هو عندما يحين وقت الوداع، وتمتلئ الأعين بالدموع، وتنفجر بداخلها براكين الكآبة والأسى على حب لم يُكتب له الظهور للنور، وكتب عليها فراقة فما أصعب لحظة الوداع على المحب المتيم بحب ليس به أمل، وكأنها جمرة تحرق قلبها وروحها معًا.

                                            

                             ❈-❈-❈

كان جاسر يقف أمام النافذة الزجاجية الكبيرة، جسده مشدودًا ينفث دخان سيجارته بغضب شديد، بينما يده الأخرى ثابتة في جيب بنطال بدلته يشعر بلهيب الغضب يتأجج في داخله، وكأن نارًا صامتة تلتهمه بلا رحمة.

خرجت تولين من غرفتها تبحث عن حمزة فلم تجده فاتجهت نحو المكتب. كانت خطواتها بطيئة ومترددة كما لو كانت تنسحب بهدوء إلى المجهول. قدم تتقدم خطوة والآخرى تعود للوراء. كانت محاولاتها مستمرة في جمع شجاعتها التي كانت تتلاشى مع كل خطوة.

بعد مدة كانت قد وصلت إلى مبتغاها ووقفت لحظة أمام الباب؛ ثم فتحته برفق ودخلت المكتب فوجدته واقفًا يُوليها ظهره ينظر إلى الخارج من النافذة والضوء الخافت يكسو المكان مما جعل ملامحه غير واضحة. ربما كانت الإضاءة الخافتة تخفي عنها الحقيقة، أو ربما كان القدر يسير بها نحو ما لا تعرفه فلا أحد منهم يعلم ما يخبئه المستقبل له في تلك اللحظة الغامضة.

تولين بصوت محشرج، متهدج، وعيناها تغرقان بالدموع التي عجزت عن إيقافها نطقت بصعوبة:

جئت لأودعك قبل أن أغادر.

تفاجأ جاسر بما سمع فقد انتبه إلى صوتها وهي تتحدث معه. هل قالت إنها جاءت لتودعه بالفعل؟! كانت علاقتهما قد مرت بفترات من التوتر فهي ولسبب غير معلوم تخشاه وتبتعد عن التواجد معه في نفس المكان رغم تعامله الحنون والسلس معها ومع ذلك كانت عينيها تحملان دائمًا نظرة من الخوف والقلق اتجاهه ربما لشخصيته القوية، والغاضبة أغلب الوقت!

كان جاسر على وشك أن يلتفت إليها كي يتحدث معها، وفي لحظة تردد  كانت هي قد سبقت حركته، وكأنها تعلم ما سيحدث. طلبت منه بصوت خافت أن لا يلتفت إليها، حتى تتمكن من إخراج كل ما في قلبها دفعة واحدة وما شجعها على ذلك الإضاءة الخافتة في المكتب، وحرصها على أن لا تنظر إليه فقد كانت طوال الوقت تنظر أسفل قدميها.

أومأ لها جاسر برأسه كإشارة إلى إنه مستعد للاستماع، كأنها تراه فتحدثت هي وقد بدا القلق والتوتر واضحين عليها وقلبها يخفق بشدة كما لو كان على وشك الانفجار. تحدّثت بصوت مرتجف:

لا تلتفت إليّ من فضلك. إذا نظرت إلى عينيك لن أستطيع أن أقول ما أريد، ولن أتمكن من المضي بعد ذلك.

همس جاسر بصوت خافت وصل إليها بصعوبة ونبرته كانت واضحة بما يكفي، حتى تفهم ما يقوله:

حسنًا استمع إليكِ.

تنهدت بقلق؛ ثم أكملت بلهجة محملة بالتوتر:

لا تقاطعني من فضلك دعني أكمل حديثي. أنت تعلم أنني سأغادر في الصباح إلى الخارج مدة أربع سنوات ولا أدري إن كان غيابي سيترك أثرًا فيك. لا أتوقع أن أكون دائمًا في بالك أو تفكر فيّ كما أفكر فيك. فأنا بالنسبة لك مجرد شخص غير مرئي.

تنحنحت قليلًا قبل أن تتابع بصوت أخف مليء بالعاطفة والصدق:

أردت أن أخبرك بشيء. فأنا سأفتقدك كثيرًا ربما لم تلاحظ مدى اهتمامي بك. ودائمًا كنت أراقب أدق تفاصيلك ومهما كان الآخرون قد تشككوا فيك أو حملوا عليك أفكارًا خاطئة فأنا أعلم أنك شخص مختلف في أعماقك. أنت رائع، مدهش، حنون، عطوف، ومعطاء. وكل شيء فيك من جمال الصفات يجعلني أشعر أنك تستحق أن تعلم أنني أهتم بك، وأنك دائمًا في تفكيري وسأفتقدك أكثر مما تتصور.

أخذت تولين نفسًا عميقًا؛ ثم تابعت بصوتها الذي يحمل بين طياته مشاعرٍ مختلطة:

قبل أن أرحل أردت أن تعلم أنك أهم شخص في حياتي. لو كان بإمكاني أن أهبك عمري كله لما ترددت لحظة واحدة. إذا شعرت يومًا بما أشعر به اتجاهك فانتظرني، حتى أعود واكون لك فقد قررت ألا أظل صامتة وأنا الآن عند مفترق طريق لا أريد أن أسلكه؛ ثم أندب آلام قلبي، وأبكي على حبي لك وخسارتك وعلى ندمي من عدم مصارحتك بما يختلج في قلبي.

لم تكن كلماتها مجرد تعبير عن مشاعرها، بل كانت صرخة صادقة لاحتواء كل ما عجزت عن قوله طوال تلك السنين. تلك الكلمات التي عاشت داخلها طويلًا بكل تفاصيلها وألمها، وبينما كانت تجاهد لإيصالها انتابها شعور بالقلق حيال كيفية استقبال حبيبها هذه المشاعر وهي ما زالت متمسكة بالأمل وكأن كلماتها قد تحلق في الهواء مثل طيف خفيف ترقص في الأجواء فتتحول إلى طيور صغيرة تحلق بعيدًا في السماء. تتردد في العودة إلى أحضانها الدافئة وعلى الرغم من الصوت الهادئ الذي نطقت به كان واضحًا أنها تحاول جاهدة الوصول إلى جوهر تلك المشاعر التي اكتنفت قلبها. كان ذهنها مركزًا على ذلك الحبيب الذي يستحق الحب والاهتمام وعندما عاد وجهه إلى ذهنها شعرت بإبتسامة ترافقها غصة عميقة في الوقت ذاته. كانت مشاعر الحب والشوق، واللهفة تملأ قلبها وتدفعها إلى الرغبة في تقبيله، وضمه، واحتواء كل ما تعيشه من عشق. كانت تتمنى لو كان بإمكانها أن تهبه حياتها بكل تفاصيلها دون تردد أو تفكير، فاكتشفت أن كلماتها لم تزعزع فقط قلبه، بل كانت أيضًا بداية شرارة عشق لا مثيل له يعزف بنغم على وتر قلبيهما. قررت تولين أن تكون صادقة وأن تترك له الخيار فهي في انتظار استجابته لكل تلك المشاعر، حتى تعود مدفوعة بإيمانها العميق بما نطقته من كلمات صادقة ومليئة بالحب.

أما على الطرف الآخر فكان جاسر يستمع إلى حديثها وجهه مشدود من الذهول، وجسده متصلب من الصدمة. لم يستطيع تصديق ما تسمعه أذنه تلك الصغيرة ذات القامة القصيرة والحجم الضئيل تتحدث عن العشق والغرام. ولمن؟ له هو جاسر الشاذلي الرجل الصلب، المتبلد المشاعر والأحاسيس صاحب الشخصية الجادة الحادة كما يقولون. كلماتها أثارت بداخله مشاعر غريبة ومختلطة. مشاعر لم يستطيع السيطرة عليها وكأن بركانًا انفجر بداخله وأحرقه بالكامل. فقرر أن يستدير ويواجها وجهًا لوجه، ومن حسن حظه أو ربما من سوءة عندما استدار لم يجدها فقد كانت قد رحلت مثل نسمة صيفية رقيقة لم يشعر بها. ما زال ضوء القمر يتسلل خلف الغيوم الداكنة ينبعث من خلفها بنور خافت يملأ الغرفة وفي طياته رهبة اللحظات التي انقضت ليحولها إلى هدوء عميق ومع ذلك بقي القلق مستقرًا في قلب جاسر فقد شعر بشيء غامض يغمر صدره مع إدراكه غيابها. حاول التغلب على ذلك الشعور فبدأ يتجول في المكتب على غير هداوة، ولم يجد أي أثر لها، كأنها لم تكن هنا لم تترك خلفها أي بصمة إلا رائحة عطرها الأخاذ. هل كانت كلماتها مجرد خيالات؟ أم أنها جزء من حلمٍ غريب؟

استقر جاسر على مقعده بجانب النافذة عيناه تائهتان في المنظر الرائع الذي امتد أمامه. كان ضوء القمر يتناثر على سطح المسبح أمام النافذة مشعًا بتوهج ساحر، وكأن الماء تعكس أسرار الليل. في تلك اللحظة لامست رياح لطيفة وجهه وتلاعبت بشعره بلطف، وكأنها نسمات من أنفاس معشوقته تعانقه بحنان. لم يعلم كيف وصل إلى غرفته وما إن استلقى على سريره الوثير، حتى شعر بإرهاق عميق يغزو جسده فتناهت منه تنهيده ثقيلة. كان جاسر يشعر وكأن العالم كله قد اجتمع على قلبه في ظل غيابها وسفرها بعيدًا عنه. ظل شارد الذهن، وعيناه تائهتان في الفراغ يفكر في كل شيء وكل ما هو قادم. هل سيستطيع أن يتخلى عنها مرة أخرى؟ هل يستطيع قلبه أن تملئة امرأة سواها؟ بالطبع لا فقد كانت الإجابة واضحة وحاسمة لصالحها فتمتم إلى نفسه:

أتمنى لو أتمكن من ضمها إلى قلبي، لو أستطيع أن أقبلها. هل كنت سأكتفي بقبلة واحدة منها أو حتى بآلاف؟ كلماتها كانت تداوي جروحي التي نزلت على روحي كالبلسم وأحلامي التي كانت تائهة عني. كنت أتمنى أن أمسِك وجهها بين يديّ وأغمرها بحب وعشق لا ينتهي، وأغرق في بحر الغرام معها أكثر. أردت أن أُريها عمق مشاعري تلك المشاعر الجريحة التي شفتها هي مع مرور الزمن. تولين وجه القمر وضوئه، حب العمر، صغيرتي. لقد خُلق العشق فقط من أجلها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عندما يتكلم الحب "سلسلة فصول العشق الأربعة"   𖥸༄ الفصل الخامس ༄𖥸

    تحت الضوء الخافت الذي تسلل بالكاد عبر النافذة المظلمة بدا المشهد وكأنه لوحة قديمة تحمل ذكريات، ووجوهًا باهتة تنعكس بوميض شاحب على عينيه المحمّلتين بالهموم. أشعل جاسر سيجارة أخرى بعدما انتهى من الأولى ينفث دخانها ببطء، وكأنه يحاول طرد الأفكار التي تتسلل إلى ذهنه بلا استئذان ولم يستطيع التخلص من صورة تولين ابنة عمه الطفلة الصغيرة التي دخلت منزلهم ذات يوم خجولة ومفعمة بالبراءة لتصبح الآن شابة رائعة تحتل كل جزء من حياته. همس باسمها بصوت خافت: تولين…. تغلغل في كيانه صدى اسمها الدافئ وكأن حروفه تلامس روحه بلذة تختلط بالحب، والحنين، والخوف. حاول إقناع نفسه بأنها مجرد فرد من العائلة. جزء من حياته التي اعتاد عليها، أما عقله فكان يرفض ذلك. كان يعلم جيدًا أن مشاعره اتجاهها تجاوزت كل حدودٍ رسمها بعقله، وكل الأسوار التي شيدها حول قلبه ورغم ذلك ظل قلبه يركض خلفها كأن لا مفر، وكأن كل ما عداها سراب. رفع عينيه نحو السماء ينشد من بريق النجوم إجابة تشفي حيرته وهمس في صمت الليل: لماذا تعذب نفسك بعشقها؟ ولمَ هي من بين كل النساء تسكنك، حتى النخاع؟ صدى السؤال لم يجب والنجوم اكتفت بالصمت، كأنها تشفق علي

  • عندما يتكلم الحب "سلسلة فصول العشق الأربعة"   𖥸༄ الفصل الرابع ༄𖥸

    في مكان آخر وفي عالم رسمه هو لنفسه دلفت تولين إلى غرفة المكتب بهدوء فوجدته يجلس على مقعده خلف مكتبه الخاص يمسك بيده بعض الأوراق ويعمل بتركيز شديد فانتبه عليها من رائحة عطرها الخلاب الذي ملأ الأجواء. نظر جاسر لها مبتسمًا وهو يترك ما بيده ويعتدل في جلسته. يُشير لها فابتسمت وذهبت إليه فجذبها برقة يجلسها على قدمه يحتويها بداخل حضنه الدافئ، ويقترب منها بحميمية يقبل ثغرها بعشق فيستنشق عبق أنفاسها العطر. ثواني مرت ليبتعد عنها قليلًا يمنح لكلاهما فرصة لالتقاط أنفاسهما. عينيه بقيت متعلقة بعينيها، وكأنها العالم بأسره فمسد على وجنتها برقة وهمس بصوت مبحوح: لا أستطيع أن أبتعد عنكِ طويلًا أنتِ لي كالهواء الذي أتنفسه حبيبتي. شعرت بحرارة كلماته تذيب كل ما تبقى من مقاومتها. تمالكت نفسها وابتسمت بخجل فحاولت أن تبتعد بنظرها كي تكسر حدة اللحظة، بينما هو لم يسمح لها بذلك وأمسك وجهها برفق ينظر داخل عينيها بعشق وتمتم بحزم ممزوج بالحب: لا تهربي بنظراتك مني تولين فأنتِ مأواي الوحيد والأخير. نظرت إليه بعينيها اللتان فضحتا كل ما عجزت الكلمات عن التعبير عنه، وكأنها سلمت له مفاتيح قلبها دون تردد واقتربت منه أ

  • عندما يتكلم الحب "سلسلة فصول العشق الأربعة"                 𖥸༄ الفصل الثالث ༄𖥸

    كان حمزة مستلقيًا في السرير عاري الصدر وفي أحضانه داليا تشع نيران الرغبة في أعماق أعينهما. يحمل داخله روحًا ملوثة بالعبث والشهوة، والأخرى بالجشع والطمع. في لحظة من الإثارة اللحظية المشبعة بعبق سيجاره النفاذ ورائحة الكحول المسيطرة على الجو لامست أصابعه بلطف وجهها، ونظراته تعبر عن الرغبة الجريئة فكل تلك النسوة بالنسبة له ما هنّ إلا قضاء وقت ورغبة مغلفة فقط بالمصالح والتنافس بين عائلته ومنافسيهم. سارت أصابع يده على وجنتيها وعلى تفاصيلها والذي بدا مستلقيًا بلذة شهوانية عارمة بتوقيعه هو كازانوفا العاشق زير نساء عائلة الشاذلي ومعشوق النساء. فبرز مشهدهم ذلك، كأنه فيلم مهترئ من القبح بالرغم من اكتشاف حمزة للعديد من الأمور التي كشفتها له داليا عن صفقات مدحت زهران الجديدة وجميع أسرار شركته. استدارت تخاطبه بابتسامة حالمة، نابعة من جروحها العاطفية العميقة العاشقة له تاركة لحظات من الصمت تملأ المكان. فأخذت تداعب شعره بأناملها، والهمسات التي تنطقها تسلب عقل أعتى الرجال المتلاعبين وتثير في داخل أوردتهم الإثارة التي تتدفق عبر أجسادهم بشكل متلاحق، لكن ليس هو! فهو من علمهم أصول التلاعب، والخداع وهو من

  • عندما يتكلم الحب "سلسلة فصول العشق الأربعة"   𖥸༄ الفصل الثاني ༄𖥸

    كانت الحفلة مازالت مستمرة، بينما بداخل القصر كانت نهاد وتولين تكملان جمع الأغراض المتبقية وعلى وشك الانتهاء ودموع نهاد تنساب على وجنتيها لا تتوقف حزنًا على فراق أبنتها الوحيدة. قالت وهي تمسك يد تولين وتجلس معها على السرير تنظر إلى عينيها اللتان تترقبان حديث أمها: أنتِ عشتِ سنوات طويلة في انتظاره. تراقبين في صمت وخفاء حبًا يبدو مستحيلًا. حبيبتي أنتِ تعيشين في منزل هادئ مع عائلة تحبك، وتدرسين في أفضل المدارس وقد منَّ الله عليكِ نتيجة اجتهادك طوال تلك السنوات بفرصة إكمال دراستك خارج البلاد. هناك ستكتسبين خبرات حياتية عظيمة وستتعرفين إلى أشخاص جدد وستدركين مع الوقت أن مشاعر المراهقة تلك كانت مجرد مرحلة عابرة. نظرت تولين إلى الأرض وصوتها يحمل مزيجًا من التردد والحزن: أعرف أمي كل هذا وأدرك أن السفر الآن قد يكون فرصة جيدة لي، وإن لم تتغير مشاعري؟ شعرت نهاد بالحزن على حالها وقررت أن تتحدث معها بحكمة وهدوء: تولين أنتِ تحبين من طرف واحد، والطرف الآخر لا يهتم ولا يكترث إلى مشاعرك تلك. بكت تولين فاحتضنتها نهاد بحنان دافئ تربت على ظهرها بحب محاولة أن تواسيها وتوقظها من وهمها: حبيبتي لم أقصد

  • عندما يتكلم الحب "سلسلة فصول العشق الأربعة"          𖥸༄ الفصل الأول ༄𖥸 

    الموسيقى الصاخبة تتراقص في أرجاء المكان تختلط بالضحكات، والهمسات السرية، وأحاديث جانبية متشابكة، وكأنها سيمفونية فوضوية. عبير العطور الفرنسية النسائية الراقية يتمازج مع نفحات العطور الرجالية الفاخرة يطغى عليهما عبق السيجار الكوبي الفاخر فتشعر كأنك غادرت الواقع إلى عالم أسطوري وليالٍ ملكية مترفة. الجدران تروي حكايات من الفخامة، والزخارف الهندسية البديعة في المكان تحاكي الخيال، بينما تتراقص الأضواء بألوانها الباهرة، كأنها انعكاس لحلم يوشك أن يتجسد. كانت تلك الحفلة الفاخرة تقام في أحد القصور الشاهقة الواقعة في منطقة راقية والمملوكة لعائلة الشاذلي العريقة التي يزخر تاريخها برجال السياسة والاقتصاد والأعمال يحرسهم طابور من الحرس المزودين بالهيبة والانضباط. الجميع يعمل في القصر كخلية نحل لا تعرف الراحة.وفي ركن هادئ بعيد عن ضجيج الحاضرين وبهرجة الحفل وقفت فتاة في ربيعها الثامن عشر، وكأنها تنتمي لعالم آخر. كانت من الجمال بحيث يصعب وصفها فكانت ناعمة كنسمة صيف لا تُلمس، وعطرة كزهرة ياسمين تبعث بأريجها في كل إتجاه وتظل عالقة في الذاكرة طويلًا. شعرها الحريري مرفوع دومًا في كعكة كبيرة تخفي طوله ال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status