Share

𖥸༄ الفصل الخامس ༄𖥸

last update publish date: 2026-03-18 15:53:08

تحت الضوء الخافت الذي تسلل بالكاد عبر النافذة المظلمة بدا المشهد وكأنه لوحة قديمة تحمل ذكريات، ووجوهًا باهتة تنعكس بوميض شاحب على عينيه المحمّلتين بالهموم. أشعل جاسر سيجارة أخرى بعدما انتهى من الأولى ينفث دخانها ببطء، وكأنه يحاول طرد الأفكار التي تتسلل إلى ذهنه بلا استئذان ولم يستطيع التخلص من صورة تولين ابنة عمه الطفلة الصغيرة التي دخلت منزلهم ذات يوم خجولة ومفعمة بالبراءة لتصبح الآن شابة رائعة تحتل كل جزء من حياته.

همس باسمها بصوت خافت:

تولين….

تغلغل في كيانه صدى اسمها الدافئ وكأن حروفه تلامس روحه بلذة تختلط بالحب، والحنين، والخوف. حاول إقناع نفسه بأنها مجرد فرد من العائلة. جزء من حياته التي اعتاد عليها، أما عقله فكان يرفض ذلك. كان يعلم جيدًا أن مشاعره اتجاهها تجاوزت كل حدودٍ رسمها بعقله، وكل الأسوار التي شيدها حول قلبه ورغم ذلك ظل قلبه يركض خلفها كأن لا مفر، وكأن كل ما عداها سراب. رفع عينيه نحو السماء ينشد من بريق النجوم إجابة تشفي حيرته وهمس في صمت الليل:

لماذا تعذب نفسك بعشقها؟ ولمَ هي من بين كل النساء تسكنك، حتى النخاع؟

صدى السؤال لم يجب والنجوم اكتفت بالصمت، كأنها تشفق عليه أو تواسيه.

أيعقل أن القلب لا يختار؟

أيعقل أن نُبتلى بمن هم قدرنا لا خيارنا؟

ثم ابتسم بمرارة وقال في نفسه:

لو كان الهوى يُحكم بالعقل لما وقعتُ فيها من النظرة الأولى.

في تلك اللحظة انتابه شعور غريب كأن خيطًا خفيًا يشده نحوها. يربط بين روحيهما في صمتٍ لا يُرى ولا يُفسر. أما تولين فارتجف جسدها فجأة كما لو أن عينًا تراقبها عن بعد أو أن هناك من يسترق السمع لأفكارها الأشد خصوصية. وكأن أرواحهما تتحدث بلغة لا يتقنها إلا العشاق الصامتون فتتبادل الهمسات عبر المسافات دون أن تنطق كلمة.

أغمض عينيه فعادت الذاكرة تقوده إلى تلك اللحظات التي جمعته بها. اللحظات التي اجتهد فيها ليُخفي مشاعره، ويكبت رغبته في الاقتراب أكثر مما يجب منها. تذكر كيف كان قلبه ينتفض كلما رآها تضحك، وكيف كانت ضحكتها كفيلة بأن تسقط العالم من حساباته. لم ينسى عينيها حين شكرته ذات مرة أو طلبت منه شيء بخجل. تلك العيون التي تأسره بنظراتها دون أن تدري، وكأنها تملك مفاتيح قلبه وهي لا تعلم.

في الجانب الآخر من الليل جلست تولين وحدها يتسرب إليها الحنين قطرة، قطرة تتأمل الماضي وتبتسم بشجن، كأن الذكريات تتسلل إليها بهدوء، تتراقص أمام عينيها دون استئذان. كم مرة شعرت إنه الوحيد الذي يفهمها دون أن تشرح، يحتويها دون أن تطلب؟ كم مرة كان صوته، وجوده، حتى صمته يمنحها الأمان؟

غرقت في أفكارها والليل يلفها بسكونه، حتى غلبها النعاس واستسلمت له، وكأنها تأوي إلى حضنٍ لم تعد تراه، وما زالت تشعر به.      

                          ❈-❈-❈

صباح اليوم التالي جلس جاسر خلف مكتبه بداخل مقر الشركة الرئيسي وملامح الغضب تكسو وجهه، كأنها قناع لا يُنتزع. عيناه المشتعلتان بالسخط بدتا، وكأنهما مرآة لعاصفة داخلية لا تهدأ تعكس عذاب الماضي وحزنه الذي يخيم على قلبه كما لو كانت سيمفونية بائسة تعزف ألحانها في صمت خانق. تحاشى الموظفون الاقتراب من مكتبه هذا الصباح فقد كان الجو المشحون بالغضب كافيًا لتحذير الجميع من الاقتراب. الغرفة بدت، كأنها تضيق بجدرانها على انفجار الغضب الكامن داخله، والوقت يمر ببطء قاتل يزيد من معاناته. يجلس على كرسيه بقوة تعبيرًا عن انفعالاته المتوترة غير قادر على الخروج من تلك الحالة التي استحوذت عليه. كان الصمت المطبق في المكان عبء عليه أكثر إلى أن قُطِع بصوت طرقات خفيفة على الباب وقبل أن يسمح بالدخول فُتح الباب ببطء ودخلت نورا سكرتيرة مكتبة بإبتسامة خجولة تعلو وجهها، وعينين تحملان الجدية. كانت كلماتها متعثرة تتأرجح بين الاعتذار والخوف، بينما هو يحدق بها بنظرات جامدة مشحونة بالغضب. شعرت نورا بارتباك شديد أمام صمته القاتل، وكأن الغرفة بأكملها قد تحولت إلى سجن يطبق على أنفاسها. وبصوت حاد وبارد كالسيف تحدث:

اخرجي الآن يا نورا قبل أن يطالك غضبي.

احنت رأسها بخجل وجسدها يرتجف من هيبته؛ ثم انسحبت بخطوات مترددة وأغلقت الباب خلفها تاركة جاسر وحيدًا مع عاصفة مشاعره المتضاربة. أُمر الجميع بتجنب الطابق الذي يقع فيه مكتبه، وكأن الكل أصبح يدرك أن غضبه هذا ليس بالأمر العابر. أما في داخله ظل جاسر غارقًا في أفكاره يعيد شريط الذكريات المؤلمة. تلك الخيانة التي لم يكن يتوقعها أبدًا، وكيف أعمته مشاعره حين اختار أن يُسكت قلبه عن نداء حبيبته الصغيرة فيمنح ثقته لامرأة أخرى فتساءل في مرارة:

هل كانت مشاعرها حقيقية يومًا ما أم أنها مجرد ماهرة وبارعة في الكذب والخداع؟ هل كنت أعمى إلى هذا الحد؟

عقله يرفض التصديق ولا يستطيع إنكار حقيقة إن ما حدث كان جرحًا غائرًا لكرامته ولم يندمل بسهولة.

عودة إلى ماضي ليس ببعيد في جلسه مع صديقه المقرب أمجد الحسيني كان جاسر يحاول السيطرة على غضبه المتصاعد وهو يستمع إلى تفاصيل ما حدث وبصوت هادئ يخفي عاصفة قال:

أريد معرفة شيء يا أمجد وبدون كذب.

أجاب أمجد بحذر محاولًا تهدئة صديقه:

رأيتها تدخل أحد البنايات معه مساء الأمس وبدا بينهما تقارب واضح وبالتأكيد لا أعرف ما الذي يدور بينهما. لم أتمكن أمس من جمع المزيد من التفاصيل.

أومأ جاسر برأسه متظاهرًا بالهدوء وتحدث بحزم:

أريد مراقبة مستمرة لها. لا أريد أي شيء يفوتك وأبلغني بكل صغيرة وكبيرة.

كانت كلمات أمجد التالية كانت كالصاعقة:

جاسر هناك شيء آخر. فقد تلقيت قبل دخولي مباشرة معلومة من أحد رجالي بأنها في منزله الآن.

اشتعلت نيران الغضب في عروق جاسر وأمسك بمسدسه من درج مكتبه دون أن ينبس بكلمة. حاول أمجد تهدئته. خرج كالإعصار متوجهًا إلى المكان الذي اطلعه عليه أمجد. كانت كرامته واسم عائلته على المحك، وداخل قلبه صراع عنيف بين الانتقام وبين الشكوك التي مزقته لأيام وليالي. توجه نحو العنوان يقود سيارته بسرعة رهيبة وخلفه في سيارة آخرى أمجد، بينما المشهد المقبل يزداد ظلمة، وغموضًا في ذهنه كما لو إنه يسير نحو هاوية لا نهاية لها.

بعد مرور ساعة توقف جاسر بسيارته أمام البناية وهو غارق في أفكاره القاتمة. زوجته الآن في شقة رجل آخر. ماذا يحدث بينهما؟ لم يعد يتحمل تلك الصور التي تتراقص في ذهنه فتح باب السيارة بعنف ونزل بخطوات غاضبة وسريعة متوجه نحو البناية ووصل إلى الحارس الجالس على كرسيه الخشبي فبادره بالكلام بنبرة حادة غاضبة موضحًا صورة زوجته على هاتفه المحمول وهتف:

أريد أن أسألك عن هذه السيدة. هل رأيتها من قبل؟

نظر الحارس إلى الصورة بامتعاض وأجاب:

استغفر الله. هذه السيدة صعدت منذ ساعتين مع المهندس عمر فهي تأتي إليه من حين لآخر وتبقى عدة ساعات بالأعلى.

سأله جاسر بتوتر:

في أي طابق يسكن هذا الرجل؟

أجاب الحارس متهكمًا:

الدور الثاني عشر. أخذهم الله هم وأمثالهم.

نهض الحارس من مكانه وغادر وهو يتمتم بكلمات غاضبة، بينما ازداد الغضب في صدر جاسر كالنار المشتعلة فلم يعد يفكر سوى في مواجهة الحقيقة بنفسه. بدأ يصعد الدرج بسرعة غير منتظر للمصعد. خطواته الثقيلة تحمل معها كل الألم والغضب. دقائق مرت، وكأنها دهور، حتى وصل إلى الطابق المطلوب. خلفه كان أمجد يحاول اللحاق به، بينما غضب سيطر واطاح بكل شيء. وصل إلى الدور المطلوبة وبدأ يدق الباب بعنف دون أي استجابة ففي الداخل كانا الأثنان في عالمهما المحرم، غارقين في لحظة خيانة لا يدركان عواقبها. تنهدت هالة بعمق تحت أنفاس عمر المشتعلة تستسلم إلى مداعبته بنشوة. أمسك بخصرها وجذبها نحوه يغرقان في عناق محتدم قبل أن يلتقيا مجددًا في لحظات شغف عارمة تتخللها القبلات الحارة.

بعد محاولات عدة كسر جاسر الباب وظل يجول بنظراته في المكان يبحث بعينيه في كل زاوية عنهم، حتى التقط سمعه همسات خافتة تتسلل من إحدى الغرف فاندفع نحوها مسرعًا، كأن قلبه سبق خُطاه يدخل بحذر. كانت الصدمة أقوى مما تخيل فهناك على الفراش رأى زوجته في أحضان رجل آخر كلاهما عاريان وقد انغمسَا في خيانتهما بلا خجل. صرخ جاسر صرخة عالية غاضبة، وكأنها سهم اخترق قلبه وقال بغضب هستيري:

هالة......

ارتعبت هالة عند رؤيته وجسدها يرتعد تسحب الغطاء تداري جسدها بسرعة، بينما أبتعد عمر عنها يحاول النهوض فتجمد في مكانه من الرعب. أقترب جاسر من هالة ممسك شعرها يجذبها منه بقوة وهي تحاول المقاومة تقول بتبرير كاذب:

جاسر أرجوك سأوضح لك كل شيء. الحقيقة غير ما رأيت.

جاسر وهو يحدق بها بعينين تتقدان غضبًا واحتقارًا:

أتريدني أن أُصغي لمن دست خنجر الخيانة في ظهري؟!

أي كلمات تملُكِها لتُبرري دناءتك؟ أهذا جزاء من ائتمنك على شرفه وبيته؟!  كيف طاوعكِ قلبكِ؟! كيف دنستِِ كرامة رجل كان لكِ أمانًا وسترًا؟! ما كنتِ يومًا كما ظننت، وما كنتُ أحمقًا إلا حين تزوجت بكِ.

بدأ يصفعها بعنف وسط بكائها وهي تحاول أن تتحدث بصعوبة. وقعت عينا جاسر على عمر الذي كان يحاول التسلل بعيدًا بخوف فانعقد حاجباه، واشتعل الغضب في ملامحه من جديد وفي لحظة خاطفة وكأن الغضب قد أعماه تمامًا رفع جاسر مسدسه وصوبه بثباتٍ قاتل نحو عمر؛ ثم أطلق النار. دوى صوت الرصاصة في أرجاء المكان وسقط الأخير أرضًا غارقًا في دمائه مذهول النظرات، كأن الزمن توقف عند لحظة سقوطه.

في تلك اللحظة اندفع أمجد إلى الداخل يتقدم بخطى مسرعة وعيناه تتسعان من هول المشهد يحاول أن يُوقف صديقه قبل أن يبتلعه الجنون.

لم يكتفِ جاسر بما اقترفه، بل انقض على هالة كعاصفة غاضبة يجذبها من ذراعها بعنف، ينهال عليها بوابلٍ من الكلمات الجارحة والتهديدات:

سآخذك إلى والدكِ بهذا الشكل المُخزي ليرَ بنفسه من كانت تختبئ خلف قناع الطهر.

ووسط أنظار الجيران المتجمهرين الذين علت وجوههم ملامح الشماتة والفضول. ساقها نحو سيارته دون أن يلتفت لصراخها أو دموعها؛ ثم دفعها داخل المقعد الخلفي بقسوة، كأن الرحمة قد هجرت قلبه إلى الأبد. وعندما وصل إلى منزل والدها فتح الباب بعنف ودفعها إلى الداخل أمام أنظار العائلة المذهولة؛ ثم تحدث ببرود كالثلج:

هذه ابنتك لا شأن لي بها بعد اليوم. هالة أنتِ طالق وبلا رجعة.

صُدم والدها من هول المشهد، وعيناه تتنقلان بين وجهها الشاحب وجسدها الملطخ بآثار الإهانة والضرب فاندفع يحاول الحديث،  قاطعه بسخرية مرة ونبرة تحمل قهرًا دفينًا:

قبل أن تُدافع عنها اسأل ابنتك المصونة من أين جئتُ بها؟!

ومن حضن من انتزعتها؟! دعها تخبرك عن حقيقتها القذرة التي ما زالت تُخفيها خلف دموع الكذب.

أما هالة فقد سقطت على الأرض باكية، تختنق بعبراتها عاجزة عن النطق، كأن الكلمات قد خذلتها كما خذلت نفسها. نظر إليها والدها بعيون تغمرها خيبة أمل، وصوتٍ منكسر لا يخلو من رجاء:

هالة هل ما نطق به جاسر صحيح؟

لا إجابه. لا كلام فقط دموعها انهمرت في صمت تشهد على ذنب لم تُنكره ولم تملك الشجاعة لإنكاره.

نظر إليها للحظة أخيرة قبل أن يدير ظهره بخطوات متعبة؛ ثم غادر المنزل دون أن يلتفت، وكأن ما خلفه لم يكن يومًا حياته. خرج تاركًا رماد زواج احترق، ووطنًا صغيرًا تهدم في لحظة خيانة.

عاد جاسر من غياهب ذاكرته يتنفس بصعوبة، وكأن أنفاسه تختنق تحت وطأة ذلك الماضي المؤلم وقد تجدد ألمه في صدره، كأنها حدثت للتو. مد يده ببطء والتقط مفاتيحه وهاتفه؛ ثم نهض من مكتبه بخطوات شاقة يبحث عن أي شيء، أي وجه، أي طريق يبعده عن ليلٍ لم ينتهي بعد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عندما يتكلم الحب "سلسلة فصول العشق الأربعة"       𖥸༄ الفصل السادس ༄𖥸

    غادر جاسر مبنى الشركة بخطوات متثاقلة متوجهًا نحو سيارته، وعيناه تحملان ملامح التعب وشتات الذكريات. كان عازمًا على العودة إلى القصر وشيئًا ما بداخله لم يكن يشعر بالراحة فقاد سيارته ببطء، وكأن الطريق انعكاس لبحر أفكاره المتلاطمة. كل زاوية وكل لحظة كانت تهمس له باسمٍ واحد تولين. تلك الصغيرة التي تسللت إلى قلبه دون استئذان، وأضاءت عتمته بكلمة، بنظرة، بحضور خجول لم يُدرك كم احتاجه. خنقته نيران الشوق لها وملأته آلم لا يُحتمل، وخياله لم يكُف عن رسم ملامحها. تردد في الاتصال بها أكثر من مرة. كان يُقنع نفسه أن الصمت أحيانًا أرحم من وضع الاحتمالات ومع كل لحظة، كانت يده تقود المقود لا شعوريًا بعيدًا عن الطريق المؤدي إلى القصر، حتى وجد نفسه أمام الشاليه الصغير المُطل على البحر. ملاذه السري الذي لم يعرفه سواه ومعتصم. ركن السيارة على مهل وجلس فيها لحظات يتأمل الأفق؛ حيث ترسم الأمواج خطوطًا خفية على صفحة الماء، وكأنها تكتب له رسائل لا يُحسن قراءتها. كان هذا المكان دائمًا مهربه، ملاذه حين تضيق به الدنيا. بعيدًا عن صخبها. قريبًا من صمته الذي يفهمه وحده. ترجل بخطواتٍ مترددة، كأن قدميه تتقدمان وقلبه يع

  • عندما يتكلم الحب "سلسلة فصول العشق الأربعة"   𖥸༄ الفصل الخامس ༄𖥸

    تحت الضوء الخافت الذي تسلل بالكاد عبر النافذة المظلمة بدا المشهد وكأنه لوحة قديمة تحمل ذكريات، ووجوهًا باهتة تنعكس بوميض شاحب على عينيه المحمّلتين بالهموم. أشعل جاسر سيجارة أخرى بعدما انتهى من الأولى ينفث دخانها ببطء، وكأنه يحاول طرد الأفكار التي تتسلل إلى ذهنه بلا استئذان ولم يستطيع التخلص من صورة تولين ابنة عمه الطفلة الصغيرة التي دخلت منزلهم ذات يوم خجولة ومفعمة بالبراءة لتصبح الآن شابة رائعة تحتل كل جزء من حياته. همس باسمها بصوت خافت: تولين…. تغلغل في كيانه صدى اسمها الدافئ وكأن حروفه تلامس روحه بلذة تختلط بالحب، والحنين، والخوف. حاول إقناع نفسه بأنها مجرد فرد من العائلة. جزء من حياته التي اعتاد عليها، أما عقله فكان يرفض ذلك. كان يعلم جيدًا أن مشاعره اتجاهها تجاوزت كل حدودٍ رسمها بعقله، وكل الأسوار التي شيدها حول قلبه ورغم ذلك ظل قلبه يركض خلفها كأن لا مفر، وكأن كل ما عداها سراب. رفع عينيه نحو السماء ينشد من بريق النجوم إجابة تشفي حيرته وهمس في صمت الليل: لماذا تعذب نفسك بعشقها؟ ولمَ هي من بين كل النساء تسكنك، حتى النخاع؟ صدى السؤال لم يجب والنجوم اكتفت بالصمت، كأنها تشفق علي

  • عندما يتكلم الحب "سلسلة فصول العشق الأربعة"   𖥸༄ الفصل الرابع ༄𖥸

    في مكان آخر وفي عالم رسمه هو لنفسه دلفت تولين إلى غرفة المكتب بهدوء فوجدته يجلس على مقعده خلف مكتبه الخاص يمسك بيده بعض الأوراق ويعمل بتركيز شديد فانتبه عليها من رائحة عطرها الخلاب الذي ملأ الأجواء. نظر جاسر لها مبتسمًا وهو يترك ما بيده ويعتدل في جلسته. يُشير لها فابتسمت وذهبت إليه فجذبها برقة يجلسها على قدمه يحتويها بداخل حضنه الدافئ، ويقترب منها بحميمية يقبل ثغرها بعشق فيستنشق عبق أنفاسها العطر. ثواني مرت ليبتعد عنها قليلًا يمنح لكلاهما فرصة لالتقاط أنفاسهما. عينيه بقيت متعلقة بعينيها، وكأنها العالم بأسره فمسد على وجنتها برقة وهمس بصوت مبحوح: لا أستطيع أن أبتعد عنكِ طويلًا أنتِ لي كالهواء الذي أتنفسه حبيبتي. شعرت بحرارة كلماته تذيب كل ما تبقى من مقاومتها. تمالكت نفسها وابتسمت بخجل فحاولت أن تبتعد بنظرها كي تكسر حدة اللحظة، بينما هو لم يسمح لها بذلك وأمسك وجهها برفق ينظر داخل عينيها بعشق وتمتم بحزم ممزوج بالحب: لا تهربي بنظراتك مني تولين فأنتِ مأواي الوحيد والأخير. نظرت إليه بعينيها اللتان فضحتا كل ما عجزت الكلمات عن التعبير عنه، وكأنها سلمت له مفاتيح قلبها دون تردد واقتربت منه أ

  • عندما يتكلم الحب "سلسلة فصول العشق الأربعة"                 𖥸༄ الفصل الثالث ༄𖥸

    كان حمزة مستلقيًا في السرير عاري الصدر وفي أحضانه داليا تشع نيران الرغبة في أعماق أعينهما. يحمل داخله روحًا ملوثة بالعبث والشهوة، والأخرى بالجشع والطمع. في لحظة من الإثارة اللحظية المشبعة بعبق سيجاره النفاذ ورائحة الكحول المسيطرة على الجو لامست أصابعه بلطف وجهها، ونظراته تعبر عن الرغبة الجريئة فكل تلك النسوة بالنسبة له ما هنّ إلا قضاء وقت ورغبة مغلفة فقط بالمصالح والتنافس بين عائلته ومنافسيهم. سارت أصابع يده على وجنتيها وعلى تفاصيلها والذي بدا مستلقيًا بلذة شهوانية عارمة بتوقيعه هو كازانوفا العاشق زير نساء عائلة الشاذلي ومعشوق النساء. فبرز مشهدهم ذلك، كأنه فيلم مهترئ من القبح بالرغم من اكتشاف حمزة للعديد من الأمور التي كشفتها له داليا عن صفقات مدحت زهران الجديدة وجميع أسرار شركته. استدارت تخاطبه بابتسامة حالمة، نابعة من جروحها العاطفية العميقة العاشقة له تاركة لحظات من الصمت تملأ المكان. فأخذت تداعب شعره بأناملها، والهمسات التي تنطقها تسلب عقل أعتى الرجال المتلاعبين وتثير في داخل أوردتهم الإثارة التي تتدفق عبر أجسادهم بشكل متلاحق، لكن ليس هو! فهو من علمهم أصول التلاعب، والخداع وهو من

  • عندما يتكلم الحب "سلسلة فصول العشق الأربعة"   𖥸༄ الفصل الثاني ༄𖥸

    كانت الحفلة مازالت مستمرة، بينما بداخل القصر كانت نهاد وتولين تكملان جمع الأغراض المتبقية وعلى وشك الانتهاء ودموع نهاد تنساب على وجنتيها لا تتوقف حزنًا على فراق أبنتها الوحيدة. قالت وهي تمسك يد تولين وتجلس معها على السرير تنظر إلى عينيها اللتان تترقبان حديث أمها: أنتِ عشتِ سنوات طويلة في انتظاره. تراقبين في صمت وخفاء حبًا يبدو مستحيلًا. حبيبتي أنتِ تعيشين في منزل هادئ مع عائلة تحبك، وتدرسين في أفضل المدارس وقد منَّ الله عليكِ نتيجة اجتهادك طوال تلك السنوات بفرصة إكمال دراستك خارج البلاد. هناك ستكتسبين خبرات حياتية عظيمة وستتعرفين إلى أشخاص جدد وستدركين مع الوقت أن مشاعر المراهقة تلك كانت مجرد مرحلة عابرة. نظرت تولين إلى الأرض وصوتها يحمل مزيجًا من التردد والحزن: أعرف أمي كل هذا وأدرك أن السفر الآن قد يكون فرصة جيدة لي، وإن لم تتغير مشاعري؟ شعرت نهاد بالحزن على حالها وقررت أن تتحدث معها بحكمة وهدوء: تولين أنتِ تحبين من طرف واحد، والطرف الآخر لا يهتم ولا يكترث إلى مشاعرك تلك. بكت تولين فاحتضنتها نهاد بحنان دافئ تربت على ظهرها بحب محاولة أن تواسيها وتوقظها من وهمها: حبيبتي لم أقصد

  • عندما يتكلم الحب "سلسلة فصول العشق الأربعة"          𖥸༄ الفصل الأول ༄𖥸 

    الموسيقى الصاخبة تتراقص في أرجاء المكان تختلط بالضحكات، والهمسات السرية، وأحاديث جانبية متشابكة، وكأنها سيمفونية فوضوية. عبير العطور الفرنسية النسائية الراقية يتمازج مع نفحات العطور الرجالية الفاخرة يطغى عليهما عبق السيجار الكوبي الفاخر فتشعر كأنك غادرت الواقع إلى عالم أسطوري وليالٍ ملكية مترفة. الجدران تروي حكايات من الفخامة، والزخارف الهندسية البديعة في المكان تحاكي الخيال، بينما تتراقص الأضواء بألوانها الباهرة، كأنها انعكاس لحلم يوشك أن يتجسد. كانت تلك الحفلة الفاخرة تقام في أحد القصور الشاهقة الواقعة في منطقة راقية والمملوكة لعائلة الشاذلي العريقة التي يزخر تاريخها برجال السياسة والاقتصاد والأعمال يحرسهم طابور من الحرس المزودين بالهيبة والانضباط. الجميع يعمل في القصر كخلية نحل لا تعرف الراحة.وفي ركن هادئ بعيد عن ضجيج الحاضرين وبهرجة الحفل وقفت فتاة في ربيعها الثامن عشر، وكأنها تنتمي لعالم آخر. كانت من الجمال بحيث يصعب وصفها فكانت ناعمة كنسمة صيف لا تُلمس، وعطرة كزهرة ياسمين تبعث بأريجها في كل إتجاه وتظل عالقة في الذاكرة طويلًا. شعرها الحريري مرفوع دومًا في كعكة كبيرة تخفي طوله ال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status